الثلاثاء 17 يناير 2017 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / قضايا / ستظل رمزا للحرية والتضحية والكرامة الوطنية.. الجزائر في عيد ثورتها وشبابها الدائم
ستظل رمزا للحرية والتضحية والكرامة الوطنية..  الجزائر في عيد ثورتها وشبابها الدائم

ستظل رمزا للحرية والتضحية والكرامة الوطنية.. الجزائر في عيد ثورتها وشبابها الدائم

إذا ما ذكرت ثورات القرن العشرين كانت الجزائر ابرزها، الى جانب الصين، وفيتنام .. ومن ثم الثورة الفلسطينية التي استفادت كثيرا من الثورة الجزائرية، بل إن أول احتكاك لبعض قياديي تلك الثورة بالعمل الثوري كان من خلال مكتب لهم في الجزائر، ويحضرنا هنا خليل الوزير الذي بدأ مبكرا اتصالاته بالجزائر مستفيدا من خبراتها الثورية، فكان اول دعم تلقاه منها، وما قدمه الجزائريون الى الفلسطينيين الشيء الكثير. بل مازلت أذكر تلك الكراسات الصغيرة التي كانت تثقف بها مقاتليها حركة ” فتح ” كانت ثورة الجزائر ابرزها.
مدرسة ثورية هي ، ثورة المليون ونصف المليون شهيد عنوانها، مع ان احد المثقفين الجزائريين يعتبرون ان عدد شهداء الثورة تسعة ملايين اذا ماحسبنا الثورات التي انطلقت منذ الاحتلال الفرنسي وحتى لحظة الاستقلال.
اليوم، وذكرى الاول من نوفمبر التي هي لحظة انطلاق الثورة ليست بعيدة، فإن الكتابة عنها تظل ساخنة، صادقة، وبنفس ملحمي يمكن للكاتب ان يسترجع تلك الاحداث الكبرى التي استمرت سنينا واتخذت اشكالا مختلفة الى ان تم انجاز الاستقلال. وكيف ينسى المرء ايضا تلك القامات الجزائرية القيادية التي لعبت ادوارا غيرت مسار الواقع الجزائري، هل يمكن ان ننسى احمد بن بلله وهواري بومدين وبوضياف ورابح بيطاط وحسين آية أحمد وآخرين، هل يمكن ان ننسى ذلك المشهد في ساحات العاصمة الجزائرية وجيل كامل تحول الى صباغ احذية، يمد له الفرنسي رجله كي يمسح حذاءه .. كانوا جيشا من ماسحي الاحذية، ما ان امسك بن بللله بالحكم حتى شطب ذلك المشهد بمنع مسح الاحذية تماما. ويذكر الكاتب خالد نزار في كتابه عن معارك جزائرية ما قوله: ” كان الجزائريون المصطفون على طول أزقة المدينة لتلميع أحذية الكولونيل يلقبون بالاولاد، في حين كان الكتاب ذاته يظهر الطفل الفرنسي بزيه الحسن الذي تزيده جمالا والجوارب القصيرة وتسريحة الشعر”.
اليوم تتمتع الجزائر بتلك الاستقلالية لكنها لم تدر ظهرها الى ماضيها الذي كان .. لاتنسى شهداءها، وان كان الكاتب الطاهر وطار قد قسى على الثورة حين كتب روايته ” الشهداء ينهضون هذا الاسبوع “.. فقد كتب ذلك من خلال حبه لبلده وتقييمه للاسباب التي سقط من اجلها كل اولئك الشهداء.
