Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

جوانب بلاغية وتربوية فـي آية الإسراء «2»

د.جمال عبدالعزيز أحمد*
.. والمعروف أن كلمة:(سبحان) من الألفاظ التي تحمل أكمل معاني التنزيه، والتعظيم لكونها اسماً، والاسم يفيد الثبات والاستمرار، على عكس الفعل الذي أصله التنوع والحدوث، والتغير، والتجديد، وقد استُعمِل فعل التنزيه والتسبيح:(سبح) في القرآن الكريم على صور من التعدية متعددة، وعلى أنماط لغوية كثيرة، فقد ورد (سبَّح) متعديا بنفسه، وورد متعديًا باللام، وورد كذلك متعديًا بالباء، قال تعالى:(سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) )الأعلى ـ 1)، وتعدَّى بنفسه، وقال جل جلاله:(وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) (الأحزاب ـ 42)، وتعدى بنفسه، في نحو:(يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) (الجمعة ـ 1)، فقد تعدى هنا باللام، وقال تعالى:(فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ) (النصر ـ 3)، فقد تعدى هنا بالباء، وقال (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ) (الطور ـ 48)، حيث تعدَّى كذلك بالباء، فتلك صور تعديه.
وكلمة (سبحان) وردتْ مصدراً، ولها عدة توجيهات نحوية، فهي إما أن تعرب مفعولاً مطلقاً، وإما أن تعرب نائبًا عن المفعول المطلق لكونها اسمَ مصدرٍ، كما لفظ (سبحان) كذلك هو لفظٌ ممنوع من الصرف، للعلمية وزيادة الألف والنون، إلا أن يكون مضافًا، فيُصرف بسبب الإضافة، كما هو الحال هنا في الآية التي نحن بصدد الحديث عنها، ونواصل بيان الجوانب البلاغية والتربوية فيها، فمن تلك الجوانب كذلك ـ كما سلف ـ التعبير بالاسم (سبحان) فهو آكد من التعبير بالفعل:(سبح) لدلالة الاسم على الثبوت والدوام، فالتسبيح لله ثابتٌ، وقائم، ومستمر، وسرمدي، وأزليٌّ، ومستقر على طول الحياة البشرية إلى أن يرث الله الأرض، ومن عليها من الخلق، والتعبير بالاسم الموصول:(الذي) الذي هو نائب عن الفاعل في المعنى ، أي يُسبَّح الذي أسرى بعبده من جميع خلقه المؤمنين بعظمته، العارفين بقيوميته على كونه، واسم الموصول هنا مضاف إليه، أوصفه للمضاف إليه المحذوف، أيْ: أن المعنى: سبحان اللهِ الذي أسرى بعبده، وقد ورد اسمًا موصولاً وهو معرفة، غير أنها أقل تعريفاً من الاسم الظاهر، فهي معرفة مبهمة ـ كما يقول النحاة ـ وذلك للعلم بأن جميع الخلق لا يشكُّ في ذلك، وكلُّ المؤمنين متيقِّنون من أنه لا يقدر على فعل مثل ذلك إلا الله؛ ومن ثَمَّ لم يشأ أن يصرح بالظاهر على شاكلة قوله تعالى:(وَجُمِعَ الشَّمْسُ والقمر) (القيامة ـ 9)، ونحو:(وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) (النساء ـ 28)، ونحو:(وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا، وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ ..) (النبأ 19 ـ 20)، ولذلك عَبَّر القرآن الكريم عنه هنا بالاسم الموصول دون الاسم الظاهر لما سبق من أنه معلوم للمؤمنين، وفيه تكريم لإيمانهم، ويقينهم في طلاقة قدرة ربهم، وإقرار لهم بما يعتقدونه في ربهم، ومن تلك الجوانب البلاغية كذلك استعمال الفعل:(أسرى) المأخوذ من السُّرَى، وهو السير ليلا، والباء هنا في قوله تعالى:(بعبده) وردتْ للمعية، كما تقول: جئت بأختي (أي: مع أختي)، ومعية الله هي نعمة النعم، ومنَّة المنن، ويجب أن يستصحبها المسلم ليلاً، ونهاراً، غُدُوَّاً، ورواحاً، مساءً، وصباحًا، وحِلاًّ، وترحالاً، أخذًاً، وعطاءً، سفرًا، وإقامة، وهي تحمل في الوقت نفسه معنى الراحة الكاملة لمن يستصحبها لأن المرء إذا سافر أو تنقل مع شخص كبير، أو رجل قادر، ومليء، وكبير من كبراء القوم المحترمين في محالِّهم، ومعه القدرة الكافية شعر بالعزة، واستقرار النفس، وأنه لا تنغيصَ سيناله، ولاضرَّ يصيبه، ولا تكديرَ سيحلُّ به، ما دام في ظل وحماية هذا الرجل الذي هو من الملأ، فما بالك إذا كان المُسْرِي هو الله القادر القدير المقتدر، صاحب القدرة المطلقة، والعون الذي لا حدود له، خالق الملك والملكوت، وصاحب العزة والجبروت؟!