الإثنين 3 أغسطس 2020 م - ١٣ ذي الحجة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / كورونا وإعادة إنتاج وتقنين العادات والسلوك الاجتماعي

كورونا وإعادة إنتاج وتقنين العادات والسلوك الاجتماعي

د. رجب بن علي العويسي

في ظل الرصد العالمي لمستجدات فيروس كورونا الذي أودى بحياة الآلاف وإصابة مئات الآلاف حول العالم، وما اتخذته الدول من تدابير وإجراءات احترازية لوقف تسارع انتشار المرض، والمؤشرات الوطنية التي أظهرت تزايد عدد الحالات المصابة بالفيروس بالسلطنة لتصل إلى (22) حالة حتى الخامس عشر من مارس الحالي، وقرارات اللجنة الوزارية العليا المكلفة ببحث آلية التعامل مع التطورات الناتجة عن فيروس كورونا (كوفيد 19)، المتخذة في وقت سابق بشأن تعليق الدراسة في المؤسسات التعليمية العامة والخاصة بمختلف مراحل التعليم بالسلطنة منعا من انتشار المرض، وما تبع ذلك من تعاميم شملت وقف وتجميد كافة الأنشطة والفعاليات الرياضية والشبابية التي تقيمها جميع الهيئات الرياضية العاملة بالسلطنة؛ وكذلك تأجيل الفعاليات والبرامج والأنشطة الدينية ذات الطابع الجماعي بما فيها؛ بالإضافة إلى منع إقامة وتنفيذ البرامج التدريبية والندوات والمؤتمرات والفعاليات الثقافية والمناشط الفكرية والاجتماعية وغيرها كثير مما لم تسع القائمة لذكرة أو استقصاؤه وحصره. جاء قرار اللجنة كذلك بوقف التجمعات الاجتماعية مثل مناسبات الأعراس والعزاء وكل اشكال الاختلاط الأسري والمجتمعي، بالإضافة إلى إجراءات أخرى تتعلق بإغلاق الحدائق العامة والمتنزهات وإيقاف إقامة صلاة الجمعة وغيرها، كإجراءات احترازية تستهدف المزيد من الضبطية والتقنين وتأكيد الالتزام بالتعليمات الصادرة من اللجنة في سبيل الحد من سرعة انتشار المرض.
ولما كان فيروس كورونا حسب تصنيف منظمة الصحة العالمية “جائحة عالمية” لذلك كان التعاطي معه ينبغي أن يتم في إطار عمل عالمي مشترك وتوجهات دولية تأخذ طابع المهنية والاحترافية والقدرة على استيعاب كل المعطيات المرتبطة بالفيروس على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وتستدعي اتخاذ إجراءات وتدابير احترازية أكثر تشددا لما تصنعه من التزام وتبنيه من قناعة وتؤسسه من الشعور بالمسؤولية والمساعدة في هذا الواجب من خلال تضامن عالمي ووطني ومجتمعي في كل ما من شأنه الحد من انتشار الفيروس، على أن الحديث عن أثر كورونا على البعد الاجتماعي وبشكل خاص على منظومة العادات والتقاليد والممارسات المجتمعية السائدة في ظل جملة الحزم والتدابير الوقائية والإجراءات التي اتخذتها الحكومة للحد من انتشار المرض بين السكان، خصوصا تلك المتعلقة بوقف التجمعات الاجتماعية مثل مناسبات الأعراس والعزاء، يطرح اليوم واقعا اجتماعيا جديدا في مجتمع اعتاد على حضور هذه المناسبات كأحد التعبيرات الاجتماعية في التزامه المجتمعي والقبلي حتى أصبح جزءا من عقيدته الاجتماعية وارتبط بحسه الفطري وطبيعته الذاتية ووفائه بحقوق مجتمعه ونوع من عقد الوفاء والاحترام الذي يربط أبناء المجتمع بعضهم ببعض، ومع ما يمكن أن يثار حول ذلك من تكهنات بمستقبل التعاطي المجتمعي مع هذه القيم والثقافة المجتمعية في ظل روابط الرحم ووشائح القربى من أثرها في زيادة مستوى التباعد الاجتماعي وتكوين حالة من عدم الرضا بهذا السلوك أو قبول التعاطي معه وانعكاساته على مسار العلاقات الاجتماعية.