تاريخ يحكي
تقول التواريخ المكتوبة التي يمكن النقل عنها، إن بدايات المقاومة في الجزائر لم تبدأ في تاريخها الحديث، بل تعود الى الساعات الاولى التي احتلت فيها فرنسا البلد العريق .. ولعل ابرز الحركات التي واجهت الفرنسيين كانت ثورة عبد القادر الجزائري 1832 التي استمرت خمسة عشر عاما، لم تكن الثورة تملك السلاح الكافي ولا الإمكانيات اللوجستية، فيما كان الجيش الفرنسي في كامل عدته وعدده الذي وصل الى 120 الفا فمارس حرب ابادة ضد الجزائريين قتل فيها البشر والحيوانات واحرق المزارع، بمعنى كانت حرب انهاء كل مظهر ثوري، مما أوقع الذعر في صفوف الاهالي في حين استسلم عبد القادر ونفي الى دمشق التي توفي ودفن فيها. لكن ذلك لم يعني ان الثورات انتهت، بل كانت تندلع بين الفينة والاخرى وان لم تكن شاملة، فهي اما جهوية او عشائرية، ويقول تاريخ تلك الفترات ان المقاومة ضعفت بعد ثورة احمد بومرزاق سنة 1872 وقتل الثورات بسبب وحشية الجيش الفرنسي واتباعهم سياسة الابادة والتصفية الجسدية، في حين كان الشعب يفقد قيادته رويدا، ولعب الافقار ايضا دورا في تنمية تراجع الثورات ايضا. وتذكر التواريخ ايضا، ان فرنسا اتبعت منذ لحظات احتلالها للجزائر سياسة الفرنسة بحيث يتحول كل مافي البلد الى الفرنسية بشكل تلقائي، وقد ثبت لاحقا من خلال عمليات التصدي للثورة كيف عوملت بقسوة وبطش شديدين حين لم يكن في عرف فرنسا الخروج مطلقا من الجزائر .. هنا نتذكر ان الاحتلال الفرنسي احدث جروحا عميقة في المجتمع الجزائري فقد عملت فرنسا على ايقاف النمو الحضاري والمجتمعي طيلة احتلالها الذي دام مائة وثلاثين سنة .. كما عملت على طمس هوية الجزائريين الوطنية، وتصفية الاسس المادية والمعنوية التي يقوم عليها هذا المجتمع، بضرب وحدته القبلية والاسرية واتباع سياسة تبشيرية تقضي الى القضاء على الاسلام الذي كان من الصعب القضاء عليه بل كان الحافز الاكبر في عملية التحرير واعادة تجميع الشعب الجزائري في ثورته المظفرة. ومن الدلائل ايضا على الفرنسة ماتم احياؤه للكنيسة الافريقية تحت مقولة كانت تتردد في ذلك الوقت ” من ان العرب لايطيعون فرنسا الا اذا اصبحوا فرنسيين ولن يصبحوا فرنسيين الا اذا اصبحوا مسيحيين”.
ولان اتجاه الفرنسة كان اساسيا، فقد اتجه الفرنسيون الى محو اللغة العربية عبر محاربتها بكافة الطرق اما باغلاق المعاهد والمدارس التي تدرس العربية ثم تدرج الى منع تعليم اللغة العربية في جميع المدارس والمعاهد والجامعات .. وعدم السماح لاي شخص على ممارسة تعليمها الى بعد الحصول على ترخيص خاص وفي حالات استثنائية، حدث ذلك كله مقابل نشر الثقافة واللغة الفرنسية واشترطوا على كل ترقية اجتماعية ضرورة تعلم اللغة الفرنسية، كذلك عملوا على الفصل بين اللغة العربية والاسلام والترويج لفكرة ان الجزائريين مسلمون ومسيحيون.
إضافة الى ذلك، اهتم الفرنسيون بالترويج للهجات المحلية على حساب اللغة العربية، فشجعوا اللهجة الجزائرية واتبعوا كل سبيل لمحاربة اللسان العربي واعتبروا اللغة العربية الفصحى في الجزائر لغة ميتة .. وفي وقت متأخر كان قد اصدر الرئيس الراحل هواري بومدين قرارا صارما بإعادة تعلم اللغة العربية وممارستها في كل مكان، ومن لايتقنها يتحمل المسؤولية بطرده من عمله .. كما سعى الفرنسيون الى ضرب الوحدة الوطنية الجزائرية بين الامازيغ والعرب فأوجدوا تفسيرات مغرضة واحكاما متحيزة لاحداث التاريخ الجزائري، ومنها ان الامازيغ كان من الممكن ان يكون لهم مصير اوروبي لولا الاسلام، واعتبروا العنصر الامازيجي من اصل اوروبي وحكموا عليه بطبع معاد للعرب، وسعوا لإثبات ذلك من خلال الدراسات والابحاث وخلصوا من ذلك الى اعتبار ان اللغة الامازيجية لها خصوصيتها..
