الثلاثاء 2 يونيو 2020 م - ١٠ شوال ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / إزعاج اقتصادي
إزعاج اقتصادي

إزعاج اقتصادي

جودة مرسي:
نحن على وشك طي الربع الأول من عام 2020 والعالم بات يعيش عزلة تامة من شرقه إلى غربه، ومن شماله إلى جنوبه، عزلة خفت فيها صوت السياسة وتوارى ضجيج الفن وشغف الكرة والرياضة، لا تكاد تسمع فيها سوى أخبار اقتصادية، ولا تتلهف إلا على الأنباء والمستجدات العلمية والاقتصادية، خصوصا بعد توغل فيروس كورونا المستجد وتفشيه في دول العالم وتضاعف أرقام إصاباته ووفياته.
بدأ العام 2020 بطبيعة مضطربة بثت موجة طقس سيئ بنزول درجات الحرارة إلى مستويات غير معهودة لدول الشرق الأوسط، ولم تأبَ أن تترك الربع الأول دون هبوب إعصار “التنين” على عدد من دول المنطقة لتدمير بنيتها التحتية ووفاة العشرات وتشريد المئات من الأسر، وتزامنا معها كانت البيئة على موعد مع تفشي فيروس كورونا الذي حبس الأسر في منازلها، والمدن في محيطها، والدول في حدودها الجوية والبرية والبحرية بعد أن نشر حالة من الهلع والخوف بين ملايين البشر بعد ازدياد حالات المرض والوفاة في كل دول العالم.
ساهم كورونا في إحداث خلل اقتصادي في الأسواق العالمية، وانخفاض معنويات المستثمرين مع تنامي مخاوف من أن الانتشار الواسع للفيروس سوف يُعرقل الاستثمار، لما يسببه من خسائر كبيرة في كل المجالات خصوصا حركة الطيران التي تأثرت من تراجع كبير في طلب السفر والرحلات السياحية بعد أن أغلقت العديد من البلدان أماكنها السياحية، وأوقفت زياراتها الدينية وأرجأت استقبال الرحلات التجارية، وغلقت حدودها أمام كافة الرحلات، هذا بخلاف توقف الأنشطة الرياضية، سواء المحلية أو الدولية. وقدرت الهيئة الدولية للنقل الجوي (غياتا) خسائر شركات الطيران من حظر سفر الركاب بما يصل إلى 113 مليار دولار، ويتأثر بهذا التوقف بشكل مباشر جميع العاملين في مجالات السفر والسياحة بعد أن اتخذت بعض الشركات قرارات بالاستغناء عن بعض العاملين بها، أما النسبة الأكبر فسوف تكون على شركات الطيران ومشاريعها المستقبلية التي كان البعض منها يطمح لتطوير أسطوله الجوى بشراء طائرات أحدث أو الدخول في خطوط لرحلات بمناطق جديدة. وبعيدا عن الطيران فقد تأثرت بلدان كثيرة نتيجة الاضطرابات التجارية العالمية التي أثرت بدورها على صناعاتها وصادراتها، مثل صناعة السيارات، والتعدين، والبناء، وتجارة التجزئة التي تلقت ضربة كبيرة بعد قيود السفر والخوف من العدوى، فأدى ذلك إلى توقف معظم الأنشطة المعتادة، وتوقف صادرات المنتجات الزراعية والطاقة والسلع المصنعة.
الأزمات أنضجت ثمارها الخبيثة المتمثلة في تدني أسعار النفط وهبوط سعره في يوم واحد بنحو 25% ليصل سعره الحالي إلى ما يقارب 32 دولارا للبرميل الواحد، ما يمثل مرحلة غير مسبوقة لهذا القطاع الاستراتيجي الذي تبنى عليه معظم دول العالم ميزانيتها، سواء كانت دولا منتجة أو مستهلكة، ودخول مرحلة “حرب الأسعار” وإغراق السوق العالمي بفائض النفط والذي يؤدي إلى بلوغ الحد الأقصى لسعة التخزين العالمية، وانهيار أسعاره، وحلول العواقب الوخيمة على صناعة النفط والدول المنتجة له، لأنها بنت ميزانياتها وخططها السنوية من إيرادات ومصروفات على أساس سعر تعادل الميزانية أكبر من القيمة الحالية.
لم تأبَ الطبيعة أن تمر الأيام الباقية من الربع الأول في هدوء، لكن بشرتنا وكالات الأنباء بأسراب الجراد التي ستغزو منطقة الشرق الأوسط، وما يمكن أن تسببه من قلق للحياة العامة، ومن خلل للطبيعة الزراعية والصحراوية.
ولم أكد أستفيق من هذا النبأ، حتى تداولت أخبار إعلان وكالة الفضاء الأميركية “ناسا” عن مرور جرم يتراوح قطره بين كيلومتر إلى ثلاثة كيلومترات بمحاذاة الأرض في الأسابيع القادمة، واحتمالية ارتطامه بالأرض، وهذا من شأنه إحداث كارثة حقيقية قد تغير من سرعة أو اتجاه دوران الأرض بخلاف الآثار التدميرية التي ستلحق بساكني هذا الكوكب.
الأنباء السوداوية والوقائع الكارثية التي مرت خلال الربع الأول من 2020، دفعتني والكثيرين إلى التطير من هذا العام، ووصفه بعام الخراب القميء، وليس هذا بسبب الاختلالات البيئية أو الاعتلالات الصحية والفيروسية؛ وإنما لبداياته المزعجة اقتصاديا، وآثاره التي تجهض كل خطط وجهود النمو المستدام، وأرقامه التي تعيد الميزانيات والمخططات المالية إلى المربع صفر للبدء من جديد، ورغم ذلك لن تفر من هذه السقطات سوى الدول التي تعتمد على سياسة التنويع الاقتصادي وتعظيم القيمة المضافة لمواردها الأخرى خصوصا الموارد غير النفطية، أما أكثر الأشياء انزعاجا هو الخوف من أن يختتم هذا العام بفوز ترامب بولاية ثانية بعد أن يستفيد من كل تلك الكوارث الطبيعية التي يشهدها العالم.

إلى الأعلى