الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / المعرض الوثائقي الخامس .. وثائق ومخطوطات تنتظر من ينبش حكايتها

المعرض الوثائقي الخامس .. وثائق ومخطوطات تنتظر من ينبش حكايتها

في ندوة أقامتها مؤسسة جائزة عبدالعزيز سعود البابطين للإبداع الشعري أواخر أكتوبر الماضي في مدينة مراكش المغربية، حول شاعر الحماسة أبي تمام الطائي، تم الكشف عن تراث جديد للشاعر، تمثل في (387) قصيدة ومقطوعة لم تنشر من قبل من مخطوطات نادرة لديوانه، وبعض كتب التراث العربي المطبوع والمخطوط وجاءت معظم المخطوطات التي حوت تراث الشاعر بخط يده من مقتنيات متعددة من تبريز في إيران، وبعضها عثر عليه مهملاً في أحد المساجد القديمة هناك.
أعادني هذا المشهد إلى بعض من التراث والفكر العماني المتناثر في المخطوطات والوثائق والمدونات ولم تظهر إلى الوجود بعد، لأسباب عدة، ليس أهمها رغبة أصحابها وملاكها في الاحتفاظ بهذا التراث لأنفسهم، والبحث عن ثمن أكبر لتسليمه، أو عدم الإدراك بقيمته ومحتواه.
إذ يبدو أن الاهتمام بالمخطوط على الصعيد الأهلي لا يتجاوز قلة ممن يملكون هذه الكنوز، وهؤلاء أكثر ما يقومون به هو تسليم “بعض” ما بحوزتهم إلى الجهات المعنية، كهيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية أو وزارة التراث والثقافة أو جهات أخرى تنافس الجهة الموكل إليها مهمة “استلام المحفوظات وإعدادها فنيا وحفظها”.. وهذه قضية أخرى، يمكن طرق أبوابها بعدئذ.
أعود للمشهد وقد بدا أمامي جليا، عبر المعرض الوثائقي الخامس الذي نظمته هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية في الجمعية العمانية للفنون التشكيلية الأسبوع الماضي، مرسلاً بصري جهة القصائد الشعرية وبعض الخطب والمراسلات، متأملاً ما تحويه من قيمة أدبية ومعرفية، وجانبًا من التاريخ العماني بصوره السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومتسائلاً في ذات الوقت عن هذا الشاعر أو الأديب والفقيه، وكينونته، وما إذا كانت لهم أعمال ومؤلفات أخرى منشورة.

عن المعرض بادئ ذي بدء
تمثل المعارض الوثائقية فرصة سانحة لإطلاع الجمهور، وخاص الباحثين والمهتمين على المخزون الوثائقي والرصيد الحضاري، وتحفيزهم على نبش التاريخ وإعادة قراءته بمعطيات وحقائق جديدة، وأيضا تعريف العموم على ما تم قطعه في مجال جمع الوثائق وحفظها، وكيفية التعامل معها..
ويأتي المعرض الوثائقي الخامس، ليكمل مسيرة المعارض التي أطلقتها هيئة الوثائق الوطنية والمحفوظات، ضمن منهاج عملها، وأهدافها المحددة وفق المرسوم السلطاني رقم (60/2007) بإصدار قانون الوثائق والمحفوظات، حيث شرعت الهيئة وبعد أن اكتملت صورتها، وتبلورت معالمها في إقامة المعرض الوثائق الأول في 31 أكتوبر 2010م، وضم هذا المعرض العديد من الوثائق والصور التاريخية النادرة قدر عددها بـ (800) وثيقة وصورة نادرة، تناولت فترات ممتدة وحقب تاريخية مختلفة تتحدث عن مخزون وإرث حضاري وثقافي لذاكرة هذا الوطن العزيز.
ومنذ تاريخ المعرض الأول وحتى المعرض الخامس.. دأبت هيئة الوثائق والمحفوظات على إقامة المعرض بشكل سنوي، وبمساحات أكبر ووثائق ومعروضات أكثر وأشمل، وأقسام تخصصية تحوي وثائق متنوعة في مواضيع شتى، هذا بجانب تطواف بعض الوثائق والمحفوظات خارج السلطنة عبر معارض احتضنتها فعاليات ومعارض وندوات ثقافية في عواصم ومدن عربية وأجنبية.
الجميل في هذه المعارض الوثائقية المحلية هو تكريم المواطنين المبادرين بتسجيل وثائقهم لدى الهيئة، وهي خطوة جيدة وفي الإتجاه الصحيح، وتسهم في تحفيز المواطنين على مد أيادي التعاون مع الهيئة من أجل تسجيل وحفظ وترميم ما بحوزتهم من مخطوطات ووثائق عامة وخاصة، ومن ذلك نجد تزايد العدد كل عام من المواطنين الذين يبادرون في تقديم ما لديهم، مع عدم إغفال الدور الذي تقوم به الهيئة في تتبع الوثائق والبحث عنها حيثما عُلم لها مكان.
وعودة إلى المعرض الوثائقي الخامس، والذي تمحور أكثره حول الوثائق الخاصة التي تم جمعها من المواطنين حديثًا، وكان اللافت في هذا المعرض هو دعوة أكبر عدد من الذين قدموا وثائقهم إلى الهيئة أو من يمثلهم عن طريق الهبة أو الوصية أو الشراء، وتكريمهم، وإتاحة الفرصة لهم لشرح محتوى الوثائق الخاصة بهم، والحديث عن تاريخها.
أحتوى المعرض الوثائقي الخامس على ما يزيد عن ستمائة وثيقة تاريخية نادرة بالإضافة إلى الخرائط والمخطوطات التاريخية والعملات والطوابع، ومن بين محتويات المعرض الوثائق السلطانية وشملت المراسلات السلطانية ووثائق الإقرارات ووثائق الأفلاج ووثائق الميراث ووثائق الوصايا ووثائق الفتاوى ووثائق التهاني والتعازي والقصائد الشعرية، بالإضافة إلى عرض بعض الوثائق الأجنبية والتي ورد ذكر عُمان فيها والتي يعود بعضها إلى القرن المنصرم بالإضافة إلى بعض الخرائط التي توضح جغرافية السلطنة، وكذلك بعض القصاصات الصحفية والعملات المعدنية والورقية والطوابع البريدية.
كل هذه الأقسام ترتبت في قاعتي العرض بالجمعية العمانية للفنون التشكيلية بصورة متناسقة، ومتتابعة مع شرح موجز عن كل وثيقة، لا يسمن أغلبه نهم الباحث والمهتم، غير أن وجود موظفي الهيئة والمتخصصين منها، يضيء بعض الجوانب المتعلقة بهذه الوثيقة أو تلك، وما يبقى يحتاج إلى جهد الدارس ليغوص في بحارها، ويستخرج لآليها ودررها، ويعيد دراستها وفق كيفية معينة، يربط هذه الوثيقة بتلك، وهذا المخطوط بتلك المخطوطة، ويتتبع تاريخ هذا الحدث وما يرتبط به من أحداث، ويعيد صياغته وفق الرؤية التي يجدها أقرب إليه.

