الجمعة 31 مارس 2017 م - ٢ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / الاقتصاد في صحار .. قديماً وحديثاً

الاقتصاد في صحار .. قديماً وحديثاً

” إنها مدينة مزدهرة وجميلة ومريحة العيش، يقطنها عدد كبير من السكان، أحياؤها السكنية مميزة على طول الشاطئ”.
المقدسي
تمهيد:
تعد صحار من أقدم وأشهر المدن العمانية عبر التاريخ ، فقد كانت عاصمة لعمُان في فترات زمنية مختلفة، وشكلت بموقعها الاستراتيجي على ساحل بحر عمان مركزا هاما من مراكز الاقتصاد العماني عبر العصور، وتعتبر حالياً المركز الإداري لمحافظة شمال الباطنة بسلطنة عمان. تنسب المصادر التاريخية نشأة مدينة صحار إلى صحار بن ارم بن سام بن نوح عليه السلام.
وقد حظيت صحار بإشادة العديد من الرحالة والجغرافيين الذين زاروا المنطقة، قال ابن الأثير في طبقاته: “فلما أسلم جيفر وعبد ابنا الجلندي خيرا من كان في صحار من الفرس بين أن يدخلوا في الاسلام أو يخرجوا، فلما لم يقبلوا أيا من هذين الخيارين قاتلاهم حتى أخرجاهم منها”.
وقال عنها المقدسي: “صحار هي قصبة عمان، ليس على بحر الصين بلد أجل منه، عامر، أهل، حسن، طيب، نزه، ذو يسار وتجارة، وفواكه وخيرات. أسواق عجيبة، وبلدت طريفة، ممتدة على البحر. دورهم ممتدة على البحر. دورهم من الاجر والساج، شاهقة نفسها، ولهم آبار عذبة، وقناة حلوة. دهليز الصين، وخزانة الشرق والعراق، ومغوثة اليمن “.
وقال الأصطخري في وصفها:”وهي على البحر، وبها متاجر البحر، وقصد المراكب، وهي أعمر مدينة بعمان، وأكثر مالا. ولا تكاد تعرف على بحر فارس، وجميع بلاد الاسلام، مدينة أكثر عمارا ومالا، من صحار.
وذكر الأدريسي بأنها (( أقدم مدن عمان، وأكثرها أموالاً قديماً وحديثاً ويقصدها في كل سنة من تجار البلاد وما لا يحصى عددهم ، وإليها تجلب البضائع من اليمن، ويتجهز منها بأنواع التجارات، وأحوال أهلها واسعة جداً ، ومتاجرها مربحة )).
ووصف البكري صحار بأنها سوق عمان، فيما قال الحميري (( وكان بحار مجتمع التجار ، ومنها يتجهز لكل بلدة ، وإلى البلاد الهند والصين )).
وقال ابن المجاور (( وفي هذه المدينة كانت ترسى المراكب القادمة من أطراف الدنيا وكانوا يصعدون .. إلى صحار يبتاعون ويتشارون)). وقال التبريزي أن صحار منزل الأمراء بعمان.
ويستدل من الأوصاف السابقة أن صحار مدينة عريقة جداً ، حيث كانت عند ظهور الإسلام مركزاً تجارياً مهماً، وبعد الإسلام أصبحت المركز الرئيس للملاحة والتجارة والإدارة.
الاقتصاد قديما: منذ الألف الثالثة قبل الميلاد وصحار شهيرة بتعدين النحاس، وهذا ما تؤكده الآثار التي تدل على استقرار مجتمعات صغيرة عملت في التعدين، وكانت المواد الاولية تستخرج من المناجم.
وتتحدث الوثائق (السومرية والأكادية) عن مجان أو بلاد المناجم ،فقد صدر العمانيون النحاس الى بلاد الرافدين انطلاقاً من ميناء صحار القريب من مناطق انتاج النحاس، وكانت صناعة صهر النحاس تتركز في وادي عندام وعلى مشارف مدينة صحار في وادي الجزي الرابط بينها وبين واحة البريمي.
وذكر المسعودي الذي زار صحار خلال القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي أن النحاس كان يستخرج من ارض عمان.
كما أشتهرت صحار في ذلك الوقت بالصناعات اليدوية كالحياكة وصناعة الجلد وصناعة الصموغ والذهب والفضة.
وكانت صناعة المنسوجات أشهر ما عرفت به صحار في منطقة شبه الجزيرة العربية، وعرفت بإسم المنسوجات الصحارية.
حيث كانت الحجاز في عهد الرسول – صلى الله عليه وسلم- تستورد المنسوجات الصحارية.
كما شكلت الزراعة موردا اقتصاديا مهما لصحار، عمل أولا على تلبية حاجات السكان المحلية وسد احتياجات المناطق العمانية المجاورة ثانياً، ثم اتجه الى تصدير الفائض الى غيرها من الأسواق الخارجية .
وكانت صحار المركز الطبيعي للتطور الزراعي في اقليم الباطنة الذي كان ينتج فائضا كبيرا من المنتجات الزراعية وخاصة التمور والفواكه شبه الاستوائية، ويعد وصف الجغرافيين العرب لصحار عندما زاروها دليلا على التقدم الزراعي الذي حصل في صحار في تلك الفترة.
يذكر الحميري أن صحار أشتهرت بوفرة الثمار الطيبة المزروعة فيها، كالنخيل والموز والرمان والسفرجل.
وكان صيد الأسماك من الموارد الاقتصادية الهامة لصحار منذ القدم، حيث شكل الصيد وشحن الأسماك الى الخارج واحدا من دعائم الاقتصاد في صحار وما زال ، وقد شمل هذا النشاط قطاعات ثانوية من بينها : التخزين ، التصنيع ، التجفيف ، الحفظ والتمليح وانتهاء بالتصدير.
إلا أنه ومنذ القرن السادس الهجري/ الثاني عشر ميلادي، تدهور الدور التجاري لصحار، ويرجع ذلك – كما ذكر الحميري- إلى قيام عامل جزيرة كيش بإنشاء أسطول بحري غزا به ساحل اليمن مما أضر بالتجارة في المنطقة.
يقول الحميري أنه لم يترك لأحد مالاً، وأضعف البلاد، وأنقطع السفر عن عُمان. وأدى ذلك إلى ضعف العلاقات التجارية بين صحار وكل من الصين والهند.
الاقتصاد في عصر النهضة:
1- الصناعة: منذ بداية عصر النهضة المباركة في 23 يوليو 1970 وبالتحديد في عام 1973م بدأت عمليات التنقيب عن النحاس في ولاية صحار، وتواصلت التنقيبات بعد ذلك حيث قامت شركة عمان للتعدين التي أنشأت عام 1978م بالتنقيب في مناجم الأصيل والبيضاء وعرجاء، وتكلل المشروع بالنجاح، حيث افتتح مصنع النحاس عام 1983م ، وقامت السلطنة بتصديره الى الخارج في منتصف ذلك العام، ونظرا لما تمثله المعادن من ثروة وطنية تثري الاقتصاد فقد تم التنقيب عن معادن أخرى، فاكتشف الكروم والمنجنيز في جبال صحار.

