الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / الباب المنقوش، لـ “جمعة الحارثي”

الباب المنقوش، لـ “جمعة الحارثي”

نفتح في هذا العدد بابا إبداعيا جديدا لفنان تألق في سبك اللوحات بجمال أفكاره وزهو إيقاعاته المطرزة بالنقوش والرموز والأشكال الأثرية المستوحاة من إرث هذا الوطن العريق على سطوح قِطعه الفنية. جمعه الحارثي فنان تشكيلي عُرف عنه بأنه باحث وراء الأيقونة العُمانية أينما كانت في محطات التراث الذي خلفه أجداده ليقف على سحر جماله ويغوص في عمق مكنوناته ثم ما يلبث أن ينثره علينا في ألق جمالي خاص وصياغة إبداعية مميزة ترسم معها ابتسامة فخر لروعة العطاء والتكامل بين إبداع السلف والخلف. واخترت له من بين عطائه الكبير هذا العمل الرائع في فكرته وأسلوب تنفيذه الذي عُرف به وهو عباره عن باب أثري منقوش بمنتهى الجمال من ناحية المفردات المستلهمة فيه التي جمعت بين النباتية والهندسية في تناغم بديع حقق من خلاله ما عُرف عن إبداع الإنسان العُماني في أعمال النجارة وباعه الطويل في مجال النقش والتزيين الذي أذهل بروعته كل من اطلع عليه واقترب من المشتغلين فيه. ومعروف منذ أزل عن العُمانيين جُهدهم المُميز في صناعة الخشبيات كالأبواب والنوافذ والسفن وأثاث المنازل وزخرفتها بمظهر جميل وبديع بمختلف الأساليب الزخرفية النباتية والهندسية والكتابية، ومما ساعد الحرفي العُماني على الإبداع في هذه الحِرفة هو عدم وجود صناعات مستوردة آنذاك إضافة إلى حالة الطلب الكبيرة من أصحاب الجاه لمثل هذه الأبواب والنوافذ المطرزة بالنقوش والزخارف والكتابات التي تتوافق مع تعاليم الدين الإسلامي حتى عكست الزخارف بمفرداتها هيبة المبنى الذي يقطنه مالك المنزل ودللت من خلاله على حالة الثراء أو المكانة الاجتماعية أو السياسية للشخص وذلك لأن أغلب وأهم نتاجات نحت الزخارف والكتابات على الأبواب والنوافذ والشرفات للمنازل تجدها في بيوت السلاطين والأئمة والشيوخ والأثرياء من الناس وما يتوفر لديهم من ممتلكات أخرى كالسفن والمشغولات الخفيفة مثل العربات والمناديس والدواليب والأَسِرة وغيرها من أثاث المنازل هذا بالإضافة إلى أبواب ونوافذ القلاع والحصون المعروفة بضخامتها وهي الشاهد الأقوى على هذا الإبداع حتى الآن، فعكست هذه الصناعة درجة الإتقان العالية في توظيف الفنون الزخرفية الإسلامية مما لفت اعتزاز الصانع العُماني بصنعته حتى أن هؤلاء الصُناع يحرصون على إضافة تواقيع تحمل اسماؤهم على عتبات الأبواب التي ينفذونها، ويمكن مشاهدة نماذج متنوعة لهذه الأبواب حاضرة حتى الآن في المنازل الطينية الكبيرة والمعالم التاريخية كالقلاع والحصون والأسوار والحارات القديمة المتكاملة التي لا زالت تحتفظ بجميع تفاصيلها الدقيقة. وعلى ذلك سعى جمعة الحارثي بطرح هذا العمل ليبين لنا كل ما أشرنا إليه ويقف بدفق صادق عند حالة إبداع الحِرَفي العُماني في أعمال الزخرفة والنقش بمختلف تفاصيلها من خلال تضمين هذا الباب في صدر عمله الفني الماثل أمامكم وتحريك مساحاته الداخلية والمحيطة به بزخارف أخرى غائرة وبارزة تكاملت معه وتنوعت في أشكالها بين الحروف العربية والنقوش الإسلامية وبعض إيقونات من الحضارات الأخرى ليدلل من خلالها على حالة التمازج التي تلعبها الفنون في تقارب الشعوب وتلاقي إبداعاتها وأن الفن ليس له وطن ولا حدود، بل هو إبداع إنساني خالص، وهذا يُشير لنا بأن الحارثي آمن أن الإبداع في الفن لا يمكن أن يظهر للوجود أو يتألق بدون ثقافة تسانده وتدعمه وتعزز بقاءه وإذا لم يكن الفنان ملماً بالثقافة المحلية والعالمية ويستفيد منها في تقوية أركان فنه فإن بقاءه واستمراره سيكون محل شك أكيد، لذا كان الفن الذي يمزج الثقافات ويأخذ شيئاً من نتاج الحضارات هو دائماً الأبقى حضوراً والأجمل أثراً. وفي الختام بقي أن أشير إلى الدرجة اللونية المتناغمة التي سحبها الفنان على العمل وأثْرَتهُ في إنسجام بديع وخلقت راحة بصرية حققت معها مضامين العمل التي تحدثنا عنها وبعده الفلسفي المعبر عن كونه عملا فنيا ينتمي إلى التراث الأثري، إضافة إلى أسلوب الحفر الغائر والبارز للكتابة والزخارف التي أنشأها الفنان على سطح العمل حيث حققت هي الأخرى انسجاماً وترابطاً مميزاً وإيقاعاً ممتعاً مع الباب وفي كل لقطة من زواياه.

عبدالكريم الميمني
al-maimani@hotmail.com

إلى الأعلى