ولم تقف الفرنسة عند هذا الحد، بل ذهب الفرنسيون الى عملية تنصير الشعب الجزائري فاتبعوا سياسة تبشيرية ففتحت الكثير من المدارس التبشيرية وبنيت الكنائس ووجه نشاطها للاعمال الخيرية والخدمات الاجتماعية لربطها بواقع السكان الفقراء .. وحسب الاحصاءات الفرنسية فإن منطقة القبائل كان بها مدرسة لكل 2100 طفل، في حين كانت هناك مدرسة لكل اربعين طفل في بعض المناطق الاخرى بالجزائر. ومن السياسات الفرنسية ايضا انها سعت الى عزل السكان عن بعضهم البعض ورعوا النزعات الاقليمية التي تتنافى مع وحدة الشعب الجزائري وذلك بالاهتمام بالاعراف والفولكلور واللهجات والتقاليد على حساب الثقافة العربية الاسلامية .. رغم ذلك لم تتمكن فرنسا من تحقيق اهدافها، اذ لولا المواقف الشجاعة والتضحيات التي قدمها ابناء القبائل للمخطط الاستعماري تدمير البنية الاجتماعية للشعب الجزائري في تلك المناطق.
يتذكر اللواء الجزائري خالد نزار بعضا من تلك الايام فيقول في كتابه عن معارك الجزائر ” شعرت بالهوة التي كانت تفصل بين الجزائريين والفرنسيين وانا في المدرسة الابتدائية اذ كنا تلاميذ من الدرجة الثانية في حين كان التلامذة الفرنسيون ينتقلون من قسم الى آخر وان كان مستواهم ادنى من مستوانا، فيلتحقون بالمدارس التكميلية الكائنة بباتنة وقسنطينة بل ان بعضهم كان ينتقل الى فرنسا.” .. يتابع فيقول ” قرر الفرنسيون في البرنامج المدرسي كتابا عنوانه ” عبد الله ” كان يشوه صورة الجزائريين، يعود ذلك الى الخمسينات حيث كانت النصوص تعكس صورة جزائري يمتطي حمارا ويرتدي الجلابية والشاشية حافي القدمين تارية ومرتديا زوج طرابيش تارة اخرى.” يضيف اللواء نزار انه ” في احد الايام وانا العب الكريات الملونة ناداني احد اعمامي كان يقف في زاوية مطعم كنا في موسم العريب وهي عادة يتنقل فيها السكان الى السهل اما للحصاد او الحرث. وطلب مني عمي ان اشتري له خبزا ولما ساورني الشك تجرأت فسألته لماذا لم يفعل ذلك بنفسه، اجابني لا اريد ان اصبّح على وجه مستعمر .. كان موقف عمي الذي لم استوعبه الا بعد مرور الاعوام، يترجم الاعتقاد السائد آنذاك عند الجزائريين بان الكولون فأل مشؤوم .. ارسلني ابي لما ضاق الافق في وجهي الى مدرسة القليعة للاشبال حيث تلقيت كل انواع الاهانة والاحتقار وكلما اقتربت من سن المراهقة كلما تجلت في عيني الفرق الشاسع بين الجزائريين والفرنسيين”.
هكذا كان يبدو الإحساس الجزائري الذي ما لبث دائما ان تحول الى ثورة على الارض وفي الميدان .. فقد كان الشعب الجزائري بأسره رافضا تماما للسياسة الفرنسية، بل كان الاسلام على الدوام محرضا وجامعا للجزائريين، بل ظلت اللغة العربية حامية لهذا الشعب وممسكة به الى ابعد الحدود، بل ان اللعب الفرنسي على الوتر الامازيجي والعربي لم يؤد الى تتيجة، ظل الشعب الجزائري يرفع شعاره الأوحد ” الإسلام ديننا والعربية لغتنا والجزائر وطننا ” وهو ما كان اعلنه العلامة المجاهد الكبير عبد الحميد بن باديس، .. وعندما فشلت بعض المقاومات، اصر بعض المصلحين على العودة الى التربية الاسلامية لتكوين قاعدة صلبة يمكن ان يقوم عليها الجهاد في المستقبل، فتم تأسيس جمعية العلماء المسلمين بزعامة بن باديس الذي هاجم الفرنسيين بقوة، ثم عمد الى اقامة مدارس اسلامية تدرس اللغة العربية، وبذلك تم بناء قوة اسلامية جزائرية هدفها صياعنة الجزائر، والتحضير لما هو اكبر اي تحريرها من النير الفرنسي، ومن خلال هذا الجو ظهرت احزاب عديدة لعبت دورا مهما ابان انطلاق الثورة الجزائرية وقبلها ايضا.