عليه، ينطلق تناولنا للموضوع من فرضية أن البعد الاجتماعي المتمثل في العادات والتقاليد والقيم والثقافة المجتمعية المتغيرة وغير الثابتة عملية تتسم بالمرونة وبالتجدد وقابلة للتحول حسب الظروف والمتغيرات والأحوال التي يمر بها المجتمع، وبالتالي يمكن إعادة إنتاجها بطريقة تتناغم مع المعطيات الحاصلة في الحالة الوطنية والدولية على حد سواء، بالشكل الذي يضمن تطويع السلوك الاجتماعي ليتكيف مع طبيعة تلك المرحلة التي يمر بها المجتمع حفاظا على النسيج الاجتماعي والنوع البشري وحماية له من أي مخاطر فد تهدده، كونها منظومة أساسها الإنسان، لذلك كان الحديث عن كورونا وآثاره الاجتماعية في ظل حزمة الإجراءات الوطنية المشار إليها سابقا، يضع المجتمع أمام مسؤولية البحث عن كل الحلول والبدائل الممكنة التي تحمي حقوقه وتحفظ موقعه وعبر توظيف الأبعاد الاجتماعية والفرص المجتمعية والعادات والتقاليد في امتلاك الإرادة والدافع والأمل الذي يستطيع من خلاله أن يتغلب على هذه الأوبئة والأمراض والحالات الطارئة، وعبر مزيد من الوعي والثقافة الجمعية التي تستنهض في النفس همم الإنجاز والعمل الجاد أو هيكلة آلية التعاطي مع هذه العادات الاجتماعية إعادة صياغة السلوك الاجتماعي بطريقة تتناسب مع معطيات المرحلة وتستجيب لنداء الحكمة وتوجهات الحكومة وقراراتها الاستراتيجية النابعة من حرصها على سلامة المواطن والمقيم وتوفير كل سبل الرعاية والحماية له، وما يعنيه ذلك أن تصبح هذه المحطات المجتمعية إطارا للبحث عن الحل ومعالجة المشكلة، سواء عبر إيقافها أو غيرها من الأدوات التي تصنع منها مزيدا من الحكمة في إدارة المواقف والتصرف فيها والتعامل معها، فيتنازل عن بعض القناعات والأفكار للتقليل من مخاطر ما يترتب على هذه الأوبئة من ضرر على الإنسان أو أي مخاطرة بنفسه وحياته.
ولعل ما يضعنا أمام هذه الثقة العالية من التفاؤلية هو أن منظومة القيم والعادات والتقاليد والثقافة عبارة عن رصيد اجتماعي متوارث، له جذوره وأصوله وتراكماته الحضارية والتاريخية التي مرت بحقب متتالية وأجيال متعاقبة، والإجراءات الاحترازية الحالية لا تفقدها حيويتها أو تذهب ببريقها أو تشوه من صورتها لأنها كما أشرنا نتاج لحالة مجتمعية يجب التناول فيها عن بعض القناعات أو إعادة إنتاج مسارها بطريقة تحفظ استقرار الوطن وحياة المواطن، والقرار فيها ظرفي محدد بعكس أصول هذه القيم والعادات الاجتماعية، لذلك التنازل عنها يرتبط بظرف معين أو بسبب حالة معينة، ناهيك عن أنها تعبير عن إرادة وطنية نظرا لحجم المخاطر الناتجة عن انتشار الفيروس، واستشعار الحكومة بقطاعاتها هاجس المجتمع في هذا الشأن؛ لذلك نعتقد بأن الحديث عن الأثر الاجتماعي القادم عن فيروس كورونا سابق لأوانه باعتباره حالة طارئة مرتبطة بظروف معينة والقرار الصادر بشأن إيقاف هذه التجمعات أو غيرها قرار آني أو ظرفي كنتاج لقراءة معمقة لوضع الوباء العالمي، وما تطلبه الأمر من توجيه كل القطاعات لصناعة بدائل وخلق سيناريوهات عمل تقلل من نسبة المخاطرة وتقي المجتمع من تأثير الفيروس، وجعل التعامل معه أولوية يجب أن تحظى باهتمام المجتمع توكها قيم الإسلام ومبادئه السمحة ومقاصده الشرعية الداعية إلى حفظ النفس وعدم الضرر بها أو إلقائها إلى التهلكة، إذ تنتقل المسؤولية في ذلك من الفردية وكونها ضمن نطاق مؤسسة معينة إلى كونها مسؤولية مجتمعية يجب أن يشارك فيها الجميع بكل ما يستطيع وفق إطار عمل مجتمعي تصنعه الدولة وتؤسس له معالمه وأدواته والمتمثل في اللجنة الوزارية العليا بالشكل الذي يضمن توحيد الجهود وتعظيم قيمة العمل الوطني المشترك وتوحيد رؤية القرار الوطني وتعاطيه الشامل مع كل معطيات العمل وواقع الأداء مستفيدا من كل التوجهات الإقليمية والدولية في هذا الشأن.
