الإثنين 22 مايو 2017 م - ٢٥ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / أديب لن يكون الأخير الذي يرحل محبطا !

أديب لن يكون الأخير الذي يرحل محبطا !

مات سمير عبدالفتاح! ولماذا أذيل العبارة بعلامة تعجب ؟ هل كان سمير عبدالفتاح مستعصيا على الموت؟
لا أحد يستعصي على الموت، رحلة ألف ميل شاقة ما بين ميلاد مقدر ورحيل أيضا مقدر، لكن ـ يفترض هذا ـ بين الميلاد والموت صخب الآمال والطموحات والسعي للتحقق، إلا أن بروليتاريا الأدباء في العالم العربي ملاحقون بقدر آخر، نعم، يولدون ويرحلون كما الناس، لكن بين الميلاد والرحيل رحلة شاقة من همس وصخب وصراخ لا يبرح الحلق، يبدعون ويكتبون وربما ينشرون ـ رغم مشقة ذلك ـ ولا أحد على الجانب الآخر يترقب، وهم ـ أيضا ـ يحلمون بأن يتحققوا، لكنهم أبدا لا يتحققون! كل منهم يمضي حياته كما سيزيف في عناء بلا جدوى!
يدركون أهمية ما قاله سارتر عن الالتزام في الأدب، يدركون أن تحت جلد كل منهم رسالة تجاه البشر، لكن رسالتهم لا تصل أبدا، لأننا شعب غير قروء.
مرة هاتفني سمير عبد الفتاح ليشاركني اقتراحي الساخر الذي قدمته في إحدى مقالاتي، بتعديل اسم الهيئة العامة لقصور الثقافة، ليكون الهيئة العامة لمخازن الثقافة، ذلك أن الهيئة كانت تعاني من إيجاد مخازن لتكديس المرتجع من كتب السلاسل التي تصدرها، رغم أن ما ينشر لا يتجاوز ألف أو ألفي نسخة، لا تجد من يشتريها عبر كوكب، الناطقون بالعربية فيه يقتربون من نصف المليار !
مات سمير عبد الفتاح، كان مثلي، كنت مثله، كلانا مثل مئات الكتاب البروليتاريا، ألا تعرف القواميس البروليتاريا بأنهم هؤلاء الذين لا يملكون سوى أطفالهم، نحن أيضا، لا نملك سوى أطفالنا، كتبنا، كان سمير عبدالفتاح قلماً يكتب، وكتاباته تتكئ ـ ليس فقط على روح مبدعة ـ بل دماغ موسوعي، وكأنه مكتبة تحتشد بكل صنوف المعرفة، بدا هذا أكثر في مقالاته التي كنت أنشرها له في جريدة المسائية، ودون ذلك ما كان بمقدوره أن ينشر، لأنه بروليتاريا، لا يملك سوى قلمه! وهذا في عالمنا العربي لا يكفي، بل لا يعني شيئا، إن كانت كتابة قصة قصيرة تستغرق منك بضعة أيام، فنشرها في حاجة إلى بضعة أعمار، تنفقها في اللهث وطرق الأبواب، فإن نشرت، فلا أحد يقرأ، نعم، كانت مشكلة سمير عبدالفتاح، مثلما هي مشكلتنا جميعا، أن كل منا يملك عمرا واحدا، لكن ما كانت هذه بالمشكلة العويصة التي تحول بين بروليتاريا الأدباء وأن يتحققوا، فعمر واحد يكفي، بل بضع سنين إن لم يكن دون ذلك، في الغرب رواية واحدة للكاتب تكفي لأن يتحقق، في مصر وعالمنا العربي ينبغي أن يكون قلمك الموهوب، مدعما بقدرة هائلة على اللهث والركض وطرق الأبواب، بغير خجل، حتى لو ووجهت بفتور من يقبعون خلف الأبواب من إعلاميين ونقاد وصانعي القرار في المؤسسات الثقافية ومسئولي لجان الجوائز؟ فإن تحققت، وحققت شيئا من الشهرة فليس لدى الشارع، لأن الشارع بلا قراء، بل شهرتك مؤطرة في المؤسسات الثقافية وبين النقاد والإعلاميين، وخارج هذا الإطار لن يعرفك أحد، حتى لو تجاوزت موهبتك ماركيز وهمنجواي وتولستوي!