// المجزرة الرهيبة
ظلت الامور تتفاقم، لكن الشعب الجزائري ظل على وعيه بأهمية تحرير بلاده واستقلاله التام عن فرنسا .. فكان أن أسس فرحات عباس حركة البيان والحرية التي تقول بقيام جمهورية جزائرية مستقلة ذاتيا ومتحدة مع فرنسا، فوقع بينه وبين مصالي الحاج خلاف كبير والذي نصح فرحات بقوله: ” ان فرنسا لن تعطيك شيئا وهي لن ترضخ الا للقوة، ولن نعطى الا ما نستطيع انتزاعه منها .. ولم يمض وقت طويل حتى استغلت فرنسا قيام بعض التظاهرات في الثامن من مايو 1945 في عدد من المدن الجزائرية وإحراقها للعلم الفرنسي فقامت بارتكاب اكبر مذبحة في التاريخ سقط فيها في يوم واحد 45 ألف شهيد، فاعتبر ذلك تحولا مهما في كفاح الجزائرين من اجل الحرية والاستقلال اذ ادركوا ان لاسبيل لتحقيق اهدافهم سوى العمل المسلح والثورة الشاملة، فانصرف الجهد الى جمع السلاح واعداد الخلايا السرية الثورية بتوجيه وتمويل ودعم عربي حتى يحين الوقت لتفجير الصراع المسلح.
/// إعلان الثورة
أما وقد وصلت الامور الى ما وصلت اليه وبات الجزائريون مستعدين بكافة اشكال الاستعداد، فقد تم وضع اللمسات الاخيرة للتحضير للثورة في 23 مارس 1954 بميلاد اللجنة الثورية للوحدة والعمل وإصدارها مجلة ” الوطني ” ثم تقرر تفجير الثورة التحريرية في 23 اكتوبر 1954 ، لكن في 1 نوفمبر تقرر اندلاع الثورة بنداء الأول من نوفمبر 1954 حيث دعا النداء الى استقلال الجزائر واسترجاع السيادة الوطنية وانشاء دولة ديمقراطية اجتماعية في اطار من المبادئ الاسلامية وتم انشاء جبهة التحرير الوطني الجزائري بعد حل جميع الاحزاب والفصائل السياسية ضمن تلك الجبهة فكان جيش التحرير الوطني هو جناحها العسكري ( تماما كما فعلت حركة ” فتح ” لاحقا وبعد سنين حيث عمدت بعد انطلاقتها الى تسمية قوات العاصفة فصيلها العسكري ) .. وكانت تهدف المهمة الاولى للجبهة في الاتصال بجميع التيارات الاسياسية والسياسية المكونة للحركة الوطنية .. وكان تحديد تاريخ انطلاق الثورة هو في ليلة يوم أحد كتاريخ للانطلاق المسلح يخضع لمعطيات تكتيكية عسكرية ، منها وجود عدد كبير من جنود وضباط الجيش الفرنسي في عطلة نهاية الاسبوع يليها انشغالهم بالاحتفال بعيد مسيحي ..
اما النداء الذي اطلقته الثورة فكان على الشكل التالي: ايها الشعب الجزائري .. ايها المناضلون من اجل القضية الوطنية … انتم الذين ستصدرون حكمكم بشأننا، نعني الشعب بصفة عامة، والمناضلون بصفة خاصة، نعلمكم ان غرضنا من نشر هذا الاعلان هو ان نوضح لكم الاسباب العميقة التي دفعتنا الى العمل، بل نوضح لكم مشروعنا والهدف من عملنا ومقومات وجهة نظرنا الاساسية التي دفعتنا الى الاستقلال الوطني في اطار الشمال الافريقي ورغبتنا ايضا هو ان نجنبكم الالتباس الذي يمكن ان توقعكم فيه الامبريالية وعملاؤها الاداريون وبعض محترفي السياسة الانتهازية. ثم عرض البيان اسباب الانطلاقة والتحرك الثوري الذي عرف به وهي:
ـ اقامة الدول الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية ذات السيادة ضمن اطار المبادئ الاسلامية.
ـ احترام جميع الحريات الاساسية دون تمييز عرقي او ديني.
ونعود الى كتاب اللواء خالد نزار فيقول ” تزامن عامي الأخير في المدرسة مع اندلاع الثورة المسلحة التي كثيرا ما كان التلاميذ يتحدثون عنها ” الحمد لله لقد حان الوقت لكي يقرر الجزائريون النضال ضد التمييز والبذخ وينهضون من اجل الحرية والاستقلال .. لقد كانت مدرسة القليعة بوتقة حقيقية اعطت للثورة افضل جنودها ولا يوجد مدرسة في الجزائر وفرت للثورة ماوفرته القليعة”.
