الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الوعد: حصيلة مؤامرة .. وليس بداية لها!

الوعد: حصيلة مؤامرة .. وليس بداية لها!

د. فايز رشيد

كل ما سقناه من إرهاصات قبل قرار الحركة الصهيونية في مؤتمر بازل عام 1897, وقبل قرار وزير الخارجية البريطاني بلفور فيما بعد عام 1917, مثّلا ولا يزالان مخططا تآمريا قديما, عنوانه: التقاء المصالح الاستعمارية (من دول أوروبية متعددة), والصهيونية, ومخططاتهما البعيدة المدى للوطن العربي والقاضية: بإقامة دولة غريبة عن المنطقة وعدوة لسكانها في الجزء الفاصل بين دول الوطن العربي في آسيا والأخرى في إفريقيا.

الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني كل عام .. تتجدد ذكرى وعد بلفور الذي جرى إطلاقه في عام 1917. قبل بلفور, كان نابليون بونابارت أول من اقترح إقامة دولة (حكما ذاتيا) لليهود في فلسطين تحت الولاية الفرنسية لها. كان يريد استخدام اليهود لخدمة المصالح الفرنسية في المنطقة. في عام 1862 نشر الزعيم الصهيوني موشيه هيس كتابه “روما والقدس” وفيه تحدث عن رعاية فرنسية لدولة اليهود في فلسطين, بمعنى: الاعتراف بإمكانية خدمة الدولة المنوي إنشاؤها لخدمة المصالح الاستعمارية في المنطقة. في عام 1838 تم افتتاح أول قنصلية بريطانية في القدس: لخدمة المصالح البريطانية ولتكثيف هجرة اليهود. ساعد القنصل ديكسون منذ بداية عام 1839 اليهود, في شراء الأراضي في فلسطين, وإقامة المستعمرات, وقد كان عددهم آنذاك 10 آلاف. في عام 1865 أنشأ الصهاينة البريطانيون “صندوق استكشاف فلسطين” كان يقدم مساعدات مادية لكل من يريد الهجرة إلى فلسطين من اليهود.
بعد ذلك توالت موجات الهجرة, كان أضخمها فترتان: الهجرة الأولى من عام 1882 – 1904. الثانية من عام 1914 – 1915. قبل هذا الوعد بزمن طويل جرى الحديث أوروبيا عن ضرورة إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين, كخيار من عدة خيارات في دول أخرى: صحراء سيناء المصرية وفي العريش تحديدا: (اقتراح رئيس الوزراء البريطاني تشمبرلن), لكن “لجنة الخبراء الصهاينة” رفضته. كان أحد الخيارات: أوغندا (اقترحه بلفور نفسه), رفض المؤتمر الصهيوني السادس هذا المقترح, لأن أوغندا لن تشكل مصدر جاذبية لهجرة اليهود. ثم كانت الخيارات في: كندا, الأرجنتين, جنوب إفريقيا, وغيرها, وكلها جوبهت بالرفض الصهيوني لها .. هذا يعني: أكذوبة الارتباط اليهودي بفلسطين.
بريطانيا كما كل الدول الاستعمارية هدفت إلى: استعمال اليهود ودولتهم الموعودة لخدمة مصالحها في المنطقة العربية, وللتخلص من موجات الهجرة اليهودية إليها من دول أوروبا الشرقية, (في بريطانيا تشكلت اللجنة الملكية للحد من هجرة الغرباء ـ يقصدون: هجرة اليهود ـ, واستدعي هرتزل للإدلاء بشهادته أمام اللجنة. قدمت الحكومة مشروع قرار لمجلس العموم في عام 1904 لوقف الهجرة, واضطرت إلى سحبه تحت ضغوطات المعارضة, ثم عادت وقدمته مرة أخرى في عام 1905 ونجح), كما هدفت بريطانيا إلى تأمين خطوط مواصلاتها إلى الهند. سبعة وتسعون عامًا مرّت على هذا الوعد المشؤوم من وزير خارجية بريطانيا العظمى للحركة الصهيونية، والذي جعل من فلسطين مكانًا لإقامة الوطن القومي لليهود فيه, ظلما وزورا وبهتانا، بما يمثله ذلك من انصياع وتآمر بريطاني مشترك مع قرار المؤتمر الصهيوني الأول, الذي انعقد في مدينة بازل السويسرية في عام 1897، والذي جعل من فلسطين “أرضًا للميعاد”.