وبالتالي فإن استجابة المجتمع مع مثل هذه الحالات والابتكارية في التعامل معها والوعي بكل المعطيات والاستراتيجيات والإجراءات والاحترازات التي تضعها الدولة في هذا الشأن واجب وطني ومسؤولية أخلاقية واجتماعية إنسانية لا تعفي أحدا من الإسهام فيها، كما أن التقاعس عن أداء المهمة والتخاذل وأخذ الأمور بشيء من السطحية واللامبالاة سوف يعرض الجهود للخطر وسيؤدي إلى تفاقم المشكلة وزيادة قوة التحدي في استيعاب حجم التأثير السلبي الناتج عن انتشار الوباء واتساع رقعة المرض، وهو ما حصل في بعض بلدان العالم التي تعاني اليوم من تزايد انتشار المرض بصورة مخيفة، كونها لم تتخذ الإجراءات الاحترازية النافذة بقوة القانون وسلطة الدولة الكفيلة بمنع انتشار الفيروس بين السكان، أو التعاطي مع السلوك الاجتماعي الممارس من قبل المجتمع دون تدخل فيه أو فرض سياسة جديدة في الحد منه، خصوصا في مسألة التجمعات والاختلاط الحاصل في المناسبات الاجتماعية والعادات الأسرية. بما يعنيه ذلك من البحث عن آلية تضمن قدرة المجتمع على التكيف مع متطلبات الواقع الاجتماعي المعايش، والأخذ بكل السبل والأساليب والإجراءات والخطط والتوجهات التي تستهدف الحد من هذه التجمعات والتقليل منها والبحث عن حلول أكثر ابتكارية تضمن قدرة المواطن على المساهمة الفاعلة في رسم معالم هذا التحول وإدارته، وأن يعمل على إعادة صياغته وترتيب أولوياته بالشكل الذي يضمن المحافظة على سقف التوقعات المأمولة من هذا الإيقاف والغايات المرجوة من التعليق على المستوى البعيد، وهو الشكل المتجدد للسلوك الاجتماعي الذي يحتاجه المجتمع ونعتقد أنه المناسب لطبيعة المرحلة، أي بمعنى توظيف السلوك الاجتماعي وترقيته بالشكل الذي يضمن قدرته على صناعة القوة والأمل والإيجابية والتفاؤل في المجتمع لا نشر المرض، وتقليل حالة التأثير السلبي له، لا التوسع فيها وخلق مساحات أمان أكثر حرصا على تنمية الوازع الإنساني في المحافظة على بما يعزز من مسارات التقنين والتنظيم والتفعيل في ممارسة هذه الأنشطة الاجتماعية والتجمعات العائلية.
