الثلاثاء 11 أغسطس 2020 م - ٢١ ذي الحجة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / جامعة الدول العربية تحتفل بيوبيلها الماسي وآمال الوحدة معلقة

جامعة الدول العربية تحتفل بيوبيلها الماسي وآمال الوحدة معلقة

خميس بن عبيد القطيطي

ربما يستفز هذا العنوان الكثير من القراء العرب، ولكن لا يوجد بديل للأمة العربية اليوم سوى محاولة ترتيب الصف العربي في ظل هذه الظروف العصيبة التي تمر بها الأمة، والتدخل الخارجي المتزايد الذي جعل من العرب أمة متفرقة وما زال هذا التدخل يستفرد بكل دولة عربية على حدة، وكما قال الشاعر: “تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرا. وإذا افترقن تكسرت آحادا” إذن نحن العرب أمام قضية أولى يجب معالجتها وهي حالة الفرقة والتشرذم والانقسام التي تسود الساحة العربية، فهل ترقى الخلافات السياسية العربية إلى الانسياق في مثل هذه الحالة المؤلمة التي تعيشها الأمة اليوم؟! وهل هذه التدخلات الخارجية (الاستعمارية) التي تستفرد بالدول العربية لا تثير حفيظة العرب للعمل على لملمة هذا الانقسام؟ وهل ستبقى دولنا العربية في هذا الوضع تنتظر التوجيهات الخارجية، ولا تحرك ساكنا لإعادة أمل وحدة الصف العربي؟ كلها تساؤلات وآمال جديرة بالاهتمام وتتطلب العمل بأعلى مستوى لمواجهة هذه الهموم، وإما أن نبقى في حالة الوهن التي أصابت جسد الأمة؟! لذلك ينبغي على كل العرب ألا تنال منهم مشاعر السلبية والتذمر واللامبالاة أو تسيطر عليهم فكرة القطرية وتغليبها على الموقف القومي العربي الجماعي، فالعرب يمثلون جسدا واحدا إذا أصيب عضو منه أوجع سائر الجسد، ومن هنا لا بد من وحدة الصف العربي وإلا فإن البديل هو عودة الاستعمار وتدخل القوى الدولية في الوطن العربي وما يعنيه هذا التدخل؟ وهو بلا شك ماثل اليوم على الساحة العربية .
وعودا إلى عنوان المقال، فقد احتفت جامعة الدول العربية خلال هذا الأسبوع بعيد (يوبيلها) الماسي ومرور (٧٥) عاما على إنشائها، حيث تم التوقيع على ميثاق جامعة الدول العربية بتاريخ ٢٢ مارس عام ١٩٤٥م في قصر الزعفران بالقاهرة ووقع عليه رؤساء حكومات (٥) دول عربية هي: مصر وسوريا والعراق ولبنان وشرق الأردن، ثم وقعت السعودية واليمن لاحقا، وضم ميثاق الجامعة (٢٠) مادة حددت أطر العمل للجامعة بعد الاستقرار على تسميتها (جامعة الدول العربية) لتضم كل الدول العربية المستقلة في هذا الكيان الوليد، وهنا يتبادر تساؤل لبعض الأشقاء العرب حول ما يتم ترويجه عن الدور البريطاني في الإيعاز بالموافقة الضمنية لتأسيس هذا الكيان العربي، وهذا من المغالطات التي ما زال بعض العرب يقع فيها للتقليل من دور الجامعة وتقزيم هذا الكيان العربي الذي سعت من أجله قيادات عربية منذ بدايات النصف الأول من القرن العشرين، ولتفسير هذه الفكرة المغلوطة فقد صدر بيان من وزير خارجية بريطانيا أنتوني إيدن في ٢٩ مايو عام ١٩٤١م كان قد أعلن تأييد