الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / “انتفاضة مصغَّرة” أم بداية للكبرى؟!

“انتفاضة مصغَّرة” أم بداية للكبرى؟!

عبداللطيف مهنا كاتب فلسطيني

هي ليست إلا واحدة من شائن مفارقات هذا الزمن العربي الأحلك والأشد مصيرية في تاريخ الأمة، والمرحلة الأردأ والأكثر خطورة في مسارات صراع الوجود العربي الصهيوني في فلسطين، ذلك عندما نجد أنفسنا في لحظة لا معقولة نشهد فيها ما هو الأقرب إلى الصمت المتعمد، أو شبه التجاهل المُتقصَّد مع سبق الإصرار، وحتى الإشاحة المتواطئة، رسميًّا، واستمرار الغيبوبة شعبيًّا، تجاه كل هذا الذي يجري الآن في القدس، هذه التي تقترب الآن أمام أنظار وأبصار الجميع من نقطة النهاية في تطبيق مخطط تصفية عروبتها، وباتت على بعد خطوات ليست بالكثيرة من وضع نهاية لما يرمز لإسلاميتها، أو بدء العد العكسي جهارًا نهارًا لتنفيذ مخطط هدم أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين وبناء الهيكل المزعوم مكانه.
من شواهد هذه المفارقة العجائبية المريرة أننا، في حين لا نلمس صدى يذكر في الشارع العربي المنشغل بأولوياته ودواهيه، نكاد لا نسمع، لا رسميًّا ولا نخبويًّا، من يتحدث بالعربية، باستثناء السرديات الإخبارية الإعلامية الهامشية، حول ما يكثر الصهاينة أنفسهم الآن من توصيفه بـ”الانتفاضة المصغَّرة” التي مسرحها الآن الراهن المقدسي، في إشارة منهم إلى جاري المواجهات المحتدمة بينهم والمقدسيين العزَّل المستفرد بهم والتي باتت مشهدًا يوميًّا بالنسبة لأزقة وحواري المدينة المستهدفة بالتهويد وساحات الحرم المقدسي المستباح الآن داخله بعد أن كان الأمر سابقًا المقتصرً مرحليًّا على خارجه!
هذه الانتفاضة المقدسية “المصغَّرة”، أو المحاصرة، ليست وليدة فحسب لهذه الأيام المحتدمة قمعًا ومواجهةً، وإنما زامنت بداياتها الحرب العدوانية على غزة، وزاد من اشتعال فتائلها الملتهبة جريمة اختطاف الشهيد محمد أبوخضير وقتله حرقًا، ورافقت تصاعد تجليات التهويد الزاحف على ما تبقى من أمتار لم تهوَّد بعد في القدس، واشتدت باشتداد دوران آلة الفتك الباطشة بالمقدسيين عبر ما يلاقونه اغتيالًا، وإبعادًا، واعتقالًا، وهدمًا لبيوتهم، ومصادرةً لأملاكهم، وحتى أنفاسهم، وأخيرًا مستمرة هذه الاجتياحات والانتهاكات المدروسة والمبرمجة والمستفزة والتي باتت اليومية للحرم القدسي الشريف، وبلغت ذروتها في الاقتحام الموقوت من قبل نائب رئيس الكنيست والرجل الثاني في حزب نتنياهو ومنافسه على زعامته فيجلين، والذي جال مخفورًا بجنده في المسجد الأقصى في ذكرى وعد بلفور المشؤوم بالذات، أو هذه المناسبة التي يقول فيها نتنياهو، إنني “أشكر السيد بلفور الذي وعد بمنح الحقوق التاريخية للشعب اليهودي على أرضه (…)، ووضع هذا الوعد حجر الأساس لإقامة الدولة” الصهيونية… وانتهاءً باجتياح الجند له حتى منبره وإطلاق النار وقنابل الغاز على المصلين ثم إقفاله للمرة الثانية خلال أيام لم تزد على الثلاثة.
