الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / قراءات بين الشرق والغرب: وحدة وسط الزحام -1-

قراءات بين الشرق والغرب: وحدة وسط الزحام -1-

تتردد عبارة “دعني وشأني!” أحيانا كثيرة في العلاقات الإجتماعية لإعادة تنظيم قواعد الإلتحام بين الفرد ومن حوله،وبخاصة في العلاقات الحميمة – العائلية مثلا. فهذه العبارة تعيد إيجاد العديد من الحواجز والأسوار العازلة بين الفرد وبين المجموعة في لحظات الضيق والرغبة في الإنعزالية عن المحيط. وغالبا ما تتكرس هذه الرغبة في تكريس العزلة الإجتماعية وتحديدها بين الفرد الغربي في مراحل ابتدائية عمرية،إذ وبإطار بيئة اجتماعية تغذي نزعات التفرد الفكري والشخصي المستقل،في المدرسة والبيت والعمل وكافة مناحي الحياة،تبرز شخصيات الأفراد “كآحاد” مستقلة متحوصلة ضمن مجتمع كبير.

وفي هذه الطبيعة التي تغذيها العقلية الغربية إيجابيات في تكوين شخصيات مستقلة قادرة على إدارة شؤون حياتها باستقلالية تكون مذهلة في كثير من الأحيان. فالفرد في البيئة الإجتماعية الغربية يستقل عن عائلته في سن مبكرة فكريا،ثم تليها مرحلة إستقلالية كاملة قبيل سن السادسة عشرة أو الثامنة عشرة على أبعد تقدير. فالقوانين الغربية الناظمة والتي تحدد حرية الفرد المراهق أو الصبي اليافع تتشظى وتتكسر على جدار متين من القوانين التشريعية التي تضمن لمن تجاوز سن الثامنة عشرة حرية فكرية مستقلة وتعطيه،كذكر وأنثى،مساحة غير محدودة للتصرف بعيدا عن أية قيود كانت مفروضة سابقا. فما كان ممنوعا يصبح متاحا ويبدأ من الأماكن العامة التي يمكنه دخولها ومرورا بالممارسات الإجتماعية التي تصبح شرعية كحرية الإرتباط الجنسي بدون طائلة ومسائلة القانون –كحدث أغر سابقا- وبخاصة في مجتمعات تعتبر الجسد ملكية شخصية للذكر والأنثى ولهما حرية التصرف بهما بعيدا عن قيود المجتمع والدين طالما كانت هذه الحرية لا تؤثر سلبا على المحيط المجتمعي وبرضا وموافقة الشريك الآخر في أية عملية عابرة كانت أم دائمة. وتشمل هذه المتاحات الجديدة أيضا مساحة ثقافية أخرى في تصنيفات الأفلام التي يمكن مشاهدتها بدون رعاية الكبار السابقة،أو شراء التبغ والكحول واليانصيب ودخول دور السينما والمسرح،وباختصار يصبح العالم مفتوحا ونهاية ما يمكن عمله واعتقاده وممارسته غير محدودة. وفي هذه البيئة والنظام الفكري الذي يغذيه الغرب في تنمية “الفردية” إيجابيات كبيرة في تخفيف الإعتماد المباشر على الأسرة والأبوين،إذ يمكن للولد بدء الإعتماد على النفس في مرحلة معينة ومتقدمة،وذلك على النقيض من الفرد في الأسرة العربية الذي يكون ملتصقا برعاية والديه ويخضع لسيطرة وتبعية مباشرة تمتد لما يقارب الثلاثة عقود إن لم تزيد. وفي هذا ما فيه من زيادة عبء مادي ونفسي وفكري على الوالدين بما يكاد ينوء به ظهرهما لسنين طويلة وبخاصة إن كانت العائلة كبيرة. وبرغم إيجابيات الإستقلالية الفردية في الغرب،إلا أنه تظل لها محاذير وسلبيات كثيرة أيضا وآفات وأحيانا وفي غياب نظرة شاملة توجيهية أو رعاية ومع توفر عوامل انحراف سلبية يمكن أن ينقلب القطار بعيدا عن خط السكة المرسوم لمستقبل واعد. فيمكن ببساطة الإنجراف وراء الملذات والمتع بعيدا عن طموحات أكاديمية أو علمية،وبخاصة أن طريق الأخيرتين قد يكون طويلا وثماره غير دانية أو قريبة آثارها على المدى المنظور. فكثير من الأغرار الأحداث في المجتمعات الغربية،ورغم توفر مئات الجامعات،قد لا يرى في التعليم الجامعي فرصة حياتية للمستقبل. بل وفي توفر الدعم الأساسي من الدولة الذي يكفل العيش والسكن،يعتبره الكثير بديلا سريعا ومختصرا للإستمتاع بالشباب مع العمل في وظائف عادية تكفل “بضعة جنيهات”.

