الخميس 27 يوليو 2017 م - ٣ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شعارات تستر خلفها بعض المنتفعين!

شعارات تستر خلفها بعض المنتفعين!

سعود بن علي الحارثي

” لقد وضع المواطن ثقته وحمل مسئولية وأمانة حمايته من الفساد ومن الاستيلاء على المال العام, الذي يعد حقا يشترك في منافعه وفوائده جميع المواطنين بلا استثناء, الدولة بمختلف مؤسساتها رقابية وقضاء وتشريعا وإعلاما ومؤسسات أمنية وغيرها, واتخاذ كل التدابير والاحترازات والوسائل والأدوات الكفيلة بحماية المال العام …”
ــــــــــــــــــــــ

الوطنية الصادقة، تغليب المصالح العامة، حب القائد .. شعارات رددها عدد من النافذين والمسئولين وأشباه المسئولين ومن يدور في فلكهم على مدى سنوات, في لقاءاتهم الإعلامية وفي تقارير وزاراتهم ومؤسساتهم التي تصدر بشكل دوري وفي حديثهم مع المواطن وفي تدشينهم لعدد من المشاريع وحضورهم المناسبات المختلفة وفي ردودهم على أعضاء مجلس الشورى في الجلسات واللقاءات والاجتماعات المختلفة داخل المجلس وخارجه .. درجة أنه وعندما يحتدم النقاش وتبلغ اتهامات بعض الأعضاء ذروتها حول الأخطاء وأوجه الفساد, يشهر أولئك النافذون سلاحهم (( الشعارات )) ومعها كلمة (( أوامر سامية )) وكأن الوطنية والاخلاص والوفاء لهذا الوطن وقائده ومجتمعه صفة لصيقة بهم ولا يفهمها أولا يعيها إلا من بلغ هذا المبلغ من المسئولية والنفوذ, ومازلت أذكر تعقيب أحد الأعضاء على واحد من المسئولين عندما أطلق شعاراته تلك (( الوطنية ليست جواز سفر يحمله إنسان)). ومن كتب مقالا أو أدار حديثا أو طرح سؤالا حول ثراء المسئولين السريع والفاحش أو نطق بكلمة حق منبها ومحذرا من منافذ الفساد العديدة التي تتسرب منها ثروات البلاد ومقدراته وتتلقفها أيد عمانية لا هم لها إلا الثراء وتوظيف كل الوسائل والأدوات وعلى رأسها الوظيفة والنفوذ لتحقيق المنافع والغايات التي تخدم مصالحهم لا مصالح الوطن العليا كما يدعون, توجه الاتهامات إلى من طرح تساؤلاته الوجيهة ونبه وحذر من العواقب الوخيمة على أمن واستقرار الوطن وسلامة نسيجه الاجتماعي وقدم المؤشرات والصور والمشاهد ووضع النقاط في الحروف وطالب الأجهزة المتخصصة للتحرك وكشف المفسدين, بأنه يسعى إلى الإثارة وإلى الفتنة وبأنه موجه ويتم التشكيك في وطنيته .. وكأنه هو من اختلس وسرق وارتشى واستثمر ثروات الوطن ووجهها لمصالحه (( أراضي أو نفطا أو غازا أوجبالا تحطمها المعاول والمعدات لاستخراج أثمن ما فيها أو أموالا عامة…)), شعارات اتخذوا منها ستارا وشحذوها سلاحا يخيف ويرعب للتغطية على ممارساتهم وأعمالهم تلك التي لا تمت بصلة إلى تلك الشعارات الجوفاء, فأية وطنية تلك التي تجعل من نافذ تقلد أمانة المسئولية أن يستثمر نفوذه المطلق في التلاعب بمقدرات الوطن وثروات المواطن؟ وأي تغليب للمصلحة العامة في مقابل الممارسة الفعلية لكل أشكال الفساد؟ وأي حب يظهره من قلده القائد أمانة الوطن فخان الأمانة ولم يقدر ويحترم ويشكر ذلك الاختيار الذي انتقاه دونا عن الكثير من الناس؟. وتأتي المحاكمات المتواصلة على خلفية الاكتشافات الواسعة لاختلاسات ورشاوى واستيلاء على أراض واستغلال الوظيفة .. لتطرح العديد من الأسئلة عن أهداف وغايات هذه المحاكمات في هذه الفترة بالذات؟ ولماذا الآن بعد صمت وتجاهل استمر لسنوات؟ وهل هي محاولة لذر الرماد على العيون وطمأنة المواطن بأن الدولة جادة في كشف ومحاكمة ومعاقبة المفسدين وتجفيف منابع الفساد؟ أم أن الأمر يتجاوز ذلك بكثير وأننا أمام سياسة جديدة تستهدف كل أوجه الفساد, والمحاكمات الحالية ما هي إلا خطوات أولى لتحقيق هذه الغاية؟ وإن كان ذلك كذلك فإلى أين ستقودنا هذه السياسة وإلى أي من الأسماء ستصل بنا في الأيام القادمة وما هي المفاجآت المخبأة في الملفات والتقارير المختومة بختم السرية؟ وهل ستلتفت تلك السياسة إلى الماضي قريبه وبعيدة أم أن ((الطيور قد طارت بأرزاقها)) وما ((فات قد مات)) ؟ الإجابة على أسئلة المواطن التي لم تتوقف منذ أن بدأت تلك المحاكمات سوف تنجلي تدريجيا خلال المراحل القادمة.
لقد وضع المواطن ثقته وحمل مسئولية وأمانة حمايته من الفساد ومن الاستيلاء على المال العام, الذي يعد حقا يشترك في منافعه وفوائده جميع المواطنين بلا استثناء, الدولة بمختلف مؤسساتها رقابية وقضاء وتشريعا وإعلاما ومؤسسات أمنية وغيرها, واتخاذ كل التدابير والاحترازات والوسائل والأدوات الكفيلة بحماية المال العام ومراقبة وكشف كل من تسول له نفسه العبث والاستيلاء على جزء منه, ووضع العقوبات المشددة التي تضمن ردع كل مفسد. إن القضايا التي تنظرها محاكم السلطنة ما هي إلا قليل من كثير, وقد نشرت عبر هذه الصفحات وعلى مدى سنوات العديد من المقالات التي تضمنت الكثير من المشاهد والصور والتساؤلات تعليقا على عدد من التحقيقات الصحفية والوقائع, ونبهت وحذرت من مخاطر الفساد الذي يستشري في النفوس فيميت الضمائر ويسحق القيم على أمن الوطن واستقراره, وعبرت عن القلق الكبير الذي ينتاب المجتمع العماني من هذا الغول المتمدد في أوصال الكثير من مؤسساتنا وأسواقنا وبين عدد من المسئولين والنافذين والتجار والمنتفعين منهم. وإن لم تتقدم مؤسساتنا المتخصصة خطوات ملموسة وجريئة لمحاربة الفساد وتجفيف منابعه بمختلف الوسائل والاجراءات القانونية والرقابية والمساءلة والمحاكمة والعقوبات المشددة, فسوف نجد أنفسنا أمام عصابات أشبه بالمافيا تدمر مقدرات الوطن وتستبيح ثرواته وتشعل ثورة غضب في نفوس المجتمع لن يكون اطفاؤها بالأمر اليسير.
هل يجوز الصمت على هذه التجاوزات ؟ وهل في المجتمع من لايزال مشككا في وجود الفساد ويدعي بأن طرح هذا الملف الضخم والشائك يسبب الاثارة والفتنة؟ أعتقد أن العكس هو الصحيح. إن الوطنية الصادقة وحماية مقدرات الوطن والحفاظ على أمنه واستقراره ونسيجه الاجتماعي ووحدة مجتمعه وقيمه وثقافته الأصيلة … تتطلب منا جميعا العمل بكل قوة لمحاربة كل أوجه وصور الفساد بتعزيز الوعي وتطوير التعليم وتحديث القوانين وهيكلة مؤسسات الدولة وتفعيل وسائل وأدوات الرقابة وتوسيع الصلاحيات البرلمانية وتشديد العقوبات والاستفادة من تجارب الدول المتقدمة في هذا المجال وتعزيز قيم الحرية والشفافية والمشاركة وثقافة العمل المؤسسي …

إلى الأعلى