كان لقائي الأول به منذ 14عاما، ألقى بنا حظي وحظه في مقعدين متجاورين بحافلة الهيئة العامة لقصور الثقافة في طريقنا إلى مدينة دمنهور؛ لحضور مؤتمر أدباء الأقاليم، حاولت أن أمد جسرا للتواصل معه، ولو فقط عبر الساعتين اللتين تستغرقهما الرحلة، بدا صامتا ووجهه مستغرقا في نافذة الحافلة، يلملم بعينيه تفاصيل طريق الكورنيش، لكنه على ما يبدو تجاوز الكورنيش إلى النهر، ليتمتم في أسى: النيل شاخ! في طفولته وشاخ!
سألني: كم عمر النيل ؟
قلت بارتياح لأن ثمة حوارا نتواصل عبره حتى لو كان ينضح بالكآبة:
- العلماء يقولون 800 ألف سنة
- مازال طفلا، وكما ترى أصابته الشيخوخة!
صمت قليلا بينما انشغلت في التنقيب سريعا عن كلمات تحول دون ارتداده لزنزانة صمته، لكنه فاجأني مستطردا: نحن أيضا أصابنا العجز !
قراءة !
اقتربنا أكثر، ومن خلاله التقيت بآخرين، الناقد ربيع مفتاح، الدكتور جمال عبد الناصر أستاذ الأدب بجامعة القاهرة، الدكتور هاني السيسي أستاذ الأدب الشعبي، الصيدلي والقاص سمير شوقي، بدا الهم ذاته يوحدنا، اللا جدوى، لكننا مع ذلك نواصل الكتابة، نواصل التواصل، ومحور أحاديثنا أزماتنا الثقافية، وكنت أرى أنها أزمة وجود، أن نكون على خرائط حضارة القرن الحادي والعشرين أو لا نكون، وكنت أرى أننا مهددون بأن نتلاشى، قد نختزل إلى جماعات سكانية مهمشة، فقط تتذكرها الأمم المتحدة في 9 أغسطس من كل عام، وهي تحتفل بالسكان الأصليين كالهنود الحمر !
وكنت أرى أن سبب أزمتنا الحضارية غياب متلقي الإبداع والثقافة المستنيرة، ثمة منتج إبداعي وثقافي جيد، ولا متلق، والقضية ليست شعرا وقصة فقط، بل متلقي المعرفة، كل صنوف المعرفة سلع بلا مستهلك!
وفي إحدى الأمسيات الرمضانية بالهيئة العامة للكتاب في زمن الراحل الدكتور ناصر الأنصاري والتي نظمها لتشخيص أزمة الثقافة وأدارها الكاتب محمد السيد عيد، ورد على لساني خلال مداخلة لي تعبير “انقراض القارئ”
بعد ذلك التقيت في نادي القصة بالقاص سمير شوقي الذي أيضا رحل دون أن يتحقق، ليذكرني بتعبير “انقراض القارئ” وجذب من حقيبته ورقة صحيفة، وهو يقول: لهذا كتبت هذه القصة.
قرأت ، وأدهشني ما أقرأ ، قصة له نشرت في ملحق الجمعة بصحيفة الأهرام، حول منح جائزة نوبل لقارئ!
فكرة القصة أنه مع ندرة القراء الآن قررت لجنة نوبل تخصيص الجائزة للقارئ وليس للأدباء!
وفي إحدى أمسيات أتيليه القاهرة، كان ذلك عام 2004 التقيت سمير عبد الفتاح وربيع مفتاح، تحدثنا عن قصة سمير شوقي في الأهرام، وقلت إنها تجسد أم المشاكل في مصر، في العالم العربي، غياب القارئ، ثمة منتج إبداعي وفكري جيد، ولا متلق، هل انقرض القارئ!