كل ما سقناه من إرهاصات قبل قرار الحركة الصهيونية في مؤتمر بازل عام 1897, وقبل قرار وزير الخارجية البريطاني بلفور فيما بعد عام 1917, مثّلا ولا يزالان مخططا تآمريا قديما, عنوانه: التقاء المصالح الاستعمارية (من دول أوروبية متعددة), والصهيونية, ومخططاتهما البعيدة المدى للوطن العربي والقاضية: بإقامة دولة غريبة عن المنطقة وعدوة لسكانها في الجزء الفاصل بين دول الوطن العربي في آسيا والأخرى في إفريقيا، هذه الدولة ستكون رأس جسرٍ للمصالح الاستعمارية في الشرق الأوسط، وحربة في ممارسة العدوان على دوله, وإبقاء شعوب المنطقة متأخرة, ومنع قيام أية مظاهر وحدوية بين دوله, لأن وحدتها تجعل منها, قوة مؤثرة على الساحة الدولية, “فهي شعب واحد تتوفر له وحدة التاريخ والدين واللسان”. تم رسم هذا المخطط بالمعنى الفعلي (رسمنته) في مؤتمر كامبل ـ بنرمان الذي امتدت جلساته المتباعدة من عام 1905 ـ عام 1907. بين الدول الاستعمارية: بريطانيا, فرنسا, بلجيكا, هولندا, إسبانيا, إيطاليا. هذه كلها كان لها أطماع في المنطقة العربية, وغالبيتها استعمرت دولا عربية, وإسرائيل كانت طرفا رئيسيا في الاعتداء الثلاثي على مصر في عام 1956, وبمجموعها تآمرت على وحدة مصر وسوريا في عام 1958 وصولا إلى انفكاكها في عام 1961.
إن الصهيونية كمفهوم ديني, جرت مزاولتها من قبل المتصوفين اليهود على مر الأجيال, نتيجة لارتباطها بالأمل الكبير في اليهودية, القائم على عودة المسيح في نهاية الزمان, وكانت هذه تعرف بـ”الصهيونية الدينية”. عملت الحركة الصهيونية كجماعة سياسية منذ إنشائها كصهيونية سياسية عندما بدأ طرحها بشكل أولي في القرن السابع عشر وجرت صياغتها رسميا على يدي هرتزل في عام 1896, الذي وبالمعنى العملي أوجد النظرية ومنهجها في كتابه “الدولة اليهودية” في ذلك العام وشرع في تطبيقها في المؤتمر الصهيوني الأول, إذ بدأت في تعريف نفسها كـ”عقيدة سياسية” و”عقيدة قومية”, ثم بدأ ظهور مصطلحات جديدة عن “الشعب اليهودي”, و”الأمة اليهودية”. إن إضفاء الطابع السياسي والقومي على الصهيونية لم يكن بمعزل عن تطورات أوروبا آنذاك, وانتقالها من مرحلة الإقطاع إلى الرأسمالية, وبدء ظهور مرحلة القوميات, لذا فما دام قد جرى طرح اليهودية كـ”قومية” كان لا بد من وطن قومي لها, وما دامت لم تمتلك وطنا عبر التاريخ, كما أن لا وطن لها, فبالضرورة من أجل ذلك لا بد وأن تحتل وطنا وتقتلع شعبه من أرضه, وبذلك تحولت فعليا إلى “عقيدة استعمارية”.
الحل للمسألة اليهودية تمثل في تصور العديدين من المفكرين: أن يعيشوا في المجتمعات التي يتواجدون بين ظهرانيها, لأن فكرة “القومية اليهودية” هي “فكرة رجعية المحتوى” هذا ما طرحه ماركس “اليهودي الديانة” والذي اعتبر في كتابه المعنون بـ”حول المسألة اليهودية”: أن “تحرير اليهود يعني: أن تتحرر المجتمعات من اليهودية”, ولينين جاء فيما بعد ليؤكد ما دعا إليه من حل.
مجمل القول: إن وعد بلفور جاء حصيلة لمؤامرة امتدت خيوطها لقرون خلت, جرت مراكمتها أوروبيا وأميركيا فيما بعد. الوعد حلقة في مؤامرة ولم يكن بداية أو أساسا لها … والحبل على الجرّار ما دام الكيان موجودا.

إلى الأعلى