الجمعة 14 أغسطس 2020 م - ٢٤ ذي الحجة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / مَنْ ومتى يُنتج اللقاح؟
مَنْ ومتى يُنتج اللقاح؟

مَنْ ومتى يُنتج اللقاح؟

جودة مرسي:
أصبح العالم شغوفا بإنتاج لقاح لفيروس كورونا المستجد “كوفيد-19″ لا سيما بسبب التأثيرات والمشاهدات اليومية التي تختلع القلوب من الصدور، والتحديثات على مدار الساعة في أعداد الوفيات والإصابات، وما يحيط بهذا الوباء من لغط حول انتشاره، وتأثيراته الصحية على جسم الإنسان حتى بعد الشفاء، وانقسام سكان الكرة الأرضية بين فصيلين؛ الأول يرى أن الفيروس مصطنع وتم إنتاجه مخبريا لأبعاد سياسية واقتصادية ـ كما ذكرنا في مقال بتاريخ الخامس من مارس الماضي ـ والثاني يؤمن بأنه فيروس طبيعي متطور من العائلة التاجية.
رغم أن الصين هي أول دولة عانت من هذا المرض، إلا أن بعض التقارير الإعلامية اتهمت بكين بالضلوع خلف انتشار المرض، وأن تفشي الفيروس يعود لتسربات مخبرية قام بها علماء صينيون في مدينة ووهان (مركز نشأة الفيروس)، وعزت التقارير ذلك بانهيار أسعار النفط لأن بكين هي المستفيد الأول من ذلك بوصفها تدفع تريليونات الدولارات في استيراده من الخارج.
من جهة أخرى أذاعت قناة روسيا اليوم تقريرا نشرته مجلة NATURE الأميركية عام 2015 أفاد بأن علماء أميركيين خلَّقوا في المختبر نسخة هجينة من فيروس تاجي للخفافيش على علاقة بفيروس يسبب مرض “سارس”، أي متلازمة الجهاز التنفسي الحادة، وأنهم فحصوا فيروسا يسمى”SHC014″، عثر عليه في خفافيش حدوة الحصان بالصين، واستطاعوا جمع البروتين السطحي لـ”SHC014″ مع فيروس سارس، وخرجوا بفيروس جديد زوده البروتين السطحي ببنية تساعده على اختراق خلايا الجهاز التنفسي البشري، كما ثبت أن هذا الفيروس يتسبب في مرض الفئران، لكنه لا يقتلها، كما جاء في التقرير الإعلامي.
ورجعت المجلة الأميركية بالزمن إلى عام 2013 لإلقاء الضوء عن نجاح العلماء في عزل فيروس تاجي يعيش في أجسام الخفافيش له القدرة على اختراق الخلايا البشرية ـ خلاف الحقيقة السائدة بأن الفيروسات التاجية لا تستطيع إصابة البشر بالعدوى ـ دون المرور بجسد حيوان مضيف، ووقتها علق لتقارير المجلة عالم الفيروسات في معهد باستور في باريس، سايمون واين هوبسون، على أنباء ابتكار العلماء لفيروس جديد ينمو بشكل جيد في الخلايا البشرية، بالقول: “إذا تسرب الفيروس فلا يمكن لأحد أن يتنبأ بمساره”.
منظمة الصحة العالمية بصفتها المنظمة الدولية الأرفع المنوط بها الحديث عن اللقاحات والعقاقير والأمراض والأوبئة، صنفت كورونا على أنه وباء، وعددت مخاطره، لكنها قالت إن تطوير لقاح له سيستغرق عاما على الأقل، لأن العلماء ما زالوا في مرحلة الدراسة حول عودة المرض للانتشار مرة أخرى بعد رفع العزل الصحي.
