الإثنين 3 أغسطس 2020 م - ١٣ ذي الحجة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / الشعبوية العلمية

الشعبوية العلمية

د. أحمد مصطفى أحمد:
تكاتف العالم لمواجهة انتشار فيروس كورونا حالة إنسانية ممتازة، وبما أن الأزمات تظهر معدن الإنسان الفرد، فهي كذلك تبرز ما لدى الدول والأمم والشعوب. وطبيعي أن الأزمات تظهر أفضل ما في الناس، وكذلك الدول، وأيضا أسوأ ما فيهم. وحتى الآن، يغلب الأفضل على الأسوأ بشعور عالمي عام بأن البشرية أمام خطر مجهول وأن مواجهته تتطلب تعاون الجميع. مع ذلك لا يخلو الأمر من شوائب، هي من طبائع الأمور. وليس أدل على هذا التكاتف ما نلحظه من أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم يعد يهاجم الإعلام، بل إنه وصفه بالإيجابية في آخر مؤتمراته الصحفية. لكن ذلك لا يعني أن الإعلام، وتحديدا مواقع التواصل عبر الإنترنت، تقوم بمهامها على أكمل وجه وكما ينبغي في أغلب الأحيان. بل إن الأزمات، وليس أشد من الأزمة التي يعيشها العالم الآن، غالبا ما تكون مناسبة للفلتان أحيانا وتغليب الإثارة على الموضوعية ومحاولة تحقيق السبق في استقطاب الجماهير بسبل قد تشوه الحقائق وتضلل معلوماتيا.
بالطبع لعبت وسائل التواصل، حتى بفبركاتها وتلفيقها أحيانا، دورا في إجبار سلطات بعض الدول على الشفافية فيما يتعلق بانتشار كورونا وهو أمر ضروري للمساعدة على الوقاية وحصر الوباء. لكن في الوقت نفسه، أضر الإعلام ووسائل التواصل بالهدف الأسمى، وهو تقليل مخاطر الوباء والثقة في العلم وقدرة البشرية على تجاوز كل ما تفرضه عليها الطبيعة بما فيها الأوبئة. وكانت وسائل التواصل على وجه الخصوص ساحة لإبراز واحدة من أسوأ الخصال وهي “الشماتة في الموت”. فلم يفرق بعض من لهم مواقف سياسية أو أيديولوجية، أيا كانت، بين الصراع السياسي أو حتى العسكري وبين وضع إنساني خالص في مواجهة خطر طبيعي يهدد الجميع ولا يستثني أحدا على أساس عرق أو جنس أو لون أو دين. وتلك خصلة تأكل أصحابها قبل أن تضر بغيرهم، لأن كل من يتمتع ببعض إنسانية سيلفظهم ويعافهم.
إنما الأخطر هو مزج العلم بالخرافة، سواء لغرض أو من باب الإثارة والترويج لما هو شائع وسائد. وهذا ما أدى إلى تغيير بعض السياسيين في بعض الدول لمواقفهم بسبب “ضغط الإعلام” وليس على أساس آخر. وهنا بالتحديد نود الإشارة إلى الوضع في بريطانيا دونا عن غيرها، ليس لخصوصية في انتشار الفيروس أو لوضع البلد وإنما لرأي العلم والطب البريطاني الذي تم تجاوزه إلى حد ما من قبل السياسيين بسبب ضغط الإعلام وانتقادات المعارضين لحكومة رئيس الوزراء بوريس جونسون. قد يكون جونسون، مثله مثل أغلب القادة في الدول الرأسمالية، معنيا بالاقتصاد ومستقبله السياسي أكثر من أي شيء. وربما كان منتقدوه على حق أنه يراعي شركات التأمين حين طلب إغلاق المطاعم والمسارح وغيرها دون أن تصدر الحكومة قرارا بذلك، فهو يراهن على أنها ستغلق بسبب عزوف الزبائن. أما قرار الحكومة بالإغلاق فيعني أن تلك الأعمال الصغيرة يمكن أن تعود على شركات التأمين لتعويض خسائرها.
لكن النصيحة العلمية التي قدمها كبير المستشارين العلميين وكبير الأطباء في بريطانيا صحيحة رغم عدم شعبيتها ولا حتى فائدتها السياسية. كان الرأي العلمي هو عدم التوسع في الإجراءات القاسية والتركيز على فئات الجمهور التي يمكن أن تتدهور حالتها بسرعة وبشدة من الإصابة. وتوجيه الناس لاتباع قواعد الصحة العامة والوقاية التقليدية دون إرهاق النظام الصحي العام الذي سيكون عليه مواجهة تبعات هائلة في ذروة انتشار الفيروس. والرأس العلمي والطبي هو أن هذا الفيروس الجديد لا توجد مناعة عند البشر تجاهه، والأفضل أن تترك الأجسام البشرية لتكوين أجسام مضادة تمثل مناعة طبيعية تقي البشرية شره ـ مثلما هو الحال مع فيروسات الإنفلونزا والبرد وغيرها. وبما أن نسب الفحص تظهر أن كثيرا ممن يصابون لا تظهر عليهم أعراض ويشفون بعد أيام، أو حتى من تظهر عليهم أعراض غالبا ما لا تكون خطيرة طالما أن مناعتهم الطبيعية جيدة.
لكن الإعلام تلقف النصيحة وعنون بانتقادات ساخرة لفكرة “مناعة القطيع” وأجبر العلماء على التبرير، ومحاولة تفادي غضب الجماهير التي أثارتها تلك الشعبوية العلمية التي روجها الإعلام. ولا يقتصر ذلك على الإعلام البريطاني، بل ستجد من خارج بريطانيا من يردد باستفزاز أن حكومة جونسون لا يهمها انتشار الفيروس في بريطانيا والعالم، وأنها تستغل فكرة “مناعة القطيع” للتنصل من مسؤوليتها تجاه شعبها وتجاه الإنسانية عموما. للأسف الشديد تتلقف الجماهير تلك الشعبوية العلمية وتزيد عليها وتتضاعف مخاوفها وذعرها وتنهار ثقتها في السياسيين أكثر مما هي متردية أصلا. وليس القصد هنا الدفاع عن السياسيين ولا عن المسؤولين وإنما عن العلم والطب. وأشهد عن تجربة وخبرة مباشرة أن الطب في بريطانيا، ونظامها الصحي العام، من أفضل ما يمكن أن تجد في العالم. صحيح أنهم في بريطانيا تقليديون في أغلب الأحيان، لكن تلك التقليدية غالبا ما تكون أكثر فائدة صحيا من ابتكارات الشركات الدوائية التي تستهدف الاستهلاك والربح في أغلبها. وليس دور الإعلام المساهمة في الترويج التجاري وتبني مواقف نشطاء سياسيين، خصوصا في أوقات أزمات عامة للبشرية كالتي يفرضها انتشار فيروس كورونا.

إلى الأعلى