الإثنين 30 مارس 2020 م - ٥ شعبان ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / تعاضدوا تفوزوا

تعاضدوا تفوزوا

د. أحمد مصطفى أحمد
هناك حكمتان تقليديتان في الطب، هما أن التشخيص نصف العلاج، وأن رغبة المريض في الشفاء (الحالة المعنوية والإرادة) عامل أساسي في تعافيه. هذا ما يحتاجه العالم الآن بالفعل: الثقة في العلم وقدرة البشر على مواجهة المخاطر، خصوصا الطبيعية منها، فهو سبيل التشخيص السليم وابتكار العلاج، وأيضا الثقة بالنفس وقدرتنا كمجموعات ودول وشعوب أن نجتاز الخطر ونواجه الوباء. وليس أخطر علينا الآن كبشر من اليأس الذي يدفع إلى ممارسات خاطئة تضر المرء وتضر من حوله، أو الاستسلام للخرافات الأكثر ضررا.
في الأزمات الكونية كالتي نشهدها الآن يستغل كثيرون، عن قصد أو بدون، خوف البشر وحالة الهلع والذعر للتضليل والافتراء. وتساهم وسائل التواصل الحديثة في انتشار الخرافات والتلفيق بسرعة وعلى نطاق أوسع. ومهما كانت سطوة السلطات والحكومات، فتلك القنوات غير الرسمية لنقل ونشر المعلومات ـ أو الدس المعلوماتي والتلفيق وخرافات الجهل ـ أقوى تأثيرا. والبشر مثل بقية الكائنات الحية، حين يشتد بها الخطر، خصوصا لو كان من مجهول، تتجه غريزيا للالتصاق بذويها أو التقوقع على نفسها كشكل من أشكال رد الفعل الحمائي. وهذا ما يجب علينا الانتباه له، فما تواجهه البشرية من خطر تفشي فيروس كورونا يصعب إن لم يكن يستحيل أن يقدر عليه بلد وحده، ناهيك عن جماعة أو فرد.
لست خبيرا ولا شيخا فقيها ولا سياسيا لدى سلطة تنفيذية، لكنني درست علم الفيروسات في الجامعة قبل عقود ومررت بتجارب تعامل مباشر معها قبل سنوات. ومع أن ما درسته كان أساسيا قبل تطور العلوم وتوصل الأبحاث إلى علاج للفيروسات وليس فقط لقاحات للوقاية منها، إلا أن الأساسيات لا تتغير. كما أنني استفدت من مبتكرات العلم والطب في هذا المضمار بعد ذلك بشكل مباشر، وأعادني ذلك وقتها إلى هذا الفرع من العلم وما شهده من تطور وابتكار. فاسمحوا لي بهذه الملاحظات بشأن الوباء الحالي، وما تتخذه حكوماتنا من إجراءات لصالح حماية الأرواح وتقليل الضرر العام، وما يقوم به أبطال خط الدفاع الأول في القطاع الصحي في كل مكان.
• لا تسمع لأحد يقلل من خطورة فيروس كورونا الجديد، ودعك من كل النظريات حول مصدره.
• خطورة الفيروس أنه فصيل جديد من عائلة قديمة معروفة، لكن هذه النسخة محورة ولم يسبق للبشر الإصابة بها، لذا ليس هناك مناعة طبيعية ضدها.
• بغض النظر عن الذعر والهلع السياسي والاقتصادي فإن الإجراءات التي تتبعها السلطات في أغلب الدول هي الوسيلة المثلى للوقاية، لهذه الأسباب:
- الفيروس ليس كائنا حيا لتقتله بأي وسيلة، وطريقة انتقاله يصعب السيطرة عليها.
- كل علاج بمضادات الفيروسات يستهدف الحيلولة دون دخول الفيروس الخلية الحية.
- هذا بالضبط ما يحدث على النطاق الأكبر بالتباعد الاجتماعي والعزل الذاتي.
- الهدف حماية الفئات الأكثر عرضة للتدهور من الإصابة، أما من يصاب ويتعافى، بأعراض أو بدون أعراض، فيساعد البشرية كلها في تكوين أجسام مضادة لدى البشر.
- نعم، هدف تخفيف العبء عن المنشآت الطبية والصحية ضروري، وليس لأن الحكومات معنية بالأصول الصحية، وإنما لتوفير الرعاية للأكثر تعرضا للخطر من الفيروس ومن غيره من الأمراض الحادة.
- التزامك بالنصائح والتعليمات يقيك ويقي أهلك ويقي العالم كله.
- كل ما يقال عن أدوية للوقاية أو للعلاج حتى الآن هو من قبيل “الشعبوية العلمية” ولأغراض تجارية أو ما يوصف بأنه “عامل ترييح بال” Feel Good Factor.
- الخرافات المنتشرة كثيرة، وبعضها يصدر من أشخاص بارزين دينيا أو سياسيا ولهم سطوة إعلامية.
- التزم أساسيات الصحة العامة والنظافة قدر الإمكان واتبع تعليمات السلطات الصحية والعلمية مهما كانت قاسية.
- لا شيء يعدل الصحة، وكل ما يخسره العالم يمكن تعويضه طالما هناك بشر أصحاء وأجسامهم سليمة فيها عقول سليمة.
لقد وضعت هذه الملاحظات لنفسي وأهلي وكل من يمكنني إقناعه، ورغبت في مشاركتها معكم في هذه المساحة. فتلك أبسط المساهمات من جانب كل فرد منا لمعاونة السلطات والجهات التي تتصدى مباشرة لوباء فيروس كورونا وتبعاته على البشر وكافة أنشطة حياتهم. وما نحتاجه بشدة هو التعاضد والتكاتف وأوله التعاضد مع السلطات المنوط بها تنظيم حياتنا وحماية أمننا وسلامتنا. بالضبط كما هو حال التعاضد والتعاون بين كافة الدول في جهد مشترك لمكافحة تفشي الوباء وأيضا البحث العلمي لإيجاد أدوية تعالج من يمرض بالفيروس. هذا التعاون والتآزر هو سبيلنا الوحيد تقريبا للتغلب على هذا الخطر الذي يهددنا جميعا كبشر دون تفريق بين جماعة وأخرى أو دولة وأخرى ولا يميز بين من يصيب على أساس لون أو عرق أو دين أو جنس أو هوية. هذا التعاضد هو سبيلنا للفوز.

إلى الأعلى