الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / نافذة لغوية (140) : الملكة اللغوية عند القدماء

نافذة لغوية (140) : الملكة اللغوية عند القدماء

في منتصف القرن العشرين لقيت دراسة اكتساب اللغة اهتماماً كبيراً على أثر ظهور النظرية السلوكية في علم النفس والنظرية البنيوية في علم اللغة، ومن ثم ظهور نظرية النحو التحويلي والتوليدي على يد عالم اللغة الأمريكي نعوم تشومسكي.
وقديماً تحدّث العالم الاجتماعي الكبير ابن خلدون في مقدمته الموسومة بـمقدمة ابن خلدون لمؤلَّفه ( كتاب العِبَر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ) عن لغتنا العربية مبيّناً قيمة الألفاظ في تأليف النظم والنثر ومنزلتها عند العرب فيقول : ” اعلم أنّ صناعة الكلام نظماً ونثراً إنما هي في الألفاظ لا في المعاني،وإنما المعاني تبع له ،وهي أصل، فالصانع الذي يحاول مَلَكَة الكلام في النظم أو النثر إنما يحاولها في الألفاظ بحفظ أمثالها من كلام العرب ليكثر استعماله وجريه على لسانه حتى تستقر له المَلَكَة في لسان مضر ويتخلّص من العُجمة التي رَبِيَ عليها في جيله ، ويفرض نفسه مثل وليد نشأ في جيل العرب ، ويُلَقَّن لغتهم كما يُلَقَّنها الصبيّ حتى يصير كأنه واحد منهم في لسانه ، وذلك أنّ اللسان مَلَكَة من الملكات في النطق يحاول تحصيلها بتكرارها على اللسان حتى تحصل ، والذي في اللسان والنطق إنما هو الألفاظ ، وأما المعاني فهي في الضمائر ، وأيضاً فالمعاني موجودة عند كل واحد ، وفي طوع كل فكر ….” . ثم يضيف إلى ذلك قوله : ” فكما أنّ الأواني التي يُغْتَرَف بها الماء منها آنية الذهب والفضة والصدف والزجاج والخزف ، والماء واحد في نفسه وتختلف الجودة في الأواني المملوءة بالماء باختلاف جنسها لا باختلاف الماء كذلك جودة اللغة وبلاغتها في الاستعمال تختلف باختلاف طبقات الكلام في تأليفه باعتبار تطبيقه على أنّ المقاصد والمعاني واحدة في نفسها ، وإنما الجاهل بتأليف الكلام وأساليبه على مقتضى مَلَكَة اللسان ، إذا حاول العبارة عن مقصوده ولم يحسن ، بمثابة المُقْعَد الذي يروم النهوض ولا يستطيعه لفقدان القدرة عليه “.
وقال الإمام الشافعي في أوائل كتابه ( الرسالة ) :
” لسان العرب أوسع الألسنة مذهباً ، وأكثرها ألفاظاً ولا نعلم أن يحيط بجميع علمه إنسان غير نبي “.
على هذه الصورة من الاعتزاز بلسان العرب والحرص على صونه من الفساد يتجلى تعلّق علمائنا القدماء بتماسك لغتهم والإبقاء على بلاغتها وبيانها لقناعتهم بأنها وعاء لفكرهم وحضارتهم ، وسجل حافل بتراثهم الغني . وابن خلدون – العالم العربي الذي نوّه بعلمه وسعة إدراكه علماء الغرب والشرق – يشير هنا إلى الصلة الوثيقة بين الفكر واللغة مقدماً اللغة على الفكر بجعله المعاني تابعة للكلام ، وتحصيل مَلَكَة الكلام في النظم والنثر في رأيه تكون بالدُّرْبَة والمران ومعاودة النظر ، مع حفظ الأمثلة المستحسنة من مكنون لغة العرب لتبقى معواناً دائماً له ، وهذه النصيحة من ابن خلدون مردّها إلى اعتقاده بأن ما يحتاجه الأديب في الكتابة هو الألفاظ ، أما المعاني فهي في الضمائر كما يرى . ولقد أشار غيره إلى هذه الفكرة شعراً فقال :

إنَّ الكــلامَ لَـفِي الفُــؤادِ وإنَّما
جُعِـلَ اللسـانُ على الفُـؤادِ دَليلا
وقد قيل قديماً : مَن أحسن المَلَكَة أَمِنَ الهَلَكَة .

د.أحمد بن عبدالرحمن بالخير
استاذ الدراسات اللغوية بكلية العلوم التطبيقية بصلالة
balkher1971@yahoo.com

إلى الأعلى