الأربعاء 13 ديسمبر 2017 م - ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / تونس على صراط الذين أنعمت عليهم

تونس على صراط الذين أنعمت عليهم

د.أحمد القديدي

اليوم تغيرت الخارطة السياسية لتونس، وبعث الناخبون برسالة لحكامه الجدد، وهي رسالة أمل وتعادلية بين الأصالة والحداثة، فكان التصويت للنهضة رغم نقضها لفكر الهوية تصويتا لما يمكن أن تمثله النهضة من تمسك بالثوابت على الأقل، كما كان التصويت لحزب نداء تونس، والاتحاد الوطني الحر والجبهة الشعبية وآفاق تونس، تعبيرا من الأجيال الشابة على تمسكها بالانفتاح على العالم الواسع.

مهما كانت نتائج الانتخابات التشريعية التونسية التي جرت هذا الأسبوع فإن العبرة الكبرى منها هي أن الاستبداد ضرب في مقتل يوم الـ17 من ديسمبر 2010 ولفظ أنفاسه يوم الـ14 من يناير 2011 وتم دفن جثته المتعفنة يوم الانتخابات الـ26 من أكتوبر 2014.. ومهما قيل عن بعض الأخطاء في التقدير أو التجاوزات أو الإخلالات فإنها أهون ألف مرة من مشهد الرائد محمد المنصوري وهو يخضع لتعذيب زبانية الاستبداد عام 1987 حتى ملاقاة ربه في ظروف القمع والقتل والتشريد وملاحقة المحجبات وتأميم المساجد وتكميم الأفواه وانتشار الفساد في الأرض. وسبق أن قلت في مقالات سابقة بأن الديمقراطية حتى بمظاهرها الكوميدية أو انفلاتها في استعمال الحرية تظل أفضل ألف مرة من وقار الدكتاتورية، وهو وقار مزيف يخفي وراءه كل مساوئ الفساد، وهو أيضا صمت مفروض بالقوة كأنه صمت المقابر ضد إرادة الحياة. اليوم اختار أغلب الشعب التونسي مشهدا جديدا للسلطة التشريعية بعد مرحلة مؤقتة طالت ثلاثة أعوام، واستخلص الشعب منها دروسا قاسية لتقدير عهد ما بعد الثورة، وتغيير بعض ما كان فيه من منكر ناتج عن قلة الخبرة وكثرة الحسابات طالت مدته من سنة واحدة لتحرير دستور جديد للجمهورية الثانية إلى ثلاث سنوات تعطلت فيها التنمية وانخرم الأمن، وأصاب الناس خلالها يأس من النخبة السياسية المؤقتة، فقام الشعب بمعاقبتها عقابا عسيرا في انتخابات الـ26 من أكتوبر ليقلص تلك الأحزاب المتورمة إلى حجمها الحقيقي بقصد الانطلاق نحو المستقبل برصيد من التجارب ثري وبكنز من العبر ثمين. لقد مررنا بعهد الارتجال والتسرع وتصفية الحسابات لتكتشف الفاصائل التي حكمت ضمن الترويكا بأن أبرز أخطاء حركة النهضة فيه، وهي المحرك الأول للسلطة الثلاثية أنها تخلت تدريجيا عن أغلب ثوابتها الفكرية ظنا من قيادتها أنها بذلك تتنازل للحركات العلمانية لتكون مقبولة في الغرب، فلا تثير الرأي العام الغربي (لا العالمي) بتنفيذ رؤيتها لمجتمع وطني مسلم تنبع قوانينه الأساسية من شرع الله أو على الأقل لا تناقضه، فصار برنامج النهضة هو نفس برنامج الزعيم بورقيبة المنادي بفصل الدين تماما عن السياسة وعدم المساس بأية قاعدة من قواعد ما يسمى بالنمط التونسي الحداثي (وفي الحقيقة البورقيبي) رغم مساوئه البينة بعد ستين عاما من البورقيبية والنوفمبرية. إلا أن النهضة اختلفت مع الحكم البورقيبي في خيار الديمقراطية والرضا بالتداول على السلطة وضروة احترام حقوق الإنسان، وهو أضعف الإيمان بالنسبة لحركة قدمت الشهداء والمساجين والمطاردين في المنافي، ثم إن الخطأ الثاني هو سوء اختيار من يمثلها في الحكومتين (حكومة الجبالي وحكومة العريض) فسجل الناس ضدها كل خلل شخصي لوزير متدرب على ملفات الوزارة. وأعتقد أن حركة النهضة قرأت تدنيها اليوم إلى الدرجة الثانية قراءة موضوعية وتهيأت للمشاركة في الحياة السياسية