ومنذ العقد الأخير من القرن الماضي وصحار تزخر بقيام العديد من الصناعات بها وذلك من خلال منطقة صحار الصناعية، إلا أنه خلال السنوات الماضية دخلت صحار في مرحلة الصناعات الثقيلة وذلك بإنشاء ميناء صحار الصناعي، حيث بلغ حجم الإستثمارات به عدة مليارات من الدولارات.
ومن بين الصناعات الثقيلة المقامة في الميناء الصناعي مصفاة صحار، ومشروع مجمع صناعة العطريات الذي يتوقع أن يسهم في استقطاب الاستثمار الأجنبي ويعزز صناعة البتروكيماويات في السلطنة.
وهنالك مشاريع أخرى مثل مصنع الألمنيوم ومصنع البولي بروبلين ووالميثانول والحديد والمواد البلاستيكية وغيرها من المشاريع العملاقة.
2- الزراعة:
لولاية صحار تجربة ناجحة في المشاريع الزراعية دعمتها الدولة بمشاريع زراعية وفرت لها المعدات الزراعية ، فتسارع معدل الانتاج ، وحرصت الدولة على الاستفادة من المياه الدافقة من الاودية باقامة سدود التغذية الجوفية، من بينها سد وادي الحلتي، وسد وادي عاهن، وتغذي قراها عددا من الأفلاج منها العوهي وفلج القبائل.
3- التجارة:
عرفت صحار منذ القدم بنشاطها التجاري. وبحكم كونها مركزا إداريا لمنطقة شمال الباطنة في العصر الحديث، فقد تم إنشاء أسواق متخصصة تخدم مختلف الشرائح من الزبائن، ومن بين هذه الأسواق سوق الخضروات والفواكه المركزي وسوق الأسماك وسوق الحرفيين (المتخصص في السلع الحرفية) وسوق الجمعة (المتخصص ببيع الأعلاف والمنتوجات الزراعية).
وفي الآونة الأخيرة بدأت بعض محلات التسوق الكبرى في إنشاء أفرع لها بصحار.
4- السياحة:
تمتاز صحار بالعديد من المميزات السياحية. فعلى سبيل المثال تمتاز صحار بوجود الجبال الشاهقة والتي تشكل عامل جذب لهواة تسلق الجبال. كما يوجد بها العديد من الأودية سواء تلك التي تزخر بالمياه على مدار السنة أو الأودية الموسمية. وبالإمكان رؤية العديد من العائلات والتجمعات سواء كان ذلك في وادي حيبي أو وادي عاهن أو وادي الجزي. بالإضافة إلى الجبال والأودية فإن شواطئ صحار النظيفة تجذب العديد من السواح سواء من المواطنين أو الزوار.
كما أولت حكومة السلطنة اهتماما كبيرا للعناية بالمقومات السياحية للولاية، مثل ترميم قلعة صحار وإنشاء سوق صحار التاريخي والحدائق العامة وأماكن التنزه. وقام القطاع الخاص بدوره في التنمية السياحية للولاية حيث توجد عدة فنادق ومجمعات تجارية وغيرها.
وتشهد صحار حاليا طفرة في المشاريع الخدمية والتجارية والعقارية والترفهية تزامنا مع الطفرة الاقتصادية التي تشهدهها الولاية والمتمثلة في مينائها الصناعي، مما أغرى العديد من المستثمرين العرب والأجانب الى الاستثمار في صحار .