تقارير رصد انتشار الفيروس بينت أن الإصابات ضربت نحو 180 دولة، بينما تتحدث التقارير الإعلامية عن شركات أدوية في أكثر من 30 دولة تتسابق لإنتاج اللقاح، على رأس هذه الدول الصين والولايات المتحدة الأميركية وألمانيا وفرنسا وكندا، وتحول السباق بين بكين وواشنطن إلى تبادل الاتهامات وتراشق الكلمات، فبينما وصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب الفيروس بأنه “صيني”، اتهم المتحدث باسم الحكومة الصينية الجيش الأميركي بأنه يقف وراء إدخال الوباء إلى الأراضي الصينية.
شركات الدواء الصينية قالت إنها ستتمكن من إنتاج اللقاح في سبتمبر المقبل، فيما أعلن الرئيس الأميركي أن اللقاح سيكون جاهزا مطلع إبريل المقبل، وتحدثت ألمانيا عن اكتشاف العلاج، وتناقلت وكالات الأنباء حول استعداد ترامب لدفع مليار دولار لشرائه، قبل أن تصاب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بكورونا، فيما دخلت فرنسا بقوة على خط إنتاج اللقاح بإعلان اكتشاف عقار يعالج (كوفيد-19) والذي تم استخدامه من قبل لعلاج الملاريا، بينما قالت شركة كندية إنها توصلت للعلاج وتنتظر اعتماده من هيئة الغذاء والدواء الأميركية.
لا ينكر أحد أن باب الاجتهاد العلمي مفتوح أمام العلماء؛ لكن إنتاج لقاح فعَّال ذي نتائج مؤكدة يحتاج إلى عدة شهور أو ربما سنوات، لأن الحديث مرتبط بتجارب سريرية في بيئات مختلفة وتحت ظروف متباينة، وتتبع التاريخ المرضي للحالات قبل وبعد تناول العلاج، وإقرار الجهات المهنية بجدوى العلاج الجديد، وفي نفس الوقت لا يخفى على الجميع أن أميركا هي الدولة الوحيدة التي قامت بتجارب فعلية لإنتاج اللقاح وبثت تجاربها على الهواء ليرى العالم المتطوعين وهم يتناولون الجرعات، ومن قبلها أعلن ترامب في يناير الماضي أن نهاية كورونا ستبدأ مطلع إبريل، وأن اللقاح الأميركي أقرته هيئة الغذاء والدواء بالفعل.
تبدو فكرة أن فيروس كورونا المستجد “مصطنع” أقرب إلى الواقعية والعقل من فكرة أنه “طبيعي”، وبالتالي فإن إنتاج علاجه رهْنٌ بيد من خلَّقه في المختبرات، إضافة إلى هيمنة الشركات الأميركية على سوق الدواء في العالم، فحتى الشركات الصينية والفرنسية والألمانية التي دخلت على خط إنتاج اللقاح هي شركات أميركية عابرة للقارات لها أسهم مع مستثمرين محليين في هذه الدول، كما أن الشركة الكندية التي قالت إنها بصدد اعتماد اللقاح من هيئة الغذاء والدواء ممولة في الأصل من البنتاجون. إن كان هناك طرح لتساؤل: من ينتج اللقاح؟ فإن الإجابة عليه محصورة بين خيارين لا ثالث لهما؛ الأول هو أن الفيروس لو كان طبيعيا ستبقى البشرية مرتبطة بويلاته طويلا في انتظار اجتهادات العلماء، وأما لو كان صناعيا فإن إنتاج اللقاح بيد من أنشأ كورونا أول مرة، وأنه ينتظر الوقت الحاسم لضخه في الأسواق لاستبدال الخوف والهلع بالمال وضمان ولاية أخرى في الحكم، وبصرف النظر عن الطبيعة والاصطناع أتمنى أن يتم إنتاجه بأقصى سرعة لحماية البشرية من هذا العدو الخفي عند الغالبية، فقط علينا إجراء عمليات حكّ الذاكرة وكحت الذهن لنتذكر كيف وجد علاج سارس ومن أنتجه، وعندها لا يهمنا كثيرا هل هو تخلق صناعيا أو طبيعيا، فلا يشترط أن نفهم السلم الموسيقي لنستمتع بالغناء.

إلى الأعلى