الوثائق الشعرية عن قرب
حين دلفت المعرض أول مرة يوم افتتاحه الرسمي، مررت سريعًا على أقسامه، باحثاً عما يستوقفني فيه، كان الحضور الغفير الذي شهد ميلاده يومئذ، مبهجاً غير أنه لا يعطي الراحة الكاملة في التوقف أمام وثيقة بعينها، وتفحص محتوياتها، ولذلك كان لا بد من زيارة ثانية وثالثة، للتعرف على محتويات المعرض وأقسامه أكثر وأكثر.
ولأني حضرت دورة أبي تمام، التي أشرت إليها في مقدمة هذا الاستعراض، وانبهرت بالجهود التي أفضت للعثور على (387) قصيدة ومقطوعة لم تنشر من قبل من مخطوطات نادرة لديوانه، وكيف أنها كانت “ملقاة” أو لنقل “موضوعة” على رف أحد المساجد في مدينة تبريز قريبا من الحدود الإيرانية التركية.. فقد كانت زيارتي التالية من أجل قراءة وتأمل قسم الوثائق الشعرية، وفي المخيلة تتماثل لي مخطوطات أبي تمام، وإسقاط ذات حكايتها على شاعر أو أديب أو فقيه عماني تم العثور على وثائق ومخطوطات له، لم تعرف من قبل، وأجد من يتلقفها بالنشر بعد الدراسة والتمحيص.
أمام واحدة من القصائد التي وقفت متأملاً أبياتها رغم عدم تمكني من قراءتها كاملًا بفعل تقادمها وصغر خطها، وجدتها ملحقة بتعريف موجز هو “قصيدة غزلية لأبو سليمان” دون أن أعرف من يكون هذا أبو سليمان، ومن أي البلاد هو، وهل له قصائد منشورة يمكن للمرء الإطلاع عليها، وكان عليّ أن أتتبع إجابات ذلك بذاتي وفق ما توفر لي من معلومات عن شخصية “أبو سليمان” والذي قرأت كنيته في السطر الأول من القصيدة ذاتها، حيث كتب الخطاط كتقديم موجز فحواه “ومما قاله صريع الغواني أبو سليمان في الغزل عفى الله عنه”..
في بحثي عن من يكنى بـ “صريع الغواني” وجدت مرادي في معجم البابطين لشعراء العربية في القرنين التاسع عشر والعشرين، وجدت أن أسمه هو مسعود بن راشد بن سليم بن سالم الغيثي، (1300 ــ 1349هـ / 1882 ــ 1930م) يعود أصل آبائه إلى ولاية إبراء، وقد ولد في زنجبار وتوفي فيها، لقب بصريع الغواني تشبيهًا بالشاعر مسلم بن الوليد الأنصاري (توفي 208هـ) الذي أطلق عليه نقاده لقب صريع الغواني، لكثرة الغزل في شعره.
ولأبو سليمان قصائد مخطوطة لم تنشر في ديوان مستقل، وعُرف من شعره قليل، وعالج به موضوعات الغزل، خاصة العفيف منه، شجوًا وغرامًا وتزفرًا وهيامًا، فوصف حالته مع فراق الأحبة وبعدهم عنه، وسجل لدموعه أسفًا عليهم، وتمنى قرب لقائهم، وله قصائد ومقطوعات في المطارحات الشعرية، والتشبب بالظباء والغزلان كمعادل موضوعي يعبر من خلاله عن مشاعره وأحاسيسه. شعره قصير النفس، أكثره استجابة لمواقف حياته أو مجاوبة على قول سابق، وهذا من عمل البديهة.
يقول مطلع قصيدة أبو سليمان المشار إليها، وعنوانها “وَلَه الفؤاد”:
لقد وَلِهَ الفؤادُ مدى الزَّمان بحبِّ شبيهة الحور الحسانِ
سبت عقلي بنبلِ العين منها على عَجَلٍ ولم ترحمْ جَناني
متى رَمَتِ الفؤاد غدوتُ صبًّا كئيبًا مستهامًا بالغواني
سهيرًا بالغرام مطال ليلي خبيلَ العقل أهذي كلَّ آنِ
حليفُ السقم من شغفٍ ووجدٍ كثيرُ السحّ دمعي كالجُمانِ
طويلُ الفكر لا أسلو دوامًا دميلُ الصدر مشتغلٌ بشان