، والذي وصف نفسه كثيرًا بأنه على كل شيء قدير، فالباء تفيد المعية، والمصاحبة، التي تعني استصحاب القدرة، والعمل في هدوء، وتؤدة، وراحة، وتمام عقل، وكمال فكر، واستحضارٍ كاملٍ للذهن، فلم يتركه ربُّه يسري وحده، وإنما أسرى معه، فهو من قبيل تناوب الكلمات معانيَ بعضها، فالمعية حاصلة، وهي توحي بالاطمئنان، ودفء الصحبة، وشيوع أجواء الأمان، والاستقرار، فالفاعل، وهو الله عز وجل هو الذي أسرى به، وكان معه، ففاعل ذلك الفعل الكبير، والحدث الضخم على مستوى الكون، والدال على القدرة المطلقة، والاقتدار التام هو الله ـ جل في علاه ـ كما أن من تلك الجوانب البلاغية كذلك اختيار هذا اللفظ:(عبد) لذي يُعَدُّ قمة في مكانه، وجلالاً في موضعه لأن مقام العبودية للإنسان هو أسمى مقام، ومنزلته هي أجل منزلة، فجاء هنا بالعبودية؛ لأنها أرفع مقام، وهو المقام الذي يتناسب وجلال الموقف، وسَنِّ شرعة الصلاة التي هي أثمن هديةٍ، حيث تجعل الإنسان عابدًا شامخا بعبوديته لله، وخشوعه لربه، وبكائه بين يديْ عظمته، وجلال قدسيته.
إن مقام العبودية هنا، وفي هذا المكان هو الذي يبرز طلاقة القدرة، وكمال معيتها للرسول الكريم، وهو مقام تشريف للعبد، وخصوصًا إذا أُسْند، وأضيف إلى الله عزوجل، ربالعالمين، فالإضافة (بعبده) للتشريف، كما أنها كناية عن الخضوع التام الذي هو صفة ملازمة، ومستمرة، ولحظية لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) فإذا التقت العبودية من الإنسان الشريف، مع الإله المعبود الكريم اللطيف، كانت العلاقة سامية والصلة راقية، ورسول الله (صلى الله عليه وسلم) هو العابد الكامل في عبادته لربه، المستحق لهذا الوصف الكريم، ومنه نتعلم أن العبودية لله تقرِّب صاحبَها من ربه، وتُدنِيه من مولاه، وتستنزل له كلَّ ألوان العون، والإعانة، وأن تنزيهَ الله يجب أن يستمرَّ من العبد لمولاه لاستنزال رحماه، وعونه، وهداه، وكمال رضاه، فقد وقفْنا من خلال هاتيك الكلمات:(سبحان الذي أسرى بعبده) على جملة من الجوانب البلاغية، والتربوية، التي منها استعمالُ الاسم الذي يفيد الاستمرار والدوام، واستعمال الاسم الموصول إقراراً بإيمان الناس، واعتدادا بمحبتهم لربهم، وعِلْمهم بأنه القادر، المقتدر، وأن السُّرَى كان بجسده، وروحه ، وبمعية ربه، واستصحاب جلاله، وأن العبودية هي أكرمُ مقامٍ للعبد المسلم الصادق؛ لكي يدخل تحت شرف طاعته لربه، ويستنزل منة خلال خشوعه، وخضوعه، ودموعه عونَه، وإعانتَه، ونكمل في اللقاء القادم الحديثَ عن بقية جوانب البلاغة والبيان في تلك الآية الكريمة التي سجَّلتْ أعظم حدث من أحداث الإسلام في الكون،والذي يدل على قيومية الله، وسعة قدرته، وجلال رقابته، وأنه لا يتخلى عن أوليائهن وأحبائه، وأنبيائه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم القيامة، وصلى الله وسلم، وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

* جامعة القاهرة ـ كلية دار العلوم بجمهورية مصر العربية
Drgamal2020@hotmail.com


تاريخ النشر: 25 مارس,2020

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/378253

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014