وفي مواجهة سؤالي يطرح ربيع مفتاح سؤالا بدا هو الحل: لماذا لا نؤسس جماعة حول موضوع التلقي ؟
ولم نغادر أماكننا حتى وضعنا تصورا شاملا للجماعة، واقترح ربيع أن يكون اسمها “قراءة” وعرضنا الأمر على مقربين، الراحل الدكتور عزازي علي عزازي، الدكتور جمال عبد الناصر، الدكتور هاني السيسي، وكانت لقاءاتنا في منزلي بمدينة نصر، مرة كل أسبوعين.
لم نستمر طويلا، بضعة أشهر، حيث عرض الدكتور السيسي شقة له في شارع الهرم بمدينة القاهرة لتكون مقرا للجماعة، وتوسع أمرها، وضمت أعضاء جددا، من بينهم الشاعرة والناقدة الدكتورة سعيدة خاطر الفارسية، وأضيف لنشاطها نشر الأعمال الأدبية، لكن سرعان ما دبت الخلافات، وحين التقيت بسمير عبد الفتاح في نادي القصة وسألته عن رأيه فيما يجري في الجماعة، قال بأسى: لا فائدة !
هل مات سمير محبطا؟!
في مطلع عام 2010 التقيت به خلال مؤتمر لاتحاد الكتاب بمحكى القلعة، تصادف أن جلسنا متجاورين، محمد عبد السلام العمري، روائي مجيد لكنه بدا يائسا، تصنيفه يمكن أن يكون نصف مغمور أو نصف مشهور، يؤرقه هذا، الأرق تسلل تحت الجلد واستوحش ونضح أمراضا عضوية، حدثني بمرارة عن أكثر من جلطة أصابته، عن مشاكل صحية أخرى، قلت له ما أحاول أن أطبقه في حياتي: خذ مسافة من الأدب.
تطلع إلي في دهشة، ولم يقل شيئا، هل دار بذهنه أنني أتآمر عليه، أنصحه بالانتحار، أن يعطي ظهره لمعشوقته، الكتابة!
لا أدري، لكنني كنت مشفقا عليه، فشارع الأدب في عالمنا العربي لم يعد قبلة لأحد، والمقيمون به ماعادوا بالنجوم السحرة الذي يفجر غموض عوالمهم مشاعر الانبهار تحت جلد ملايين الناس، ولهث بعضنا وراء جوائز الدولة وخلف النقاد ووراء صحفي ينشر عن رواية كتبناها بضعة أسطر في ركن منزو بصفحة منسية، كل هذا ركض وراء جوائز رخيصة وتافهة مقارنة بالقارئ، جائزتنا الحقيقية التي تستعصي على الجميع، بروليتاريا الأدب وملوكه، وبدون القارئ، الجائزة الكبرى، نحن موتى، لذا لم أندهش حين وصلتني رسالة عبر المحمول بعد لقائي بالعمري في اتحاد الكتاب بعدة أسابيع، وكانت الرسالة من ابنته، وهذا نصها:
البقاء لله، انتقل إلى رحمة الله والدي المهندس المعماري والكاتب الروائي محمد عبد السلام العمري، أسألكم الله الفاتحة. ولم أندهش
حين قرأت في الفيس بوك صبيحة 22 أغسطس بضعة أسطر للصديق ربيع مفتاح ينعي فيها صديق عمره سمير عبد الفتاح، فإن كان ثمة إحساس بالدهشة، فمرده: هل كان العمري وسمير شوقي وسميرعبد الفتاح أحياء ؟ لا أظن، فكيف نكون أحياء بدون قارئ نستمد من زفيره أوكسجين وجودنا ؟!
لهذا، أنا، أيضا، ميت !

محمد القصبي

إلى الأعلى