القادمة بعقلية متجددة وفكر نير، ربما في الضفة الأخرى من السياسة أي المعارضة الديمقراطية ولا ضير في ذلك ما دام في صالح البلاد حتى يتاح للإسلاميين التوانسة البقاء في الفضاء العام وعدم العودة للعزلة والهامشية والخوف من السيناريوهات المصرية أو الليبية. وقدرها اليوم أن تبقى في هذا الفضاء العام مدافعة عن نمط أصيل للمجتمع التونسي بجرأة حتى لو كانت النهضة هي الأقلية، وهو أفضل لها من أن تحاول كسب الأنصار على حساب مبادئها وتعيش بقلب مزروع لم يعد يعرفه مؤسسوها الذين عرفتهم في سنوات المنفى والجمر وتقاسمنا معهم فضيلة الصبر والجهاد من أجل تغيير المنكر، ولم تعد كذلك تقتنع به قواعدها المستقرة في المجتمع التونسي والعربي. ومن أخطاء الثلاثي الحاكم جميعا أنه تخلى عن سياسة خارجية قوية ومبدئية وأصيلة وخادمة لمصالح الشعب، فتشكل نوع من الاضطراب في مواقف بلادنا لم تعهده الدبلوماسية التونسية التي تعود إلى العصر الفينيقي ودولة قرطاج منذ ثلاثة آلاف سنة حين كانت قرطاج تنافس الامبراطورية الرومانية على سيادة إفريقية وحوض البحر المتوسط، ثم حين كانت منطلق الفتوحات الأندلسية والأوروبية والإفريقية في فجر الإسلام منذ سنة 50 هجرية مع تأسيس القيروان على أيدي عقبة بن نافع.
اليوم تغيرت الخارطة السياسية لتونس، وبعث الناخبون برسالة لحكامه الجدد، وهي رسالة أمل وتعادلية بين الأصالة والحداثة، فكان التصويت للنهضة رغم نقضها لفكر الهوية تصويتا لما يمكن أن تمثله النهضة من تمسك بالثوابت على الأقل، كما كان التصويت لحزب نداء تونس، والاتحاد الوطني الحر والجبهة الشعبية وآفاق تونس، تعبيرا من الأجيال الشابة على تمسكها بالانفتاح على العالم الواسع، وتشبثها باستمرار الدولة التونسية كدرع ضد الفتنة التي نراها على حدودنا الجنوبية في ليبيا الشقيقة أو الفوضى العارمة التي طغت على أصوات الحكمة في كل من العراق وسوريا. ويمكن القول بلا تردد بأن الأنموذج التونسي في هذه اللحظة التاريخية أثبت نجاحه وتفوقه إلى الوفاق دون عنف ودون سفك دماء بريئة، ودون الوقوع في فخ المساومات الشخصية والحزبية والقبلية على حساب مستقبل أجيال تونس. وإذا استخلصنا العبرة من الاستحقاق التشريعي لا بد أن نبدأ في هندسة استحقاق الرئاسيات ليوم الـ23 من نوفمبر القادم حتى تكتمل مسيرة الديمقراطية المدنية الهادئة وتبلغ بلادنا شاطئ الأمان كما نرغب، فالرئيس المنتظر عليه وفي رقبته أمانة ثقيلة يؤديها من أجل عودة الهيبة والرفعة والأخلاق لمنصب الرئيس، لا تلك المظاهر الخادعة من الهيبة المستبدة والرفعة الزائفة والأخلاق الكرتونية كما كان الحال منذ أن أصيب الزعيم بورقيبة بأمراضه العضوية والعقلية، وتحولت تونس إلى مهزلة الأمم في الثمانينات فحكمت بلادنا امرأة محدودة المدارك أمية بمعنى الجهل الفادح تحولت بسبب خرف الزعيم إلى سيدة البلاد والعباد إلى أن افتك منها الحكم الجنرال زين العابدين بن علي يوم الـ7 من نوفمبر 1987؛ فالرئيس الذي سينتخب في الأيام القادمة هو حامي الدستور وجامع التوانسة كلهم والحكم (بفتح الحاء والكاف) بين كل الفاصائل، والمترفع عن الفئوية والجهوية والقبلية والطبقية فيكون حكمه منارة في تاريخ بلادنا الحديث لا مصيبة أخرى تنزل على رؤوس الناس، ونتحول من بلاد آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان إلى بلاد كفرت بأنعم الله ونتذكر آية من القرآن المجيد هي (112):: وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون “.

إلى الأعلى