خاتمة:
يمكننا القول أنه كان لصحار وما زال أهمية كبرى في تقدم الاقتصاد العماني ،وقد اتضح لنا ذلك من خلال وصف الرحالة العرب المسلمين للرخاء والازدهار الاقتصادي التي شهدته صحار عبر التاريخ خاصة في مجالات الصناعة مثل صهر النحاس قديما والصناعات البتروكيماوية وغيرها حديثا بالاضافة الى التجارة والزراعة والسياحة وغيرها من الأنشطة الاقتصادية.
وتعد المشاريع العملاقة التي يحتضنها ميناء صحار الصناعي حالياً من أهم المشاريع الواعدة التي سوف يرتكز عليها الاقتصاد الوطني العماني في المستقبل.

المراجع :

الأزكوي، سرحان بن سعيد، تاريخ عُمان المقتبس من كتاب كشف الغُمَّة الجامع لأخبار الأمة، تحقيق عبد المجيد حسيب القيسي، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، 1980م.

الجنحاني، حبيب، دور عمان في نشاط التجارة العالمية في العصر الإسلامي الأول، حصاد ندوة الدراسات العمانية:نوفمبر 1980م، مج3 ،ط3، المطبعة الشرقية ومكتبتها، 2005م.

السيابي، سالم بن حمود شامس، عُمان عبر التاريخ،ج 1، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، 1986م.

العاني، د.عبدالرحمن عبد الكريم، تاريخ عُمان في العُصًور الإسْلاميّة الأولى ودور أهلها في المنطقة الشرقية من الخليج العربي وفي الملاحة والتجارة الاسلامية، ط1، دار الحكمة، لندن، 1999م.
حسن صالح شهاب، الموانيء العمانية في وصف الرحالة والبحارة العرب والأجانب، مجلة نزوى، العدد 23.

عاشور، سعيد عبد الفتاح، تاريخ أهل عُمان، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، ط. 2، 1986.

ويليامسون، أندرو، صحار عبر التاريخ، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، عدد 2، ط 2، 1995م.
ويلكسون، جون، صحار تاريخ وحضارة، سلسلة تراثنا، سلطنة عُمان، عدد 20، ط 2، 1991م.

مسيرة الخير، وزارة الإعلام، سلطنة عمان، المطابع العالمية ، 2005م.

عماد بن جاسم البحراني
باحث دراسات تاريخية

إلى الأعلى