…وهذه الانتفاضة المقدسية المستفرد بها، أو المغيَّبة، أو المطلوب أن تظل الممنوعة صهيونيًّا وأوسلويًّا من الاتساع إلى حيث أكنافها في باقي الضفة، دفعت نتنياهو إلى المخاتلة تهدويًّا قولًا لا عملًا بقوله إننا “لن نغيِّر إجراءات العبادة والزيارات المترتبة في جبل الهيكل”، لكنه إذ يقرن ما دعاه إجراءات العبادة بالزيارات المترتبة، وإطلاق مسمى جبل الهيكل على الحرم القدسي، فليس هذا سوى ما يعني مرحليًّا اقتسامه زمنيًّا ومكانيًّا توطئةً لهدمه لاحقًا وبناء هيكله على جبله المزعوم…
في سياق هذه التهدئة النتنياهوية تواصلت الاقتحامات والانتهاكات، واستمر قمع المقدسيين وأُعلن عن المزيد من القرارات التهويدية الإضافية في مستعمرة “رامات شلومو” المقامة على أرض بيت حنينا، وتجري المناقشات لمشاريع مثلها في جبل أبوغنيم، وتم استصدار قانون صودق عليه للمرة الثانية في الكنيست يقضي بمعاقبة من يلقي من الفلسطينيين حجرًا على محتليهم بالسجن لمدة قد تصل إلى العشرين عامًا… وإذ استمرت الاقتحامات ومواجهاتها، وتعالت استجارات واستغاثات المقدسيين بأهلهم وأمتهم، لكنها كلها ضاعت سدى في زمن لقد أسمعت لو ناديت حيًّا، عربيًّا، وإسلاميًّا، وكالعادة كونيًّا…فماذا فلسطينيًّا؟!
كل ما كان من رئيس سلطة الحكم الذاتي الإداري المحدود تحت الاحتلال في رام الله هو قوله، إن “ما جرى في القدس والمسجد الأقصى في الأسابيع الماضية من توتر واشتباكات وصدامات في داخل الأقصى نفسه يحزننا ويؤلمنا”… وإذ يحزنه ويؤلمه ما جرى فماذا هو فاعل؟! إنه ليس سوى ما أبلغه للجنته التنفيذية في اجتماعها الذي تداعت إليه، والذي لم يزد على التالي، لقد “حصلت اشتباكات وصدامات، لكن جاء اليوم بيان من رئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو يدعو إلى التهدئة ونحن مع التهدئة”… ولأنه معها، لم يمنعه الجاري في القدس من إرسال كبير مفاوضيه ورئيس استخباراته إلى واشنطن تلبيةً لطلب من كيري لهدف جلي هو إقناع الأوسلويين بحل مرحلي تفاوضي من شأنه أن يثنيهم عن التوجه إلى مجلس الأمن، ويوفر على واشنطن الاضطرار لاستخدام حق الفيتو… فماذا بعد؟!
لقد أقر الصهاينة بعجزهم قمعيًّا، ومنهم من يصرخ بأن “القدس تشتعل”، ومن لا يعوِّل إلا على “دور السلطة في تهدئة الوضع”! لكن واقع الحال الفلسطينية في القدس، والذي خير ما تنبئنا عنه هي العملية الفدائية الأخيرة التي نفَّذها ابن مخيم شعفاط الشهيد إبراهيم العكري، إذا ما أضفنا إليه بادي الجمر الكامن إلى حين تحت رماد القبضة الدايتونية الأمنية الأوسلوية والتنسيق الأمني مع المحتلين في الضفة، أو ما تنبئنا عنه لاحقتها العملية الفدائية الثانية شمال الخليل، التي تلت الأولى بساعات على بوابة مخيم العرقوب، ومعهما راهن غزة ما بعد الحرب المحرقة ومنجزات صمودها الإعجازي الفريد، حيث لا حصار رفع ولا إعادة إعمار بدأت، وبدلًا من فتح معبر رفح توالي الجرافات محاولة إبعاد الرفحين، المصرية عن الفلسطينية، مكانيًّا وقوميًّا، بإقامة منطقة عازلة بين من كانتا قبلما كانت الحدود القطرية مدينة واحدة… هذا الواقع يقول: لا بد مما ليس منه بد… إن الانتفاضة الشاملة، والضرورة، آتية، وآتية لا ريب…

إلى الأعلى