حكومة بلاده لأي خطة تلقى من العرب موافقة عامة، وهذا البيان جاء في وقت كان الحلفاء يحاولون استمالة العرب إلى جانبهم في الحرب العالمية الثانية، أكد إيدن مجددا ذلك في بيان آخر صدر في فبراير عام ١٩٤٣م، بالإضافة إلى وعود عديدة من قبل الإنجليز لدعم استقلال الدول العربية في حال مساعدة الحلفاء في الحرب العالمية، وهو ما لم تلتزم به بريطانيا وفرنسا بعد انتهاء الحرب العالمية، وهذا يؤكد أن هذه الوعود والبيانات مجرد تسويق سياسي ولم يكن جديدا بالنسبة لهذه القوى الدولية؛ فوعد بلفور واتفاقية سايكس بيكو أثناء الحرب العالمية الأولى ومراسلات حسين ـ ماكماهون بما حملت من وعود لقيام دولة عربية واحدة لم تكن غائبة عن الذاكرة. الأمر الآخر أن فكرة الوحدة وإنشاء كيان يجمع العرب كانت فكرة سباقة لدى كثير من مفكري العرب قبل ذلك، والفكر السياسي العربي السائد كان يسير بهذا الاتجاه، فتوج تلك الفكرة دعوة من رئيس وزراء مصر مصطفى النحاس الذي دعا فيها إلى اجتماع رؤساء حكومات عدد من الدول العربية لمناقشة مشروع الوحدة، وجرت عدة اجتماعات بحضور بعض القيادات العربية آنذاك من أجل مناقشة قيام كيان يجمع العرب، وهو ما تم الاتفاق عليه بعد توقيع بروتوكول الاسكندرية في أكتوبر ١٩٤٤م، ثم تلاه توقيع نص الميثاق في القاهرة، وهو يعتبر تاريخ إعلان ميلاد جامعة الدول العربية وذلك في ٢٢ مارس ١٩٤٥م كما تقدم ذكره، وبالتالي فإن ما يسوق من قبل البعض حول التأييد البريطاني ما هو إلا لتحقيق أغراض سياسية مرحلية وتحصيل حاصل لفكرة عربية توافق عليها أغلب القادة والمفكرين والأحزاب والقوى العربية، وبلا شك هي فكرة عظيمة لأمة واحدة نظرا لما يجمعها من عوامل مشتركة كالجغرافيا والتاريخ والهوية واللغة العربية والعادات والتقاليد لجميع الأقطار العربية من مضيق جبل طارق إلى مضيق هرمز، واستمرت جامعة الدول العربية منذ ذلك التاريخ تمثل البيت الذي يجمع العرب بما حملت من إنجازات أو إخفاقات خلال تاريخها، فهي على الدوام تمثل البيت العربي الذي يجمع الأشقاء في مختلف الأزمات، ولا شك أن العرب من خلال جامعة الدول العربية حاولوا توجيه مقدراتهم لخدمة قضاياهم العربية مدركين أهمية هذا الكيان الجامع الذي ظل مقره في القاهرة حتى اليوم عدا الفترة التي أعقبت كامب ديفيد (٧٩/١٩٩٠م) حيث انتقل فيها مقر الجامعة إلى تونس ثم عادت لمقرها الأساسي بعد ذلك، ومرت الجامعة بعدة قضايا عربية مصيرية، وعقدت اجتماعات تاريخية كمؤتمر الخرطوم أو قمة اللاءات الثلاث أعقاب حرب يونيو ١٩٦٧م التي خسرها العرب، ولكن في كل الأحوال فإن جامعة الدول العربية تمثل الدول العربية وتعبر عن قوة هذه الدول وأوضاعها السياسية، وما تملك من آليات عمل يكفلها ميثاق الجامعة، وهنا نؤكد أن فكرة جامعة الدول العربية هي فكرة عظيمة حافظت على الحد الأدنى من التوافق العربي والتشاور في خدمة قضايا الأمة، وتفعيل آليات وأطر العمل العربي المشترك .
