الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / ملحمة الحب والوفاء .. عُمان – قابوس

ملحمة الحب والوفاء .. عُمان – قابوس

سعود بن علي الحارثي

إن الكلمات الموجزة والعبارات المختصرة التي تضمنها النطق السامي, حملت دلالات عميقة ومعاني إنسانية مؤثرة تفيض بالإيمان والتوكل على الله والامتثال لأمره, والتقدير لأبناء الوطن على مشاعرهم الصادقة, وتذكر الشعب العماني بما تحقق على أرضه من إنجاوات كبيرة ومكتسبات يتطلب منه الواجب الوطني القيام بمسؤولية الحفاظ والإضافة عليها.

لم يعتد العمانيون الغياب المضني, لم يشغلهم المستقبل كثيرا, فحياة الرخاء والاستقرار والدعة والازدهار, وقيم الحب والتآلف والتعايش, وثقافة السلام وتلاشي الفوارق بين المواطنين والروح الوطنية التي ترسخت على مدى أكثر من أربعين عاما والتي باتت مضرب المثل عالميا متلازمة والشخصية العمانية, وما تحقق على أرض هـــــذا الوطن المعطاء من إنجازات ومكتسبات اتسمت بالشمولية والتنوع أنستهم أو صرفتهم وأراحتهم مـــــن التفكير والانشغال بما لا طائـــــل منه, ووجدوا في حكمة القائد وحنكته السياسية وحبه الأبوي وانحيازه لمصالح وتطلعات واحتياجات شعبه ووطنه, وما قدمه من تضحيات كبيرة وما تحمله من مسؤوليات جسام, الاطمئنان والاستقرار والراحة النفسية, وعمق من صور الارتباط والود والحب بين القائد وشعبه, وجاءت الشهادات والكتابات والتصريحات التي تنطلق من مختلف دول العالم وعواصمه ومؤسساته الدولية لتعبر عن مدى الاحترام والاعتزاز والتقدير الذي تكنه الشعوب وقادة العالم والمفكرون والساسة والكتاب والصحفيون لشخص جلالته ـ حفظه الله ورعاه ـ, ومكانته السياسية وموقعه القيادي ودوره الرائد في تشخيص المشكلات ورسم السياسات والتمسك بالثوابت وإدارة الأزمات والتي ارتبطت بالحكمة والتوازن والحنكة والعمق في الرؤية والخبرة السياسية والعمل على ترسيخ قيم السلام والحوار, وهو ما جعل من عُمان قبلة المتحاورين المتطلعين إلى مستقبل أفضل وعلاج أنجع لمشكلات المنطقة وأزماتها والتشاور في مختلف المجالات, وما اللقاء الذي تستضيفه مسقط والذي سيجمع بين وزير الخارجية الإيراني ونظيره الأميركي ومنسقة الشؤون الخارجية بالاتحاد الأوروبي في مسقط حول موضوع الملف النووي الإيراني إلا مثال بسيط على ما تم ذكره. سياسة محكمة تنم عن قيادة فذة ورؤية حصيفة جنبت عُمان الصراعات والتوترات التي يشهدها إقليمنا المحيط. ملحمة وطنية تواصلت على مدى أكثر من أربعة عقود كان فيها القائد الأب والسلطان والملهم والمتصدر للمشهد العماني والمحقق لطموحات العمانيين والمنحاز دائما لمتطلباتهم والروح التي تنبض بالحياة في شرايين الجـسد العماني, والشعب الذي وضع ثقته وحبه وولاءه في قائده الكبير, ورسم قصيدة وفاء لا مثيل لها في الحاضر والماضي, وعبر عن ولائه بكل صدق وإخلاص, وأعد حياته لتكون رهنا بإشارة من القائد, واستعد للتضحية بها من أجل الوطن, وظلت صورة السلطان محفورة في نفوس العمانيين عالية شامخة تعبر عن الهيبة والعظمة والرفعة والسمو والاحترام.