من هنا لست متشائما بما يمكن أن يحدثه كورونا من تأثير سلبي في شأن القيم والأخلاقيات والمبادئ والالتزامات، نظرا لما قد تصنعه هذه التدابير والإجراءات الاحترازية والوقائية من فصل جديد في إدارة السلوك الاجتماعي وإعادة إنتاجه بطريق أكثر مهنية وضبطية كمصدر قوة في الحد من خطر كورونا؛ للقناعة بأن الأزمات كما هي تولد الاختراعات والابتكارات والأفكار، فهي تولد المسؤوليات وتبني الفرص وتجدد الأدوات وتصحح الممارسات وتصنع فرص المنافسة والتحدي وتعيد النظر في الكثير من العادات التي يمارسها الإنسان بدون وعي أو إدراك للحكمة منها وأهميتها وفوائدها، إنها فرصة للتعمق والبحث في كنه الممارسة وترقية أسلوب العمل وإعادة طريقة الأداء وفهم لماذا يتم ممارسة هذا السلوك بالطريقة هذه دون غيرها، ولم نتشابه مع الآخرين في الممارسة؟ وما المشترك بيننا؟ لقد جرب العمانيون الأزمات وعايشوها وعاصروها فأنتجوا من خلالها شواهد إثبات على صبرهم وعطائهم واندماجهم والتزامهم بتوجيهات القيادة ورؤية الدولة وتعليمات المؤسسات المعنية، فقد عززت الحالات المدارية الأنواء المناخية التي تأثرت بها عمان في السنوات المتعاقبة من قدرة العمانيين على إدارة الأزمات والحالات الطارئة والتعاطي معها بكل جدية، وتبني الأطر التشريعية والتنظيمية والبنى المؤسسية وامتلاك أسباب القوة والكفاءة في التعاطي معها حتى أصبحت بيت خبرة بالمنطقة وصاحبة شأن في ذلك، وما نشهده اليوم من تطور نوعي في شبكات الطرق وتصريف المياه والجسور والسدود وغيرها خير دليل للقيمة المضافة المستفادة من تلك الحوادث؛ وهكذا الحال في الأوبئة والأمراض مرحلة لإعادة الأنفاس للتفكير خارج الصندوق والعمل معا في سبيل خلق تحول في طريقة المعالجة وآليات العمل، وتجريب المجتمع وتهيئته وإعداده للتعامل مع كل الظروف التي تتطلب منه أن يمارس دور التنفيذ والطاعة للأوامر والالتزام بها، فالمسألة لا تعدو أن تكون وقتية ولفترة محددة وهي سحابة صيف عما قريب تتقشع وحالة طارئة مرتبطة بمسببات واضحة وفترة زمنية مؤقتة تتلاشى بتلاشي المرض والقضاء على الفيروس، وبعدها سيمارس العمانيون أدوارهم الاجتماعية وعاداتهم الأصيلة، ولكن ستتغير الممارسة وستصبح أكثر نضجا ومهنية وعمقا وحصافة وارتباطا بالوطن، بحيث توجه الممارسة الاجتماعية بما فيها من مبادئ وقيم ومسؤوليات وعادات وتقاليد ومشتركات لصالح الوطن، وتحقيق أمن المواطن ونهضة المجتمع واستقراره وترقية الفكر الوطني الخلاق ونقل الممارسة من السطحية إلى العمق ومن الترفيه إلى استشعار الهدف بحيث يقف على ذلك المخلصون ويتنافس فيه العاملون المجتهدون ويستدرك قيمته أبناء الوطن وبناته وهم يحققون في ممارساتهم أعلى درجات الوعي والفهم، لذلك لن يشل كورونا رصيد هذه الممارسة الوطنية الأصيلة النابعة من قيم المجتمع العماني وأخلاقه وهويته والملتصقة به أيما التصاق، والمتناغمة مع فكره المتسامح المتفاعل مع متطلبات الحياة، ولأن الإنسان مدني بطبعه يندمج مع الجماعة بفطرته، فهو يتأثر بالآخر ويؤثر فيه، ولا يمكن في مجموعات البشر السوية أن يعيش الإنسان في عالمه الخاص به، لذلك من المؤكد أن ممارسة هذه العادات الاجتماعية والتقاليد والقيم والأخلاقيات تمثل هوية المجتمع وعنصرا أصيلا في تكوينه التي جبلت عليها الفطرة، وترجمها السلوك وتناغمت معها الأذهان والأفهام وارتبطت بقناعات الأفراد، وعززت من إيمانهم بوحدة المجتمع، وأصلت روح المودة والتعاون التكامل، وأسست لصناعة الفرص وصناعة حوار مجتمعي تتناغم خيوط تأثيره في السراء والضراء والمنشط والمكره.