دارت الحرب اذن بين الجيش الفرنسي والثوار الجزائريين في كل مكان وخصوصا في جبال الاوراس الشهيرة، والذين استخدموا حرب العصابات بصفتها الوسيلة الاكثر ملاءمة لمحاربة قوة جرارة مجهزة اكبر تجهيز خصوصا وان الثوار لم يكونوا يملكون تسليحا معادلا لتسليح الفرنسيين استخدم الثوار الجزائريون الحرب النفسية بصفة متكاملة مع العمليات العسكرية.
صحيح ان الثورة الجزائرية تلقت دعما من شتى الاتجاهات، كانت المساعدات المصرية والدعم الذي قدمه جمال عبد الناصر للجزائر لم يقدمه احد آخر .. وحين سألت مرة الرئيس الجزائري الراحل احمد بن بلله اثناء زيارة له لبيروت عن الدعم المصري للجزائر قال بأننا ندين لعبد الناصر تلك المرحلة من عملنا الوطني ولولا الدعم المصري لما وصلت الجزائر بسرعة الى الاستقلال والحرية. احد القيادات الجزائرية تحدث عن هذا الدعم فقال: ان اي جزائري لاينسى ان مصر الشقيقة تعرضت لعدوان كبير شنيع كانت فيه ضحية تأييدها للشعب الجزائري المناضل ( العدوان الثلاثي 1956 ) .. ولا ينسى اي جزائري ان انتصار الشعب المصري في معركة بورسعيد التاريخية ليس الا انتصار لمواجهة من مواجهات القتال العديدة التي تجري في الجزائر منذ ثمانية وثلاثين شهرا وان الشعب الجزائري المنهمك في معركة التحرير الكبرى ليبعث الى الشعب المصري الشقيق وبطله القائد جمال عبد الناصر بأصدق عواطف الاخوة والتضامن. ومما قاله القيادي: لو عندنا طائرات لطرنا .. لو عندنا عصافير لطرنا .. لو عندنا بواخر لذهبنا .. اذا انتصرت مصر انتصرت الثورة الجزائرية واذا انهزمت مصر انهزمت الثورة الجزائرية.
اضافة الى عملية الدعم المصرية وكيفية نقل السلاح المصري الذي كان معظمه صناعة مصرية، وعبر الدواب التي كانت تمشي اسابيع قاطعة آلاف الكيلومترات لتصل الى الجزائر .. كان ارسال السلاح اذن شاقا جدا، ومع ذلك لابد من الاعتراف انه ان يصل وبعده كان يتم الاستيلاء عليه من قبل لصوص في بعض بلدان المغرب العربي.

ومثلما كان الدعم العسكري والسلاح من القاهرة، كانت العاصمة المصرية ايضا الداعم السياسي حيث وضعت فيها اول مقر للحكومة الجزائرية المؤقتة في التاسع من نوفمبر 1958 فكانت معظم النشاطات السياسية والدبلوماسية لجبهة التحرير الجزائري تجري في القاهرة. كما ان مصر قامت بتمثيل الجزائر في مؤتمر باندونج عام 1955.
ومع دعم السلاح والدعم السياسي جاء الدعم المالي فقد كانت اول صفقة سلاح من اوروبا الشرقية بتمويل من مصر بلغ حوالي مليون دولار .. وإضافة الى ذلك الدعم المنوع، كان هنالك دعم ثقافي وفني، فالنشيد الوطني الجزائري الف كلماته الشاعر الجزائري في العام 1954 مفدي زكريا وقام بتلحينه اثنان من الجزائريين لم يعجب اللجنة الخاصة، فكان ان اختير الملحن والموسيقار المصري محمد فوزي لهذا الغرض ونجح في اقناع اللجنة والشعب الجزائري الذي مازال يترنم بنشيده الوطني .. وعندما عرض مال على الموسييقار فوزي مقابل عمله رفض تماما واعتبر ان لحنه هدية للثورة الجزائرية .. ومما يقوله ذاك النشيد التاريخي: ” قسما بالنازلات الماحقات / والدماء الزاكيات الطاهرات / والبنود اللامعات الخافقات / في الجيال الشامخات الشاهقات / نحن ثرنا فحياة او ممات / وعقدنا العزم ان تحيا الجزائر / فاشهدوا فاشهدوا فاشهدوا … الى ان يقول ” يافرنسا قد مضى وقت العتاب / وطويناه كما يطوى الكتاب / يافرنسا ان ذا يوم الحساب / فاستعدي وخذي منا الجواب / ان في ثورتنا فصل الخطاب / وعقدنا العزم ان تحيا الجزائر / فاشهدوا .. فاشهدوا .. فاشهدوا ” .. وكانت فرنسا قد رفضت هذا المقطع واخبرت المسؤولين الجزائرين بذلك، لكن قيادة الثورة اصرت عليه.
