الخميس 16 يوليو 2020 م - ٢٤ ذي القعدة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / اعطِ الخبز للخباز

اعطِ الخبز للخباز

هلال اللواتي
مثل شائع له عدة استعمالات اجتماعية، وهو يعني أن يحمل شخص مسؤولية ليست من اختصاصه، أو يدخل نفسه في أمر ليس من تخصصه، أو يناقش في أمر بنحو يوهم هو ملم به في الوقت الذي يوجد هناك من هو أعلم منه وأدرى وأفهم وأعرف.
وقلة المخالطة لا تكشف مثل تلكم النفوس والشخصيات، إلا أننا اليوم حيث ظهور شبكات وقنوات التواصل الاجتماعي، وتعدد منصات الفضاء المجازي بدأ ذلك الأمر بالبروز والظهور وبشكل مكثف، فلا تكاد تجد مجموعة من المجموعات لتلكم الشبكات والمنصات والقنوات تخلو من تلك النماذج التي تريد أن تحمل العجين الفكري لتقدمه خبزاً مطبوخاً بالشكل الصحيح لأعضاء المجموعة!.
والأغرب ـ ولا أقول والغريب ـ إذ تجد البعض يدخل في الموضوع بنحو لا تكاد تشك أنه غير مختص، فيتحدث فيه وكأنه أهل الاختصاص، وكأنه ملم بكل حيثياته، وكأنه خبير فيه، وكأنه استاذ ومعلم، وفي المقابل لا تجد مجموعة تخلو من أفراد سريعي التصديق، ومبادري النشر، فماذا يحدث؟!، ولم يوجد في المجتمعات المتحضرة أناس توهم وكأنها تعرف تخبز الخبز؟!.
في الحقيقية .. الأمر لا يتعلق بمستوى الشهادة، ولا يتعلق بالرتبة الاكاديمية، ولا يتعلق بالمنصب أو الوجاهة الاجتماعية، إن كل هذا يتعلق بنمط التفكير الذي ربى هذا نفسه عليه، الأمر الذي أنتج شخصية تريد الركوب على أكتاف المواضيع، وعلى سُلّم المسائل المطروحة، لعلها تجد من يصفق لها، ويشيد بها، ويرفع لها القبعة، إن مثل هذه الأنماط من الشخصيات توجب الاخلال بالتوازن الفكري بالمجتمع، وتوجه البسطاء إلى منعطفات سلبية، وتوقع السذج في مشاكل فكرية ولربما سلوكية غير حميدة.
إنه لا يمنع أن يعترف الإنسان بضعف معلوماته وبعدم معرفته، وهذا في الحقيقة يدل على قوة شخصية صاحبها، ويدل على مستوى الوثاقة التي تتمتع بذاته، فإن كل شخص منا غير كامل، والمعلومات التي لديه غير متكاملة وهذا الأمر طبيعي غير شاد ولا نادر، وهو يحكي عن هذه الطبيعة الإنسانية بصدق ووضوح.
فأول معالجة لهذا الإنسان أن يعترف بقصوره الذاتي، ثم أن يصدق مع نفسه ويعيش معها بوضوح، وأن يبني معارفه التي تدخل في تكوين شخصيته على البحث عن الجهات الكمالية في الآخرين، وأن يعيش فضيلة التواضع في نفسه، فإن هذه المفاهيم ينبغي أن تتمكن من هذا الإنسان من صغرة، وهذا يعني أن الذي قد يساعده على تخطي مرحلة إيهام الآخرين بأنه يعرف الخبز جيداً وهو لا يعرف أبجدياته هو والداه، فإنهما يشكلان القدوة الصالحة التي يستمد منهما الكثير من الفضائل وايضاً الرذائل لا سمح الله من حيث لا يشعر.
وهذا يحدث من خلال التعليم غير المباشر وهو الأشد تمكيناً من النفس، لأنه يظهر على شكل سلوك عملي من الوالدين، فيتصرفان بتلقائية، فيلتقط المرء في مرحلة الطفولة والصبا بل وحتى في مرحلة الشبيبة تلكم السلوكيات وكأنها مسلمات مقبولة، والدليل قيام الوالدين على فعلهما في حياتهما ومع الناس.
إنّ على المرء أن يعلم جيداً أن الادعاء بأمور هو ليس واجداً لها ستوقعه في احراجات، كما أن فعله هذا يصنف في صف الرذيلة، ويكون مذموماً من قبل العقلاء والحكماء، وإذا ما بنى المقابل على كلامه الموهم واتخذ موقفاً عملياً ووقع في المحاذير فإنه ملام ولربما يتعرض للمساءلة الشرعية والقانونية، ولربما يوصف عمله بالتسبيب والخداع وتزوير الحقائق وتقمص أدوار هو ليس أهلاً لها، كما إنّ على الإنسان أن يعيش الحقيقة مع نفسه، وساحة المجتمع تدفعه إلى التنافس، وليكن تنافساً شريفاً يعتمد على الصدق والشفافية والوضوح، وكلما كبر كلما زادت مصداقيته في المجتمع وبين أفراده، لأنهم يرون شخصاً لم يتعودوا منه سوى الشفافية والصدق، ولكن إذا ما تخطى حاجز الصدق الاجتماعي فإنه لن يتمكن من إثبات مدعياتهلاحقاً وإن قال في يوم من الأيام أمراً صحيحاً وصادقاً، أجل فإذا لم تعرف الموضوع فلا تستحي واعط الخبز للخباز، والكل سيستفيد.

إلى الأعلى