نعم, لم يعتد العمانيون على الغياب المضني, وعلى التقلب أشهرا طويلة على فراش الحزن والقلق والعذاب, الأعين تتطلع إلى السماء باحثة عن إضاءات ورؤى وتجليات تحمل البشرى, الأكف تتضرع إلى رب العباد خاشعة متهجدة سائلة خالق الكون أن يحفظ السلطان والقائد الأب، وأن يعيـــده إلى عُمان سالما صحيحا معافى قويا, الأسئلة الملتبسة تبحث عن إجابات مطمئنة تبدد شيئا من القلق ومن حالة عدم الاستقرار والخوف من المستقبل, الأجفان المغمضة تستجدي نوما لم تتحصل عليه منذ زمن, تجتهد في تصيده, تهيئ له المفارش, تحتضنه الرموش فيصده الحدث الجلل الذي قلب الموازين وأربك حياة العمانيين وأعاد صياغة أسئلة لم تكن في الحسبان, وأفصح عن وضع لم يخطر على البال, لم يعتد الوطن على فراق قائده كل هذه المدد الطويلة من الأيام التي مضت بطيئة كئيبة مؤلمة, مضت الأعياد متتابعة على غير العادة ينطبق عليها قول المتنبي ((عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ .. بمَا مَضَى أمْ بأمْرٍ فيكَ تجْديد .. أمّا الأحِبّةُ فالبَيْداءُ دونَهُمُ .. فَلَيتَ دونَكَ بِيدًا دونَهَا بيد .. )) لم يعد العيد عيدين كما كانت عليه عُمان في العقود الماضية … القائد السلطان بعيد عن وطنه وعن شعبه الذي يتصيد الأخبار ويتشمم ريحة فرح ويبحث عن بشرى تطمئنه عن صـــحته وعن مدد علاجـــــه والأشواط التي قطعــــها الأطباء, وتـــاريخ العودة … والبيانات الرسمية الصادرة عن ديوان البلاط السلطاني لم تشفِ يوما مصاب الوطن والشعب في هذا الغياب. رسم الشعب العماني على مدى أربعة أشهر من الغياب ملحمة وطنية صادقة, كان العمانيون فيها بين رافع أكف الدعاء خاشع مصلٍّ ناظم للشعر راسم للكلمات في حب صانع السلام مجدد للولاء والعرفان ينشدون سلامة القائد ينثرون مشاعر الحب والوفاء في الجوامع والساحات والأسواق والوديان ومواقع العمل…
تحققت البشرى أخيرا وكانت رحمة الله واسعة على عباده …. وجاء النطق السامي لكي يعيد البسمة والاستقرار والطمأنينة والأمل إلى النفوس, فتلقفته الأفئدة بعد غياب وهفت إليه القلوب بعد اشتياق. وعمت غمرة الأفراح والمسرات ابتهاجا بإطلالة جلالته – حفظه الله ورعاه – ولفتته الكريمة السامية بمشاركة أبناء شعبه الاحتفال بالعيد الوطني الرابع والأربعين المجيد, الجبال والوهاد العمانية, القرى والمدن المتناثرة على جسد الوطن, سعادة بالغة, فرح عامر بالاطمئنان على صحة قائد المسيرة العمانية الحديثة – أمد الله في عمره – التي أثلجت الصدور وزفت البشرى إلى كل أسرة عمانية, ففاضت المشاعر وسالت الدموع وخرجت المسيرات الهادرة في كل مكان, واندفعت الأفواج إلى الساحات والمساجد تسجد للخالق عز وجل سجدة شكر وعرفان على سلامة القائد. فالشكر للمولى جل جلاله على هذه النعمة العظيمة, والمنة له عز وجل أن استجاب لهذا الشعب دعاءه الخالص بأن منَّ على جلالته بالصحة والعافية والعمر المديد.