وثيقة أخرى أستوقفتني، وتحوي قصيدة بإسم العاشق المفرط أبي معين، يقول في مطلعها:
أقول وقلبي قد سبى بنت سالم سليلة أعراب من نسل الأكارم
شغفت بها حبًا من حسن لطفها فهامت بها روحي ولست بكاتم
محبتها تنمو بروحي وبالحشاء فأزداد شوقًا نحوها للمحاكم
حلفت يمينا لا أخون ودادها وإن عشت دهرًا بالوصال متيم
وفي وثيقة أخرى تعود إلى شهر صفر من العام 1399هـ، أي قبل حوالي (36) سنة، نقرأ قصيدة أخرى للشيخ الفقيه سعيد بن خلف بن محمد الخروصي “قاضي ولاية الرستاق” ـــ كما عرفه كاتب القصيدة يومئذ ــ وعنوانها “الهوى يعمي القلوب” ومطلعها:
غنت سهيرُ كي تهزَّ النبلا بفنونها وتميعه تضليلا
تشجي بنبرتها متيم حبها وتذيقه نغم الهوى معسولا
وبجانب هذه الوثائق الشعرية، تسكن وثائق أخرى لا تقل أهمية عنها توثق لأحداث وفترات تاريخية مهمة، ومنها قصيدة الشاعر إبراهيم بن نوح الميزابي في رثاء الإمام محمد بن عبدالله الخليلي، وقصيدة الشاعر عامر بن محمد بن سالم البرومي العزري مهنئا الباشا سليمان الباروني بولايته على سمائل، وقصيدة للشيخ محمد بن شامس البطاشي في حرب ستال بوادي بني خروص، بخط سيف بن حارث بن صالح الخروصي، ووثائق أخرى لقصائد في المدح والرثاء والحكم ومسائل فقهية.
كل ذلك ينبئنا بأهمية هذه الوثائق، وأهمية استقرائها من قبل الباحثين ودراستها، وأهمية التوجه نحو جمع نتاج بعض الشعراء العمانيين وتتبع أعمالهم في الوثائق المتوفرة، وإعادة نشرها، وأن يكون توجه الجهات المعنية بالمخطوطات والوثائق نحو نشر الإنتاج المعرفي المتحصل، وليس مجرد جمعه وحفظه.
إن بيوت الطين القديمة، وأدراج المناديس العتيقة، وأرفف الغرف الطينية، وإرث السابقين حافل بالوثائق والمخطوطات، وبين هذه الأوراق تسكن حكايات من تاريخ عُمان وحضارتها، وينام فكر وإبداع ينتظر من يوقظه من سباته، ويضيء وهجه للناس، وهذا مبلغ وغاية كل كاتب وأديب وفقيه أن ينتشر علمه ومعرفته وإنتاجه، وأن يجد من يتلقف هذا الإرث ويحتفي به، وهو أكبر تكريم يقدم للوثيقة والمخطوطة الفكرية..
لقد أحسنت هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية صنعًا، بتنظيمها المعارض الوثائقية داخل السلطنة وخارجها، هذه المعارض التي تجد حفاوة من المجتمع، وتسجل زيارات متواصلة من جميع الأطياف، ولكن هذا الاحتفاء بالمعارض يجب أن لا ينتهي بمجرد أن يسدل الستار على توقيتها، بل هي بداية للباحثين والدارسين حتى ينهلوا منها، ما يعرفنا أكثر على أدبنا وتاريخنا.. وفي ذلك الهدف الأهم الذي يتحقق من وراء هذه المعارض، ويحفز الآخرين على تقديم ما لديهم من وثائق ومخطوطات لتجد طريقها للتوثيق والحفظ ومن ثم الدراسة والانتشار.

قراءة ـ خلفان الزيدي
@khalfan74

إلى الأعلى