الجمعة 7 أغسطس 2020 م - ١٧ ذي الحجة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / ليس بالدعاء وحده.. تنجو البشرية

ليس بالدعاء وحده.. تنجو البشرية

فوزي رمضان
صحفي مصري

قدر أحياء هذا الزمان أن يعيشوا المأساة، أن يشلهم الخوف ويعتصرهم الرعب، وأن تظاهروا بالتماسك، يحاصرهم الموت وإن كانوا في بروج مشيدة. فيروس ضئيل لم تلحظه العين المجردة يخترق تخوم العالم، متجاوزا كافة الخطوط الجغرافية، هذا الضئيل جعل الإنسان محصورا أمام قدره، ففرض عليه العزل قصرا، والإقامة الجبرية مرغما، أضحى مريض الفيروس عدوا، وهان على أهله أن يعزلوه وينعزلوا عنه، بات ضحية كورونا عدوا، وهو الضعيف المهزوم، فكم أنت مسكين أيها الإنسان أن تعزل أحبابك بإرادتك، ويصبح اقترابك منهم عدوى، واحتضانهم لك وباء.
أحياء هذا الزمان يعيشون كابوسا، لم يخطر لهم على بال، فباتوا يواجهون الآن وباء لم يستعدوا له، ومرضا لم يعرفوا له أصلا ولا فصلا، وما زال الغموض يحيط بالسيطرة عليه، وكيفية علاجه، وإلى أي مدى سوف ينتشر؟ وإلى متى سوف يستمر؟ وإلى أي وقت سينتهي؟ بل كم من البشر سوف يصابون؟ وكم من البشر سوف يموتون؟!!
هذا الضئيل غيَّر العالم إلى عولمة أخرى، عولمة فيروسية قادرة على أن تجمع شمال العالم بجنوبه، أثرياءه وفقراءه، عولمة لم تقسم الشعوب، بل جعلتها تصطف في فريق واحد، وتعيش نفس الحالة الواحدة، من الخوف والذعر والترقب والحذر.
أبدا لم يكن كورونا عقابا من السماء بسبب فسدة الأرض وظالميها كما يروج متطرفو الأديان، قد يكون هذا الفيروس من صنع الإنسان نفسه، وهذا هو المؤكد، لكن الحقيقة المطلقة هي أن العالم دائما وأبدا تحت رحمة إله الكون، البشر جميعا بين يدي الرحمن، وبعزته وجلاله سيلهم بقدرته عباقرة الطب وجهابذة العلماء أن يتوصلوا للترياق لقاحا كان أو دواء، ففي تلك اللحظة تتسابق وتتكامل وتتنافس المعامل الطبية العالمية، وتصارع الزمن لإنقاذ البشرية، فلا وقت للدروشة والتنطع باسم الدين. العلماء الحقيقيون ـ أيا كانت عقيدتهم ـ هم فقط من ينقذون البشرية ومن يدمرون هذا الضئيل، ومن يجتثون الرعب من النفوس.
من كان يتخيل أن تعزل مدن ومقاطعات، وتغلق مطارات وشركات، وتتوقف رحلات الطيران العالمية. من يتوقع أن توصد أبواب المقاهي والمطاعم ودور السينما في معظم دول العالم؟ أن ينقطع أكثر من 500 مليون طالب عن الدراسة؟ أن تلغى مئات الأحداث الرياضية والثقافية؟ أن يشهد القطاع الاقتصادي تراجعا تراجيديا حادا، الخسائر بمليارات الدولارات، انهيار كافة أسواق المال؟ من يتخيل أن تغلق دور العبادة في وجه المصلين، كوكب الأرض الآن شبه مشلول؟
صحيح أن صفحات التاريخ البشري تسطر الكثير من المآسي، التي ارتكبتها تلك الأوبئة، فسقط بسببها آلاف الضحايا، فمن كلكتا في الهند انطلق وباء الكوليرا وحصد معه آلاف البشر، ومن الكونجو تسرب وباء الإيدز ليحصد أكثر من 40 مليون إنسان، والآن من ووهان الصينية ينطلق فيروس كورنا المستجد، أو ما يعرف علميا بـ(كوفيد-19) ويتسلل لنحو 132 دولة، حاصدا حتى الآن 120 ألف إصابة، وأكثر من 5 آلاف حالة وفاة، والأعداد في ازدياد.
بعد أن انتشر هذا الضئيل الجبار في كافة بقاع العالم مهددا سكانه الستة مليارات بالفناء، تطل الصين حاملة رسالة الأمل لكافة المعمورة، بعد أن فشلت أول مرة، وأدارت الأزمة بشكل سيئ، تعلن للعالم أن فيروس كورونا تحت السيطرة تماما، فقد انخفضت الحالات المعلن عنها بشكل كبير، ولم يتم اكتشاف أي حالة في مقاطعة هوبي.
قامت الصين بعمل رائع جبار، لصرامة الاحتواء الذي أنقذ الآلاف من انتقال العدوى، وكانت لإجراءات الحجر الصحي القاسية، والتي طبقت بالكامل على الجميع، أن مكنت من خنق الفيروس من الانتشار. نعم أفلست شركات، وفقد الكثير من الصينيين أعمالهم، وضجر(فيس بوك) الصيني بالشكوى والامتعاض جراء تراكم ديونهم، لكن كان للحظر الإجباري الصلب أن تنفست الصين الصعداء، وانتصرت على الفيروس.
بل كسبت الصين أكثر من 22 مليار دولار نتيجة بيع معظم الشركات الاستثمارية أسهمها بأثمان زهيدة هروبا من كورونا، لتصبح أصول هذه الشركات خالصة للصينيين، ويتداول حاليا عن امتلاك الصين مفاتيح اللقاح والعلاج، بعد أن باتت مصدرا للخبرة وقد كانت منبعا للوباء، باتت ترسل أطقمها الطبية لمساعدة الدول المنكوبة، بعدما عزلها العالم، وحذفها من تعاملاته.
لا يأس مع الحياة، البقاء للعلم والمعرفة، وليس للدجل والشعوذة، تذكر كيف كانت طائرات الدرون والروبوتات الصينية والكاميرات الحرارية والتقدم العلمي المذهل في الصين ترشد العامة وتقدم خدماتها بدون تدخل بشري.. لا سبيل للعالم الآن سوى احتواء الفيروس بكل صرامة، فليس بالدعاء فقط تنجو البشرية.

إلى الأعلى