ما أن نشرت وسائل الإعلام المحلية خبر مغادرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم البلاد متوجهًا إلى جمهورية ألمانيا الاتحادية لقضاء إجازته السنوية وإجراء بعض الفحوصات الطبية وفقا لما أورده البيان، وذلك يوم الأربعاء الموافق 9/7/2014م، حتى ارتفعت أيدي العمانيين إلى الخالق جل شأنه ولهجت ألسنتهم بالدعاء الخالص بأن يحفظ جلالته من كل سوء وأن يشفيه من كل داء، وأن يلبسه لبوس الصحة والعافية، وأن يبقيه نورًا يضيئ بلاده والعالم أجمع، وأن يعيده إلى وطنه وشعبه سالمًا معافى ليواصل مسيرة التطور والبناء ويحقق المزيد من الإنجازات والمكتــــسبات الوطنية، ويعزز دعائم السلام والاستقرار في عُمان والعالم. وطرحت عبر وسائل التواصل وتم تداول مئات الصور ومقاطع الفيديو لجلالة القائد مرفقة بالقصائد والأناشيد الوطنية, المعبرة عن مشاعر الحب والولاء والتقدير التي يحظى بها سلطان البلاد ـ حفظه الله ورعاه ـ في قلوب شعبه, وواصل المواطنون تقديم الآراء وإعداد البرامج وصياغة الكلمات لتوحيد الدعاء والتعبير الصادق عن الافتقاد والاستعداد المبكر لاستقبال القائد حين عودته إلى عُمان …. طال الغياب وكانت المعاناة شاقة, قبيل عيد الأضحى المبارك كان العمانيون على يقين بأن السلطان سوف يصلي صلاة العيد على أرض الوطن, وبأن العيد سيتحول إلى أعياد وأفراح، وبأن الأعين المشتاقة سوف تلتقي مباشرة بقائد عُمان ونهضتها الحديثة … فجاء بيان ديوان البلاط السلطاني الثاني صادما من حيث إنه أراد أن يطمئن الشعب على صحة سلطان البلاد التي تتقدم تدريجيا مع العلاج .. مرت الأيام وكان الأمل أن يلتقي الشعب والقائد في ميدان الاحتفال بالعيد الوطني الرابع والأربعين المجيد, فلم تحتفل عُمان بعيدها الوطني يوما إلا وكان السلطان على أرضها يتلقى التهاني والتبريكات من أبناء شعبه الوفي يتقدم الجموع في العروض والمراسم والفعاليات الوطنية .. في صباح يوم الأربعاء الخامس من نوفمبر المجيد كان الشعب العماني مع موعد استثنائي وحدث عظيم ويوم تاريخي لن تنساه الذاكرة العمانية, كان في موعــــد مع النطق السامي علــــــى شاشات التلفزة العمانية وعبــــــر الأثير … العجـــائز والنساء, الأطفال والرجال خنقتهم العبرات وأسالوا الدموع غزارا وهم في منازلهم وغرف نومهم وفي مكاتبهم ومواقع عملهم, في الصحراء وفي قمم الجبال وبطون الأودية والورش الصناعية وحقول النفط … حبا وشوقا وفرحا ومشاعر تنبض بالولاء والعرفان لم تجد من يصورها أو يرصدها ويحولها إلى مشهد درامي حافل بالمعاني والدلالات, لأنها ليست بحاجة إلى ذلك, هذا هو الحب المفعم بالمشاعر الإنسانية الأصيلة والوفاء الصادق والوطنية الحقيقية في أروع صورها, وهذه هي الملحمة التي يرسمها الشعب سطورا من كلمات ولوحات فنية معبرة وينظمها شعرا بديعا على صفحات من المجد والعزة, على مدى أربعة أشهر من الحب والوفاء والمشاهد الصادقة والصور الرائعة نستخلص جملة من القراءات التي تؤكد على عدد من الحقائق من أهمها:

أولا: النطق السامي.
• إن إطلالة جلالته ونطقه السامي يعبران بصدق عن حرص سلطان البلاد على التواصل مع أبناء شعبه وتطمينهم على صحته, ورغبته الصادقة مشاركتهم الاحتفال بالعيد الوطني وإن بعدت المسافة, وتؤكد على إدراك المقام السامي ويقينه بأن الشعب العماني لم يعد قادرا على تحمل استمرار غيابه عن المشهد الوطني, خاصة وهو على أعتاب الاحتفال بالعيد الوطني المجيد.
• إن الكلمات الموجزة والعبارات المختصرة التي تضمنها النطق السامي, حملت دلالات عميقة ومعاني إنسانية مؤثرة تفيض بالإيمان والتوكل على الله والامتثال لأمره, والتقدير لأبناء الوطن على مشاعرهم الصادقة, وتذكر الشعب العماني بما تحقق على أرضه من إنجاوات كبيرة ومكتسبات يتطلب منه الواجب الوطني القيام بمسؤولية الحفاظ والإضافة عليها.
• أظهر النطق السامي مشاعر القائد وعشقه ـ حفظه الله ورعاه ـ للوطن وشوقه لعُمان, ففي كلمات بسيطة تكرر اسم (الوطن) و(عُمان) ست مرات, ولم يشر الخطاب إلى الدولة التي تستضيف سلطان عُمان لغايات مرتبطة بهذا الحب العميق للوطن.
• ظلت القوات المسلحة محورا أساسيا في خطاب القائد مهما كانت ظروفه ومناسبته ومكان إلقائه, وهي رسالة موجهة إلى جميع المواطنين تبرز مكانة وأهمية القوات المسلحة ودورها الوطني في الدفاع عن حياض الوطن, والدعوة المباشرة للالتفاف حولها والمساهمة في هذا الدور الأساسي والمحوري كل في موقعه ووفقا لقدراته بالكلمة المنضبطة والتوعية المدروسة والإخلاص في العمل والتلاحم بين أطياف المجتمع والحفاظ على الهوية الوطنية …

