الإثنين 25 مايو 2020 م - ١ شوال ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / من تباريح الساعة السوداء التخلي عن كمامات الأخلاق

من تباريح الساعة السوداء التخلي عن كمامات الأخلاق

عادل سعد

هل العالم بحاجة الآن إلى إعادة ترتيب أولوياته بعد اكتساح كورونا كل الأسبقيات ليتصدر المشهد بأسبقية غير مألوفة؟ هل المطلوب بعد هذا الاكتساح إعادة النظر بالمنظومة الأخلاقية لترتيب أولويات جديدة بالمزيد من التأكيد على العيش بشروط التعاون وفق قيم التضامن والشراكة؛ أي مراجعة فحص أسس (مصيرنا المشترك) الذي كانت الأمم المتحدة قد وضعت معاييره منذ عام 1987 ضمن نداء أعدَّه سبعون خبيرا دوليا بتكليف منها، لكن الأخذ به ظل تحت طائلة المراوحة نتيجة التجاذب السياسي والنفور بين المصالح وما يحكم البعض من متلازمة (أنا أولا).
لقد انكشف خلال الأيام القليلة الماضية كم هو حجم الارتباك والتوهان والفزع وانتشار نزعتي الانقطاع والعزل، بعد الاصطدام الموقعي للفيروس، مثلما انكشفت تخبطات السرعة والتسارع وهوامش الهلع الذي سيطر على العالم.
أرى جازما أن أزمة البشرية الآن تكمن في حدة التغالب المفتوح على حساب قدرة حكمتها في تلمس قيم المؤازرة لمواجهة الأخطار الجسيمة.
إن قراءة إحصائية للحال الدولي صحيا تبين بما لا يقبل الشك أن ثقافة الطوارئ ليست ضمن المستوى المطلوب عالميا وإن تباينت النسب من بلد إلى آخر، بدليل النقص في عدد مراكز الحجر الصحي، وقلة أسرَّة العناية المركزة حتى في دول كانت تتفاخر بأنها تمتلك أنظمة صحية متقدمة وتحتكر المزيد من التقنيات المتطورة (الهاي تك).
كما أن القراءة الإحصائية لا بد أن تضعنا أمام حقيقة مفادها أن منظومات الكشف عن المعلومات خضعت لاعتبارات أمنية وسياسية، ومحاولات كسب بعض الوقت على حساب حقوق البشر في الحصول على المعلومات السريعة التي من شأنها أن تعزز المعرفة لديهم لما ينبغي عمله، لذلك لجأ الكثيرون إلى وسائل التواصل عبر الإنترنت فوقع بعضهم في حبائل الأخبار والتقارير الملفقة والكاذبة، وأن الملاومة (من اللوم) تحولت إلى عكاز جاهز لتبادل الاتهامات بين بعض الدول في أنها سوقت الفيروس أو تسترت عليه، وإلا كيف نفهم استخدام الرئيس الأميركي ترامب مصطلح (الفيروس الصيني)؟ وكيف نفسر محاولته إغراء الألمان ماليا لشراء شركة لديهم توصلت إلى ما يتصدى إلى هذا الفيروس للحد من انتشاره؟
لقد لخص الأمين العام للأمم المتحدة انطونيو جيرتيش الحاجة العالمية للانتصار على الفيروس بالتكامل بين الموقف الأخلاقي ومصلحة الجميع، والحال أن ذلك هو الطريق الآمن الوحيد الذي من شأنه أن يعزز الثقة بالوصول إلى عقار شافٍ في منأى من أي احتكار، مثلما يعزز متلازمة النخوة الإنسانية، وبذات الاتجاه هناك الآن في الولايات المتحدة الأميركية حراك استذكاري للحسنة الإجرائية الكبيرة للرئيس الأميركي السابق أوباما المتمثلة في قانون التأمينات الصحية الذي ألغاه الرئيس ترامب، وقد تفاعل هذا الحراك بعد أن تبين أن العديد من الأميركيين المصابين بالفيروس تأخروا في اللجوء إلى المراكز الصحية لأنهم لا يملكون المال اللازم للفحص والمعالجة.
في الصفحة المقابلة، ينبغي أن تحضرنا (نوبات) تصفيق الفرنسيين بحرارة يومية للكوادر الطبية وهم في خط المواجهة الأول يتقاسمون المخاطر المكانية مع المصابين، بل ينبغي أن يحضرنا مشهد الطاقم الطبي الفلسطيني الذي أقام احتفالا مهيبا في معناه لمواطن في الضفة الغربية مصاب بالفيروس بمناسبة عيد ميلاده مع قالب كيك وباقة ورد وقد أغرقوه بالتهاني وهو على سرير العلاج، بل ينبغي أن يحضرنا مشهد مواطن مسافر عاد إلى منزله فوجد طاقما إسعافيا ينقل زوجته المصابة بالوباء، فأصر على مرافقتها إلى المستشفى والبقاء معها (وسيطا) بينها وبين الكادر الطبي خلال فترة رقودها هناك لتلقي العلاج، ثم هل شاهدتم احتفاليات الرقص والدموع والغناء التي أقامها أطفال صينيون لأمهاتهم وآبائهم العائدين من مهماتهم الطبية في مستشفيات الطوارئ بعد عدة أسابيع من الانقطاع عن بيوتهم؟ بل هل شاهدتم الكوادر الطبية الكوبية وهم يقتحمون المشافي في إيطاليا لمقارعة الفيروس؟ ولكم أن تلاحقوا القطار الصيني وهو يشق طريقه إلى وسط القارة الأوروبية زاخرا بالمعونة الطبية لها.
ما يستحق الاطمئنان أن الخزعة (قطعة من نسيج كائن حي) الأخلاقية العلمية في طور الفحص المستدام الآن، وتلك علامة صحة بأن القادم من الأيام لن يكون الأسوأ، بل وأعتقد أن ضمان وصول الحقيقة إلى الجميع قيد التشغيل، والأهم المرافق، تحررها من الاحتكار، وإذا كان بعض الخبراء بدأوا يميلون إلى أن عالما جديدا قائما على التراحم لا بد أن يتشكل بعد ساعة الوباء السوداء، عالم ينبغي أن يأخذ بالانتباهة التي قالها شاعر الهند طاغور (إن الله لا يحب أن يرى في داخلي عبدا له، وإنما يرى ذاته التي تخدم الجميع).

إلى الأعلى