Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

أضواء كاشفة: أخطر من كورونا

ناصر بن سالم اليحمدي:
بالرغم مما حققته البشرية من تقدم علمي مذهل لدرجة اقتحامها الفضاء والتجول بين المجرات، واختراعها الآلات المختلفة التي توفر للإنسان احتياجاته فسهلت انتقاله بين أرجاء الأرض برا وجوا وبحرا، وذللت له الروبوتات أساليب حياته وغير ذلك مما يذهل العقل، نجد أنها وقفت عاجزة أمام فيروس صغير لا يرى إلا تحت المجهر، وانتفض العالم أجمع لمكافحة “كورونا” أو “كوفيد ـ 19″ بعد أن تسبب في وفاة الآلاف.
لا شك أن ما يحدث من احترازات وحالة استنفار تجتاح العالم والتي وصلت لمرحلة إغلاق الحدود وعدم السماح بدخول أو خروج مواطنين من وإلى الدول، وتعليق الدراسة والعمل، وإلغاء الاحتفالات والفعاليات المختلفة، وغيرها تسبب في تزايد الفزع من الوباء الجديد رغم أن احتواءه ممكن لو التزم الإنسان بالتعليمات والإرشادات الصادرة من منظمة الصحة العالمية ووزارات الصحة حول العالم، فالنظافة تقلل منه والمطهرات الكيميائية تقتله في دقيقة واحدة كما يجب تجنب المصافحة والعناق.. نعم فيروس كورونا فتاك وقاتل .. ولكن الأخطر منه هو الهيستيريا التي تصيب البشر فتجعلهم يعيشون في ترقب وهلع وقلق وهواجس طوال الوقت يساعد على ذلك حملات التضخيم الإعلامية والشائعات الكاذبة على مواقع التواصل.
ولم تكن السلطنة بمنأى عن الفيروس اللعين فسجلت أيضا حالات إصابة، وهو ما جعل الحكومة تطبق بعض الإجراءات الاحترازية غير المسبوقة مثل تعليق الدراسة ـ رغم أنه لم تسجل حالة إصابة واحدة لأي طالب ـ ووقف دخول غير العمانيين إلى البلاد باستثناء مواطني دول مجلس التعاون وتطبيق الحجر الصحي على جميع القادمين من مختلف المنافذ البرية والبحرية والجوية بمن في ذلك العمانيون وإغلاق الحدائق العامة والمتنزهات وإيقاف صلاة الجمعة، ووقف التجمعات الاجتماعية مثل مناسبات الأعراس والعزاء، ناهيك عن تعقيم وسائل النقل العام والعبارات وغيرها .. وهذه الإجراءات بالطبع فرضت للصالح العام، فحياة المواطن وصحته هي الأولوية الأولى للدولة والطريقة التي تتعامل بها السلطنة مع الفيروس الجديد مشهود لها بالكفاءة بدليل أن منظمة الصحة العالمية أشادت بها وقالت إن بلادنا تمتلك نظام مراقبة قويا وأنها تحتوي الحدث منذ بدايته وتتبع إجراءات السيطرة عليه داخل المجتمع حتى لا ينتشر على نطاق أوسع.. وهو ما يبرهن على السياسة الناجحة التي تتعامل بها السلطنة مع الأزمة خصوصا اللجنة العليا لمتابعة تطورات فيروس كورونا والتي جاء تشكيلها بأوامر سامية من لدن حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ والتي تعكس اهتمام جلالته شخصيا بالموضوع ومتابعته لآخر التطورات.
وإذا كانت إشادة المنظمة الأممية تدل على مدى وعي أعضاء اللجنة بالوضع الذي أصبح خطيرا بعد أن تم تصنيفه كوباء عالمي “جائحة” إلا أنها لا تمتلك عصا سحرية تقضي بها على الفيروس بل الأمر يحتاج أيضا إلى وعي كل فرد في المجتمع وتعظيم ثقافة الوعي الصحي .. فمواجهة الوباء تتطلب تكاتف الجميع والوقوف على قلب رجل واحد لمواجهته، ورغم ذلك نجد للأسف على الجانب الآخر فئة من ضعاف النفوس استغلت فرصة خوف الناس من شح السلع في الأسواق نتيجة انتشار الوباء وقامت برفع أسعار بعض السلع الغذائية والاستهلاكية، وهذه ليست من طبائع التاجر الأمين الذي يجب أن يراعي ظروف الناس لا استغلالها أسوأ استغلال.. وهذه الفئة يجب الإبلاغ عنها، خصوصا أن الحكومة فرضت غرامات إضافية على كل محتكر لأي سلعة.. فالسلطنة تسعى دائما لتوفير متطلبات الحياة اليومية لكل مواطن ومقيم على الأرض الطيبة حتى الطلاب رغم تعليق الدراسة في مختلف مراحل التعليم وأنواعه ومستوياته، إلا أنها لم تحرمهم من مواصلة دراستهم فوفرت لهم تقنية التعلم عن بعد، حيث يبث التليفزيون دروسا تعليمية إلى جانب بعض مواقع الإنترنت التي تتيح للطالب التواصل مع المعلم ومتابعة المناهج بالكتابة والصوت والصورة عبر يوتيوب، وهو ما يجب أن يستغله كل طالب لتحسين مستواه ومواصلة دراسته، فهي مسؤوليته وعليه أن يتحملها على أكمل وجه.
لقد مرت البشرية بأوبئة كثيرة مثل الكوليرا والطاعون والملاريا وسارس وغيرها، واستطاع العلماء اكتشاف الأدوية التي قضت عليها نهائيا رغم محدودية الإمكانات وقلة المعرفة وقتها .. والآن ونحن في زمن قواعد البيانات حري بالشركات الكبرى المهيمنة على أسواق الدواء حول العالم أن تبعد عن سياستها روح التنافس وتتكاتف جميعها للتوصل لعلاج ناجع لهذا المرض الفتاك قبل أن يتفشى بصورة أكبر وينتشر على نطاق أوسع ويتسبب في حصد أرواح الأبرياء ويكبد الدول المزيد من الخسائر، فقد أعلنت شركات طيران عالمية إفلاسها وانهارت أسواق البورصة وانخفضت أسعار الأسهم، وتضررت السياحة بدول كثيرة كما توقع تقرير وكالة بلومبرج الأميركية أن يتكبد الاقتصاد العالمي خسائر بقيمة 2,7 تريليون دولار بسبب هذا الفيروس.
إن الأسوأ من انتشار المرض هو الشائعات والأخبار الخاطئة التي تنتشر حوله، ورغم أن البعض منها يتخذ الصورة الطبية ولكنها في الواقع ليست حقيقة علمية مؤكدة ولا تستند إلى أساس علمي ثابت، لذلك يجب تكثيف التوعية وتعريف الناس بالأخبار الصحيحة حتى نقضي على الفزع الذي لا يقل تأثيرا على الإنسان من الفيروس نفسه.
إن ثقة الشعب في حكومة بلادنا كبيرة، وكذلك الحكومة فإنها تحسن الظن بأن الشعب الوفي سيعبر الأزمة ويكون على قدر المسؤولية التي تحملها والتي تعد واجبا وطنيا فالمسؤولية مشتركة ويجب أن تعلو الروح الوطنية في هذه المواقف.
حفظ الله البشر حول العالم من الأمراض، ووقاهم شر كورونا، وهداهم لاكتشاف العلاج الناجع الذي ينقذ أرواح الأبرياء.
* * *
مسك الختام
قال تعالى: “قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون”.


تاريخ النشر: 19 مارس,2020

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/377856

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014