///بطولات
كأي ثورة في العالم، عرفت الجزائر بطولات شعبية جسدت قدرات هذا الشعب وايماناته وعزمه على نيل استقلاله مهما كلف الأمر من تضحيات .. لذلك مازال يسطع في سمائها اسماء عديدة لبطلات تجاوزت اعدادهن المئات وربما الآلاف لكن ابرزهن كانت جميلة بو حيرد التي اشتهرت بمناعتها وصبرها فصارت ايقونة الثورة الجزائرية، وباتت جميلة معروفة جدا في الاوساط العربية والعالمية وحمل فيلم سينمائي اسمها، فيما يقول الجزائريون ان هنالك مثيلات واكثر لها .. وكانت جميلة قد زارت لبنان مؤخرا وتم الاحتفال بها. وكان الشاعر نزار قباني قد قال فيها شعرا مطولا نوجز منه مايلي : ” الاسم جميلة بو حيرد / رقم الزنزانة تسعون / في السجن الحربي بوهران / والعمر اثنان وعشرون / والشعر العربي الاسود / كالصيف كشلال الاحزان / الاسم جميلة بوحيرد / اسم مكتوب باللهب / مغموس في جرح الشعب / في ادب بلادي في ادبي / الاسم جميلة بو حيرد / اجمل اغنية في المغرب / اطول نخلة لمحتها واحات المغرب / اجمل طفلة اتعبت الشمس ولم تتعب / ياربي هل تحت الكوكب / يوجد انسان / يرضى ان يأكل ان يشرب / من ألم مجاهدة تصلب ” .
وكذلك حال رجالات الجزائر الذين لم يبخلوا بالنفس وقدموا ايضا تضحيات جمة وصلت الى مليون ونصف مليون شهيد .. لعلنا نذكر منهم المناضل علي لابوانت الذي انخرط في صفوف النادي الرياضي بالعاصمة الجزائرية ومارس رياضة الملاكمة، وهناك تعرف على اكثر الوطنيين الذين زرعوا فيه فكرة الثورة، واثناء قضائه فترة في السجن فهم معنى التضحية فانضم الى صفوف الثورة الجزائرية ضمن فوج الفدائيين في العاصمة وشارك بعدة هجمات على مراكز الجيش الفرنسي والشرطة ايضا، .. استشهد لابوانت حين قام الفرنسون بنسف المنزل الذي كان فيه وبرفقته مناضلين امثال حسيبة بو علي ومحمود بوحميدي وعمر الصغير ..
ظلت حرب التحرير قائمة حتى العام 1962 حين اعلن الرئيس الفرنسي شارل ديجول بنفسه استقلال الجزائر في الخامس من يوليو من ذاك العام .. انتصرت الجزائر بعد مخاض طويل دفع ثمنه الشعب الجزائري قاطبة، واثبت قدرته على التحدي .. بعد مائة وثلاثين عاما مع محاولات فرنسة الجزائر، لم تتمكن فرنسا بكل امكانياتها وما فعلته ان تبقى على ارض شربت الحرية والكرامة وعرفت العزة واستفاقت دوما على الثورات التي لم تتوقف خلال تلك السنوات الطويلة. عادت الجزائر عربية الوجه واللسان والقلب والعمق، عادت لتقدم لأمتها مايجب ان تقدمه، فكانت لها وقفات في حرب العام 1967 وفي حرب الكتوبر ايضا، وفيدعم الثورة الفلسطينية وفي تقديم الخبرات لها والامكانيات التي احتاجتها خلال مسيرتها الثورية.
انتصرت الجزائر فكانت نصرا للامة، وسجلت بذلك قوة كبيرة في العمل العربي المشترك. وستظل تلك الدولة العملاقة مفخرة للتاريخ النضالي وعلامة مضيئة للشعوب المكافحة من اجل الحرية والاستقلال والسيادة والكرامة.

إلى الأعلى