عليه، نعتقد بأن كورونا بالرغم مما أثاره من تحفظات في الواقع الاجتماعي للحد من انتشاره، إلا أنه أعطى إشارة البدء بالحاجة إلى أن يمتلك المواطن فقه التغيير في إدارة ما تعنيه هذه التجمعات والقيمة المرتبطة بها، بما يؤكد الحاجة إلى عودة التفكير والشعور لنقل هذه المساحات من اللقاءات الاجتماعية بطريقة أخرى أكثر ابتكارية وتجددا وتناغما مع مقتضيات الواقع الاجتماعي تضمن توجيه نواتجها لصالح تحقيق التزام مجتمعي في مواجهة المرض، وتحقيق الالتزام بمنع انتشاره والمسؤولية الاجتماعية في تعميق روح التناغم والتكامل بين أبناء المجتمع في تحقيق التزام يمشي على الأرض باعتبارها مرحلة حرجة ومفصلية لصناعة الفارق الذي يظهر في قدرة المجتمع على التعاطي الإيجابي مع قرارات الحكومة وتوجهاتها بشأن المرض، والتي يمكن من خلالها المواطن والمقيم أن يثبت حضوره في ميدان المنافسة فيها، وعبر التزامه التام بالتعليمات وانقياده المطلق لما يؤمر به أو ينهى عنه أو يحذر منه لتصبح المسألة أكبر من كونها اختيارا ذاتيا مبنيا على المزاجية وتقدير الحالة الشخصية؛ بل التزام ذاتي وواجب وطني ومسؤولية أخلاقية واجتماعية وإنسانية تستدعي المزيد من العمل بروح متآلفة ونفس رضية وقناعات تؤسس لتجديد عهد التواصل مع المجتمع وبناء محطات الالتقاء وإفساح الطريق لنمو موهبة البحث عن مشتركات للعمل معا في الحد من انتشار الفيروس ومساعدة الحكومة في تحقيق هذه الإجراءات والاحترازات على أرض الواقع، وهو تواصل سيكون هدفه، كيف يمكن أن نستفيد من هذا الرصيد السابق الذي نمتلكه كعمانيين، سواء فيما يتعلق بالتواصل الاجتماعي والتجمعات في الأفراح والأعراس والأحزان مدخل لتقوية عنصر الاستباقية لدى المواطن في الحد من انتشار مرض كورونا وتقليل حجم الهلع والخوف والشحنات السلبية التي بات يبثها الإعلام الرقمي والجيوش الإلكترونية إلى تقوية روح المسؤولية والحرص على عدم إقامة تلك التجمعات والاستغناء عنها عبر التواصل الرقمي أو بالاتصال بالهاتف أو باستخدام كل الوسائل الممكنة من غير التجمعات والاختلاط؟ وبالتالي إعادة إنتاج أسلوب بناء العلاقات الاجتماعية والأسرية وتقييم الممارسات الحاصلة وأثرها على استدامة هذه العلاقات، فمع أن اللقاء المباشر متعذر في هذه المناسبات تنفيذا للواجب الوطني، إلا أن استخدام الأدوات البديلة والإعلام الرقمي والاتصال عبر الهواتف المحمولة وغيرها سوف يقلل من النتائج السلبية المترتبة على استمرارية التواصل المباشر وحضور هذه المناسبات، مع المحافظة على استمرارية الحس العائلي وخلق روح التناغم الفكري والتعايش والتسامح الوجداني وترقية روح السلام الداخلي بين أبناء المجتمع وقراءة الموضوع في ثوب الإيجابية والتسامي فوق الخلاف وتجديد روح الوفاء والاحترام وقبول العذر وعدم تكليف الآخرين مشقة الحضور من منطلق رسم ملامح التغيير في الممارسة لتصبح ناقدة للذات مصححة للممارسات متجهة نحو الحسم والتقنين في الانقياد الطوعي وبدون شرط لكل القرارات الوطنية المتخذة في هذا الشأن.
