الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الاقتصاد / ولنا كلمة : التمدن في الحوار الاجتماعي

ولنا كلمة : التمدن في الحوار الاجتماعي

في إطار ما شهدته المتغيرات العالمية منذ بداية النصف الأول من القرن الماضي من تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وظهور الرأسمالية والتحول من الديكتاتورية إلى الحرية والديمقراطية، وما ترتب على ذلك من جهود مبذولة لاستيعاب ذلك التحول والبعد عن آثاره السلبية وإيجاد الآليات التي تمكن من إيجاد شراكة بين كافة الأطراف التي ترتبطها مصالح مشتركة، فقد ظهر ما يسمى بالحوار الاجتماعي من أجل إيجاد علاقات عمل مستقرة وفاعلة في مسارات التنمية المختلفة، وتسهم في تأمين الاستقرار والأمن الاجتماعي للعامل من ناحية، وتعزز الإنتاجية للمنشأة من ناحية أخرى، فضلا عن إيجابية ضمان الأمن والسلم الاجتماعي من خلال تجنب تصادم طرفي الإنتاج وما ينتج عن ذلك من فوضى احتجاجات تتطلب تدخل الطرف الثالث أي الحكومة للمعالجة، كما أن الحوار كما عرفه البعض يعتبر أداة فعالة تساعد على معالجة العديد من القضايا التي قد تنشأ بين العاملين وأصحاب الأعمال حول بيئة العمل، ويدفع إلى المزيد من تقوية العلاقة العمالية نتيجة ما يصاحبه من تفاوض عقلاني ومشاورات جادة تتم من خلالها تبادل للمعلومات تنازلات للوصول إلى اتفاق يرضى به طرفا الإنتاج.
والحوار الاجتماعي على الرغم من كونه يساعد بالدرجة الأولى على إقامة مؤسسات لسوق العمل قوية وقابلة للتكيف وتسهم بفعالية عبر اتحادات ونقابات عمالية قوية وفاعلة، إلا أن البعض حتى الآن ينظر إليه على أنه يقلل من هيبته الإدارية نتيجة مساواته بالجلوس مع مجموعة من العاملين لديه هم أصلا ممن يمثلون الأداة التي يستخدمها في دفع عجلة الإنتاج لديه، لكن في المقابل هناك البعض من التجار يعتبر الحوار الاجتماعي نوعا أو شكلا من أشكال التمدن الذي يجب يكون عليه أسلوب العمل في المنشأة، حيث إن التاجر إذا جاز لنا تسميته بالتاجر المتمدن هو من تكون منشآته أكثر استقرارا، شريطة أن يكون هذا التمدن سمة أيضا عند العامل من خلال المجموع أي مجلس إدارة النقابة الذي يمثل مصالحه في المنشأة.
لكن في المقابل إذا لم يكن لدى العاملين أيضا القناعة فيما يؤدي إليه الحوار من نتائج إيجابية في تحقيق الكثير من المطالب وحل العديد من القضايا، التي ربما بعض المنشآت تتجاهلها أحيانا وأحيانا أخرى لا تدرك قانونية مشروعيتها أو أحقيتها للعامل، فضلا عن قراءتها للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع فإن العاملين في العموم ممن تغيب عنهم الأساليب الحديثة في بناء حوار متمدن مع المنشأة يرفضون الحوار ويصرون على رفع سقف المطالب التي لا تدخل في كثير من الأحايين ضمن الحقوق المشروعة وفقا لأحكام القانون وإنما مطالب من أجل تحسين بيئة العمل، إلا أن هذه المطالب لا تتحقق إلا بالحوار الذي يتم فيه التركيز على مجموعة محددة منها البعض منها آني التنفيذ والبعض الآخر ينفذ وفقا لبرنامج زمني يتفق عليه الطرفان.
في بعض الدول ومنها اليابان على سبيل المثال وصلت إلى أعلى درجة من التمدن في الحوار من خلال وضع منهجية واضحة ومؤطرة عبر شبكة من القنوات ترتبط بهيكلة إدارة بين مجالس واتحادات ونقابات، وتحديد فترة زمنية من العام يتم من خلالها مناقشة كافة الطلبات التي يتقدم بها العمال لأصحاب الأعمال وصولا إلى اتفاق حول عدد لا يتعدى أصابع اليد الواحدة من المطالب، وبالتالي فإن اليابان تكاد تخلو من أي إضراب عمالي له علاقة بمطالب عمالية من أجل تحسين بيئة العمل لماذا؟ لأنها اتخذت من الحوار الاجتماعي منهجا لحل كافة الخلافات التي يمكن أن تحدث بين العامل وصاحب العمل، وبالتالي فإن كلا الطرفين ينظر إلى الآخر على أن العلاقة بينهما علاقة شراكة وتبادل مصالح هدفها خدمة المصلحة العامة للمجتمع، صحيح العامل من حقه أن يطالب بحقوقه التي نص عقد العمل الموقع بينه وبين صاحب العمل وتلك التي نصت عليها أحكام قانون العمل واللوائح المنفذة له، إلا أن ذلك يجب أن يكون عبر الآليات التي حددها القانون وقبل ذلك الحوار الاجتماعي البناء بين الطرفين وليكن كلاهما أي العامل وصاحب العمل متمدنا فيه حتى تختفي عمليات التوقف عن العمل أو الإضرابات العمالية.

طالب بن سيف الضباري
Dhabari88@hotmail.com

إلى الأعلى