جامعة الدول العربية تحتفل اليوم بعيدها الماسي في ظل ظروف صعبة تعيشها الأمة العربية من انقسام وتشرذم واختراق خارجي من قبل القوى الدولية في محاولة لعودة الاستعمار بثوب جديد، كما تعمل الصهيونية بكل قوتها على مراقبة وضع العرب وتأزيم أوضاعهم ودفعهم نحو الأسوأ دائما وبتأييد من قوى امبريالية دولية، وللأسف الشديد ما زال الاتجاه العربي يسير على عكس ما تقتضيه قضاياهم المصيرية؟!
العرب اليوم في ظل هذه الظروف الدقيقة التي تحيط بهم باتوا في أمس الحاجة إلى تغيير نمطهم السياسي السائد، والخروج من حالة الحصار الذي وضعوا أنفسهم فيه لمحاولة الاستشفاء من إدمان التمزق والانقسام والتشرذم، واتباع آليات عمل حديثة جادة لتفعيل دور جامعة الدول العربية وتطوير مسارات العمل العربي المشترك وضخ جرعات من التنفس في هذا الكيان العربي، وهذا ليس بمستحيل على العرب، فقد سجل تاريخهم انتفاضات وبطولات عظيمة، ولكن الأمر هنا يحتاج إلى إرادة سياسية، وعليه فلا بد للعرب من تقرير مصيرهم إما الركون للراحة والبقاء تحت سيطرة الخارج، وإما محاولة التعبير عن الذات العربية، وهذا الأمر يقرره العرب ولا يمكن لأي كان أن يقف عثرة في سبيل تحقيق تطلعاتنا العربية .
العرب اليوم بحاجة إلى الدفع باتجاه تطوير عمل جامعة الدول العربية وتفعيل آلياتها، ووضع كل الخلافات العربية على الهامش والنظر للمصالح العربية الجماعية بعين الاعتبار، لأن البديل سيكون استعمارا جديدا وسلب خيرات ومقدرات الأمة، والسيطرة على القرار السيادي للدول العربية، لذا بات الخيار اليوم في أيدي العرب إما الارتهان للخارج أو الانعتاق من هذا الواقع المرير.
ومن هذا المنبر الإعلامي نرفع عدة مقترحات أولا: الدعوة إلى عقد اجتماع عربي على مستوى وزراء الخارجية العرب لإحياء وتفعيل دور جامعة الدول العربية، وتفعيل آليات العمل فيها، وتطوير أدائها بما يتواكب مع المرحلة المقبلة من تاريخ الأمة. ثانيا: تشكيل لجنة عمل عربية مشكلة من عدد من وزراء الخارجية العرب لدراسة مقترحات تطوير آلية عمل جامعة الدول العربية، مع مناشدة الدول العربية تنحية خلافاتها جانبا، فالوضع لا يتحمل أكثر مما هو قائم. ثالثا: لا بد من وجود مبادرة مصالحة عربية تقوم بها بعض القيادات العربية. رابعا: الدعوة إلى عودة عاجلة للجمهورية العربية السورية للاضطلاع بدورها في جامعة الدول العربية بما يمنح جامعة الدول العربية صيغة تكاملية بوجود كل الدول العربية تحت قبتها، ولا شك أن هذه التطلعات السياسية ليست مستحيلة على العرب بشرط امتلاكهم الإرادة السياسية، واستشعار الأخطار المحدقة بالأمة .
ذكرى اليوبيل الماسي لجامعة الدول العربية يمثل مناسبة مهمة لتنبيه العرب إلى أهمية تطوير أداء جامعة الدول العربية وتفعيل آلياتها، وإنهاء الخلافات العربية ولملمة الأوراق العربية المبعثرة، وأبناء الأمة جميعا يحدوهم الأمل إلى التغيير واستغلال هذه المناسبة للتعبير عن الذات العربية للانتقال من واقع الضعف والخنوع إلى واقع يستشرف غد مشرق للأجيال العربية والأمة العربية جميعا من الخليج إلى المحيط .

إلى الأعلى