وتبقى الإشارة إلى أن مسؤوليتنا الاجتماعية اليوم تحتم البحث عن موجهات مبتكرة وأدوات أكثر ضبطية وتقنيا تعالج المشكلة وتصحح الممارسة وتدفع إلى المزيد من التنازلات الشخصية في سبيل الحفاظ على كيان المجتمع وسلامة إنسانه وإبعاده عن مكامن الخطر، وتأصيل روح الشراكة المعززة لاتفاق يصنعه المجتمع يضمن كيف يمكن أن نجعل من إجراءات التعامل مع كورونا أقرب إلى تعميق مشاعر العمل معا من أجل مجتمع سليم معافى ووطن يأخذ بالأسباب ويصنع أدواتها، ومعنى ذلك أن تحقيق فرضية المسؤولية الاجتماعية يستدعي معالجة الفجوات المتوقعة من تذمر البعض من نتائج هذه القرارات، وعبر زيادة نمط التوجيه الذي يقدمه المجتمع لأبنائه ومدى حضور الأبناء في ترقية هذا التواصل بإضافة نكهات الجمال فيه وتعميق روح الشعور الإيجابي المتفرد عبر تحقق نتائج ملموسه في انحسار المرض، بل كيف يمكن أن تنعم الأسرة في بيئة تتباعد فيها الشكليات والأجسام ولكنها تتقارب فيها الأرواح وتتناغم فيها المشاعر وتنمو فيها الأخلاق، ويمجد فيها الاحترام وتقوى فيها المشتركات وتؤسس فيها الإيجابيات وتتأصل فيها ثقافة القبول بالتعليمات وقراءة الحالة في زمنها ووقتها الاستثنائي، وتنتج فيها طرق الاتفاق عن حوارات نابعة من الذات ومؤطرة بمعايير الالتزام معطرة بدماثة الخلق مزدانة بعبير الابتسامة ورونقها وذوقها، ومن خلال اتباع القواعد الأخلاقية والسلوكية التي تعزز من وعي المواطن والمقيم بدورهما المحوري في التعاطي مع كورونا.
ذلك أن مقتضيات الواقع الحاصل ومتطلباته تحتم اليوم مرحلة متقدمة عنوانها تعظيم القيمة المضافة للمسؤولية الاجتماعية في مواجهة المرض وهي مسؤولية تتجاوز كل الحسابات والتصنيفات، وتضع المواطن والمقيم أمام استشعار عظمة الواجب وقوة المسؤولية، فلا مساومة على قبوله بها وليس عليه الاعتراض عليها، ولا يقبل منه محاولة التهرب من مسؤولياته أو التملص من الاستحقاقات الوطنية التي تبرز في التزامه التام والمطلق بالتعليمات وعيا مجتمعيا يقرأ في عمليات التعليق والمنع والإيقاف وزيادة جرعات التوعية والتثقيف وتطبيق القانون تعزيزا لمبدأ المسؤولية المشتركة والعمل الجمعي في التعاطي مع معطيات الواقع، بما يؤسسه ذلك من قواعد السلوك الاجتماعي الأصيل وقيمه الرفيعة فلا ضرر ولا ضرار، والتعاطي مع مسببات المرض أو مقويات ومعززات انتشاره من شأنه أن يصنع القوة في الحد من سرعة انتشاره والحيلولة دون الوصول إلى مرحلة أوسع يصعب فيها معالجة المرض أو احتوائه والسيطرة عليه، وبالتالي فهي مرحلة تحتم الكثير من الالتزام في إعادة تقييم الممارسة المجتمعية وفق معطيات الحالة وطبيعة الظروف والمتغيرات والتوجهات وبناء مرحلة جديدة يستشعر فيها المجتمع ديناميكية هذه العادات ومرونتها وقابليتها للتكيف مع طبيعة المجتمع، فإن قراءتنا لتأثير الإجراءات الاحترازية المقرة في التعامل مع كورونا على الواقع الاجتماعي ينبغي أن يتجاوز التكهنات السلبية بما يمكن أن يؤدبه ذلك إلى قطع صلة الأرحام أو زيادة الفاقد في العلاقات الاجتماعية وتقليل مسار التعاون والتكامل بين أبناء المجتمع، والعادات الاجتماعية الديناميكية الأصيلة هي التي تتوج بروح المسؤولية وتستهدف نقل المجتمع إلى مسار القوة في مواجهة الأوبئة والأمراض وغيرها من الحالات الاستثنائية التي تتعرض لها، وعبر تقوية عناصر الالتزام القطعي بهذه التوجهات الوطنية والإجراءات الاحترازية التي تتخذها الحكومة في سبيل الحد من انتشار المرض بين السكان كمنطلق للوفاء للوطن والمحافظة عليه وتجنيبه شبح الأمراض والأوبئة.

إلى الأعلى