وقد صدمت بشدة حين وصولي للدراسة بجامعة لندن،إذ كان في مخيلتي وأنا القادم من المشرق حيث لم تكن آنئذ برامج الدراسة لمرحلة الدكتوراة متوفرة وشائعة كما هي اليوم في الجامعات العربية بأن توفر هذه البرامج في معاهد وجامعات الغرب يعني إقبالا جيدا من الغربيين وبخاصة مع تدني رسوم الجامعة السنوية آنئذ للطالب المحلي الغربي في مقابل الجهد الجهيد الذي يبذله الواحد منا للقدوم للدراسة فضلا عن كونها باهظة التكاليف جدا وبمثابة هجرة فكرية وجسدية وثقافية مضنية. ما صدمني هو أنني لم أجد في مرحلة الدكتوراة بجامعتي،وهي تعد من أفضل جامعات بريطانيا إلى جانب أكسفورد وكامبردج،لم أجد سوى طالبا واحدا انجليزيا بين أكثر من أربعين طالبا من مختلف جنسيات العالم الثالث في مرحلتي الماجستير والدكتوراة – مما يعني نسبة أقل من 3% في مرحلة الدراسات العليا في جامعتي على الأقل. لكن وبالطبع لم يكن هذا هو واقع الحال في مرحلة الدراسة الأولى حيث تصل النسبة إلى أكثر من 80 – 90%،وهذا يفسر اعتماد الطلبة على الشهادة الأولى وربما بعض البرامج التدريبية القصيرة المتعددة التي تضمن تأهيلهم للعمل المبكر – خلافا لما هو عليه حالنا في الدول العربية حيث يقضي الفرد سنين طويلة في الدراسة والتخصص ليبحث بعدها عن العمل لسنوات طويلة أيضا يظل خلالها عبئا فكريا وماديا ونفسيا على أهله وعائلته. وهناك ظاهرة أخرى لاحظتها في الدراسة في جامعة لندن أود الإشارة إليها في هذا السياق،وهي “عودة” كبار السن للدراسة في العقد الرابع من العمر. وتفسير ذلك يعود للتركيبة المجتمعية ونسق الحياة الغربية. فيبدو أن التعليم ما بعد الأساسي – حتى سن الثامنة عشرة – لا يعتبره الكثيرون في المجتمعات الغربية على أولى سلم الأولويات،بل ربما يعد مضيعة للجهد والوقت،إذ بدلا من ذلك يمكن البحث عن وظائف سهلة تحتاج لدورات تدريبية قصيرة والبدء بالإنخراط في أعمال تنتج دخلا شهريا بدلا من إضاعة بضع سنوات يتخرج بعدها الطالب بديون جامعية عليه تسديدها. ولذلك فغالبا من تكون سنوات ما بعد الثامنة عشرة في الوعي الفردي الغربي والتركيبة النمطية الإجتماعية كالتالي: سنة تفرغ ما بعد المدرسة وقبل دخول الجامعة تسمى (Gap Year) يقوم خلالها الطالب بالسفر والسياحة حول العالم لتوسيع مداركه وقضاء سنة كاملة لتنمية قدراته الشخصية وملكات الإعتماد على النفس. وغالبا ما يسافر الفرد على مبدأ (Hitch hike) حيث لا يملك نقودا ولكن يعمل بأعمال عابرة سريعة تكفل له الطعام والشراب والسكن،إن لم يرغب في النوم أينما كان في (Sleeping bag). أما إن لم يرغب الطالب في إكمال الدراسة بعد مرحلة المدرسة الإلزامية – وهي مرحلة قانونية من سن السادسة وحتى السادسة عشرة يعاقب القانون على عدم الإنضباط بالمدرسة كلا من أولياء الأمور للمراحل الأساسية،فإن لم يرغب الطالب بإكمال الدراسة فتكون أمامه سبل العمل والإرتباط الإجتماعي وتكوين عائلة صغيرة ومالا حتى بداية خريف العمر. وبعد أن يكبر الأولاد،يفكر بعضهم بإكمال الدراسة في مساقات أكاديمية لا تتجاوز السنة الواحدة سواء ببرامج تدريبية مكثفة وقصيرة أو لمراحل الماجستير. أما الدكتوراة فتعتبر مضيعة للوقت والموارد المالية بكافة المقاييس الغربية،ولا يحمل اللقب (د.) أي معنى في القواميس الأكاديمية أو الأجتماعية. فأنت تقاس بما معك من مؤهلات أخرى – وفي الحقيقة تحفل معظم الجامعات الغربية بأكاديميين لا يحملون أكثر من دبلوم أو ماجستير في أحسن الأحوال،لكنهم ارتقوا السلم الأكاديمي وحصلوا على درجة الأستاذية من خلال أبحاث قصيرة قاموا بها على مدى مجموعة سنوات.

وفي إطار كل هذه المغذيات المجتمعية التي تدفع بظهور الشخصية الفردية والتفكير المستقل وطرائق الحياة السهلة القصيرة بعيدا عن الطموحات التي تعقد طريق الفرد وأهله سعيا وراء شهادات أكاديمية وخبرات متراكمة تكون أحيانا عبئا على صاحبها أكثر من نفعيتها في البحث عن مهنة متخصصة مناسبة،في هذا الإطار ينمو الفرد وحيدا في الثقافة والعقيدة الغربية،وتتكرس هذه “الوحدة” مع بعض التجارب المجتمعية الفاشلة ربما والتي تدفعه لتكريس “أنانيته” ووضع النفس قبل الآخرين في كل شيء. ولذلك فحتى بارتباطه الإجتماعي العابر وبالرغم من ورود كلمة “الحب” والوقوع في الحب مع شريك إلا أن الفردية تتجسد في أكثر من معنى،يجسدها الحذر الشديد من الإستغلال من قبل الطرف الآخر؛ فكل من الشريكين يتقاسم الأعباء المادية،وغالبا ما تجد أن ثلاجة بيتهما تحوي أطعمة مخصصة لكل منهما في مساحات محددة لا يقترب أحدهما منها وإلا وقع ضمن دائرة الإستغلال المصلحي الفاضح. وقد قص علي أحد الأصدقاء أن صديقين غربيين كانا يشتركان في بيت واحد ذهب لزيارة الرجل فطلب منه صديقه أن يضيف نفسه بنفسه على عادة البريطانيين حيث يقول لك أحدهم (Help yourself)،وطلب منه أن يسكب عصيرا لنفسه من الثلاجة لكنه حذره من أن يقترب من العصير على الجهة اليسرى فهو ليس له إنما يعود لشريكته! وللحديث بقية في الأسبوع القادم

د.وليد السيد

إلى الأعلى