ثانيا: مشاعر العرفان والولاء.
• التأكيد على الإجماع الوطني الذي يحظى به جلالة السلطان قابوس بن سعـــيد المعظم، والحب المتأصل الذي يكنه أبناء الوطن الأوفياء لقائدهم وسلطانهم الكبير. والشعور العميق بما يمثله وجوده ـ حفظه الله ورعاه ـ من رمزية ومكانة في تعزيز الوحدة الوطنية وحمايتها من أي خطر يتهددها أو يسعى للمس بها.
• الاعتراف بالجميل وتجسيد قيم الوفاء والإخلاص والتعبير عن عمق الارتباط بين القائد وشعبه, والذي جاء كنتاج طبيعي لحكمة السلطان ـ حفظه الله ورعاه ـ وسياساته المتوازنة وما قدمه للوطن والشعب من إنجازات كبيرة ومكتسبات وطنية فاقت التوقعات والتطلعات.
• وعي المواطن وإدراكه لأهمية التلاحم والتآزر وتعزيز قيم المواطنة وأثرها في تحقيق مصالح الوطن, والتأكيد على ما تحقق من إنجازات ومكتسبات, والحرص على حمايتها والحفاظ عليها من العبث والفساد, وهي غايات لن تتحقق إلا بالالتفاف والسير خلف القائد رمز الوطن الذي أفنى عمره في خدمته وفي تحقيق تطلعات شعبه.
• لما يمثله صاحب الجلالة من صمام أمان وما يتميز به من قدرات قيادية فذة أفصحت عنها عبقرية سيرته وأفعاله وعلاقاته ونتائجها المتميزة على أرض الواقع, وهو ما تعبر عنه هذه اللوحة من الحب والوفاء والإخلاص والاحترام التي أفصحت عنها كتلة المشاعر الإنسانية العمانية التي لم تكن يومًا بغريبة على المواطن العماني الذي خبر الوفاء وأتقنه وسار على نهجه، وفاء لم يكن يومًا بحاجة إلى أن يظهر إلى العلن وإلى تعبير صاخب يملأ أرجاء الدنيا لولا الطفرة التقنية والتقدم التكنولوجي ووسائل التواصل التي أحدثت هذه القفزة الهائلة في بث ونشر وإعلان ما تخفيه النفوس من مشاعر ومكنونات, كان العماني طوال العقود الماضية من عمر النهضة يمارسها بأشكال وصور مختلفة، وما الدعاء الخالص للقائد إلاّ واحدة من تلك الصور الواسعة.
• تعبير أصيل عن عمق العلاقة بين قائد سخر وقته وأفنى معظم حياته في خدمة وطنه وتحقيق تطلعات أبناء هذا الوطن والحرص على توفير سبل الراحة والازدهار وتأسيس وتعزيز وتعظيم البناء والتنمية والرخاء، وبين شعب وفي لهذا القائد، والذي ينتهز الفرص ويوظف المناسبات المختلفة لتجديد البيعة والعهد وتعميق قيم الولاء والوفاء والعرفان في صور وأشكال متعددة كما أشرنا إلى ذلك.
• التأكيد على مواقف جلالته الكثيرة في الانتصار لتطلعات شعبه والوقوف مع المطالب المشروعة لأبناء المجتمع والتي عبرت عنها المراسيم والأوامر والتعليمات والتوجيهات السامية التي لم تتوقف عبر العقود الماضية من عمر النهضة المباركة, ولن تكون التوجيهات السامية بتأجيل تطبيق قرار الهيئة العامة لحماية المستهلك الصادر بتاريخ 15/6/2014م, حول حظر رفع أسعار بعض السلع الأساسية, لحين تطبيق القوانين الاقتصادية المرتبطة بتنظيم السوق “قانون حماية المستهلك وقانون الوكالات التجارية وقانون المنافسة ومنع الاحتكار” آخرها بإذن الله ومشيئته.
• رسالة واضحة ومعبرة وجهها العمانيون إلى دول العالم وشعوبه تتضمن ثوابت العلاقة بين الحاكم والمحكوم, ومقدار التفاعل والتوافق والاحترام التي تقوم عليها هذه العلاقة, والتي تجسد عبقرية القيادة عندما تنتصر لإرادة شعوبها فتتمكن من أن تكسب القلوب والعقول, رسالة تؤكد على القيم الحقيقية للحكم ومناهجه السليمة, إنها الديمقراطية الأصيلة يعبر عنها المواطن في عفوية وبساطة وفق أساليب وممارسات حملت تلك الدلالات والمعاني التي استعرضناها تباعا.

إلى الأعلى