الأربعاء 27 مايو 2020 م - ٤ شوال ١٤٤١ هـ
الرئيسية / المحليات / كورونا.. هل يقود البشرية إلى عالم جديد؟

كورونا.. هل يقود البشرية إلى عالم جديد؟

سعود بن علي الحارثي

سألت والدي: هل حدث في زمنكم أن تعرضت البلاد لمحنة من هذا النوع، قادت إلى إغلاق المساجد ومؤسسات التعليم والأعمال والأسواق والأماكن العامة، وتعليق معظم الأنشطة التجارية ومناسبات الأعراس والعزاء وإلزام الناس البقاء في منازلهم…؟ فقال بأنه لم يشهد أحداثا من هذا النوع ولم يسمع من والده أو جده… أنهم عاصروا شيئا من هذا القبيل، نعم تتفشى الأوبئة مثل الطاعون والسل والجدري، ولكن يتم عزل المصابين في مواقع مخصصة لذلك، ويجري إمدادهم بالأغذية والملابس والأدوية الشعبية، وزيارتهم وفقا لأعراف وآليات مقرة ومعروفة لا يمكن الإخلال بها وتجاوزها، ولهم أوقاف من بساتين النخيل تؤجر وتستثمر للصرف على إعالتهم. وواصل والدي حديثه قائلا: بأنه مما يذكره في هذا الصدد أنه مر على بلدتهم “المضيرب” وباء لا يعرف اسمه وخصائصه لأنه كان صغيرا في العمر، ولكنه فتك بأرواح الكثيرين من سكان هذه البلدة الصغيرة، درجة أنه كان يشارك في المتوسط في تشييع ثلاث جنازات في اليوم الواحد، واطلعت على رسالة نشرت في مجموعات الواتسب مؤرخة في الـ17 من ربيع الأول 1337ه تتحدث عن خسائر بشرية من جراء جائحة ما، تشير الرسالة إلى أن الأخبار “تتواتر بأن الذين ماتوا من بلد نزوى فوق ستمائة نفس فيهم السيد سعود وسليمان بن محمد القاضي الكندي، وجملة من المعروفين وغير المعروفين وعلى هذا السبيل كل بلاد غاب منها على قدرها والله المستعان، فعلينا له التعويض ونسلم الأمر إلى من بيده الأمر كله وما دافعه عنا فهو أعظم، وهذه الرستاق قد ماتوا منها ما أقل من ثلاثمائة نفس الله أعلم، وقيل إن الباطنة قد احتشرت؛ قد ماتوا منها أكابرها ومعهم عدد لا يحصيهم إلا الواحد الأحد …”، وفي تغريدة على حسابه في “تويتر” عرض الأخ عبدالله بن حمد الحارثي، لمعلومة تاريخية تشير إلى أن “الحجر ثقافة صحية متبعة منذ القدم .. وفي ولاية إبراء وبالتحديد في منطقة الصفح بالسفالة يوجد حجر صحي قديم يسمى محليا بيت المراضا يوضع فيه من به مرض معدٍ حتى يشفى، ويقدم له طعامه في أوانٍ خاصة”. وفي العصر الحديث لم نعهد إغلاق الدول لحدودها البرية والجوية والبحرية ـ عصر الانفتاح وكسر الحواجز والأسوار وإلغاء الحدود ـ وإعلان حالة الطوارئ، ووقف السفر، وتعليق الأنشطة التجارية والأسواق الشعبية والمتنزهات، وتعليق الدراسة والعمل، وإلزام الناس بالبقاء في منازلهم، وإصدار التعليمات إلى الجيش وأجهزة الأمن للنزول إلى الشوارع لفرض حالة الطوارئ في عدد من البلدان، ليصبح السفر والتحرك والخروج من المنزل خطرا محدقا بالإنسان، ودول العالم جميعها في خندق واحد مهددة بفيروس وبائي أصاب أسواقها وساحاتها الصاخبة ومواقع النشاط والسياحة فيها بالشلل، وحوَّل مدنها وعواصمها إلى مدن أشباح، ومنظوماتها الاقتصادية على وشك التداعي والانهيار. فعالم اليوم إذن أمام اختبار حقيقي وتحديات هائلة لم يشهد مثيلا لها في تاريخه الحديث، فما الذي يجري؟ ومن يقف خلف هذا الفيروس القاتل والمدمر الذي لا يرى بالعين المجردة؟ هل هي مؤامرة مؤكدة؛ كون أننا في عصر المؤامرات والمصالح والقوى المدمرة، ولكن مصدرها غير معروف؟ هل هي مؤامرة تقف وراءها أميركا لتدمير القوى الصاعدة التي تهدد وجودها وتسحب البساط تدريجيا من تحت قدمها وتسعى لإنهاء مكانتها كقوة عظمى للعالم؟ هل هي مؤامرة صينية لتسريع إنهاء الوجود الأميركي المسيطر والعائق أمام بروزها وتحكمها؟ هل هي مؤامرة تشترك فيها النظم السياسية المهيمنة للتخلص من بضعة ملايين من البشر وتخفيض عدد سكان العالم الذي يتنامى بشكل متسارع، ويهدد مافيا المال والنفوذ والقوة والساسة ورجال الأعمال الذين يتحكمون في ثروات العالم واقتصاده وقراراته؟ كما يروج ويسوق لذلك منظرو المؤامرة والمؤمنون المفتونون بها، والذين يتحدثون عنها وكأنهم هم العارفون العالمون المطلعون على بواطن الأمور، ومخالفوهم سذج أغبياء مساكين يرثى لحالهم لا يفقهون شيئا في علم السياسة والمعرفة؟ وعندما نجرهم إلى حوار جاد ونقاش موضوعي لكي نستفيد من وجاهة رأيهم وما يستند إليه من حجج ومبررات وقراءات ورؤى ومعلومات، نكتشف بأنهم يدورون في فلك المؤامرة وفي ذات الدائرة المغلقة دون أن يسندوها بما يقنع الطرف الآخر المخالف لرأيهم ودون اتكاء على قوة وعمق وأصالة ما يؤمنون به من نظرية المؤامرة التي يقدمونها سببا رئيسا لكل أحداث العالم من حروب وصراعات وكوارث وأوبئة ومجاعة وتخلف وفقر وصراعات… فمن الذي خطط لابتكار هذا الفيروس وزرعه ونشره؟ هل هو دولة أم منظمة إرهابية أم جهاز استخباري أم مؤسسة علمية أم مافيا صناعة الأدوية؟ وكم من الأفراد والأجهزة التي اشتركت في المؤامرة؟ وحجم الأموال التي خصصت لتنفيذها؟ وما الضمانات الموضوعة التي تعزز عدم انكشافها كمؤامرة، وتقي من يقف خلفها من أضرارها، خصوصا إذا كانت بهذا القدر من التأثير الذي أصاب كارثته العالم أجمع؟ وهل أضحت البشرية في عالمنا بهذه الدناءة والقذارة والمستوى من الشر بحيث إنها تنشر الموت في أنحاء العالم وتدمر اقتصاده؟ وهل سيفشل عالم اليوم بما أوتي من علم ومعرفة وتقدم وتطور وتكنولوجيا ونهضة علمية من اكتشاف أن هذا الفيروس هو مؤامرة مدبرة من حكومة أو فصيل أو جهاز استخباري…؟ أسئلة كثيرة وإشكالات كبيرة وتناقضات عميقة لا نجد لها جوابا ولا قراءة ولا معالجة ولا إقناعا من قبل أصحاب المؤامرة للأسف الشديد، لكي نمضي معهم في كشف الحقائق، والكتابة أمانة والرأي مسؤولية عظيمة، يتطلبان أعلى درجات الموضوعية والمنطق والحكم والاطلاع على الحقائق، صحيح أن المؤامرة وجدت منذ أن وجد الإنسان، وهي جزء من طبيعته، لا ننكرها، والدول والقوى السياسية والاقتصادية تحقق بعضا من مصالحها، وتعمق نفوذها، وتعزز بقاءها باللجوء أحيانا إلى نسج المؤامرات وتنفيذها، ولكنها دائما ما تلجأ إلى تغليفها وتزيينها بغلاف شرعي جميل، وتكييفها لتتوافق مع نص قانوني أو واقع أو حدث أو الزج بمجموعة من الحمقى والمغفلين كما نراهم في عالمنا العربي، لتنفيذ أجنداتهم، وليس بهذه الصناعة الفجة والوباء الكارثي الذي دمر اقتصادات العالم، وقتل الآلاف حتى الآن ونشر الرعب في أنحاء المعمورة. هل هي رسالة ربانية تعبر عن غضب الله على البشرية، لأنها كفرت واستهترت وتجبرت ونشرت الفساد في البر والبحر، كما يعتقد ويؤمن رجال الدين والعلماء في كل دين وعقيدة ومذهب؟ مطالبين أتباعهم بالصلوات وتلاوة آيات من الكتب المقدسة وتكثيف الدعاء والاستغفار حتى يستجيب لهم رب العباد برفع البلاء عن البشرية، ولهم فلسفتهم ومنطقهم ورؤيتهم. هل هي نتاج أسباب طبيعية كأي كارثة ووباء ومرض آخر كما صوغ لها وقدمها العقلانيون لا تستدعي كل هذه الاجتهادات المتكلفة والقافزة على الواقع في التفسيرات والتحليلات والقراءات؟ فالأوبئة والكوارث جزء من الحياة وكانت على مر الأزمنة تصيب البشر بأسقامها وأمراضها، وتسلب أرواح الأحبة، وتخلف الدمار والكوارث في الأرض، وليس كورونا استثناء من القاعدة، فقد سبقته حديثا وقديما فيروسات وأمراض وأوبئة قتل بعضها الملايين، وهو الرأي الذي أميل إليه وأجد فيه الوجاهة والمنطق والأسباب المقنعة التي تدعمها حتى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم “إذا سمعتم الطاعون بأرض، فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض، وأنتم فيها، فلا تخرجوا منها”، وكذلك أقوال المفكرين والعلماء وأحداث التاريخ ودوراته الزمنية، ففي عام 1814، “مات نحو ثمانية آلاف شخص جراء تفشي الطاعون في بلاد الحجاز، ما أدى إلى توقف الحج”، وقتلت الإنفلونزا الإسبانية ملايين الضحايا في عام 1918 فلماذا نتجاهلها ونبحث عن سر الأوبئة والكوارث في المؤامرات والغضب الإلهي؟ والفارق بين الماضي والحاضر يبرز في حجم الانتشار الواسع والسريع للوباء وانتقاله عبر المدن والبلدان والقارات مع ملايين المسافرين الذين يتحركون كل ساعة من مشرق الأرض إلى مغربها، عكس السابق حيث يفتك بسكان المنطقة التي يتفشى فيها وينتشر ببطء في المحيط القريب فقط، كما أن تقدم العلم والطفرة الهائلة التي شهدها الطب والتواصل القوي بين العالم وتبادل الخبرات والأدوية سارع من إقرار السياسات واتخاذ القرارات التي من شأنها محاصرة الوباء والتضييق عليه والتقليل من مخاطره على الأرواح، ولا شك لدي بأن القضاء عليه بات قريبا. لقد قدم كورونا رسالة قوية إلى البشرية بأنها ليست في منأى عن المخاطر والكوارث مهما بلغته من علم ومعرفة وتقدم، ووضع العالم أمام تحديات واختبارات كبيرة يجب الاستفادة منها في مواصلة الأبحاث والتقدم العلمي، والاهتمام بصحة الإنسان، وتمويل المختبرات والمراكز والمؤسسات العلمية التي تعنى بدراسة الأوبئة والكوارث والتعرف على خصائصها والجاهزية لأي طارئ في قادم الأيام بدلا من ضخ تريليونات الدولارات على مصانع ومختبرات الأسلحة التي تفتك بالبشر. كما أبانت وسائل التواصل عن عمق تأثيرها في حياة الناس وقدرتها على تعزيز الوعي أو العكس، وأبرزت في المقابل هشاشة أو عمق المعرفة والفهم لدى الشعوب والثقافات وطبيعة الناس وتباين خصائصهم وكيفية تعاملهم في الأزمات ومدى قدرتهم على التكيف، وسرعة انتشار الأخبار والمعلومات على مستوى العالم، وقدمت أدواتها كساحة أساسية للتعبير عن المشاعر والأحاسيس وتبادل التجارب والمواقف والقصص والأحداث والمستجدات في حدث استثنائي وغير مسبوق وقف العالم كله أمام خطره وفي العمل على محاصرته والتعافي والتخلص منه، وكانت كذلك وسيلة لنشر الإشاعات وتضخيم المخاطر، وتناقل القصص والأخبار الكاذبة وكم هائل من التحليلات والقراءات والنصائح والوصفات الخاطئة خلطت الحابل بالنابل، واستهداف الدول والأفراد التي مثلت تحديا آخر أمام الحكومات إلى جانب كورونا، أما أجمل ما في وسائل التواصل فكشفها عن مواهب وقدرات أبدعت في إعداد وتقديم وتنفيذ عدد لا يحصى من النصوص والكاريكاتيرات والرسوم والفيديوهات والتسجيلات الصوتية… التي قدمت الطرفة والفكاهة والنكتة في قوالب جميلة رسمت البسمة وأشاعت أجواء التفاؤل والبهجة في عمق الأزمة والخوف والرعب والإحباط التي عاشته البشرية. لقد قدم كورونا دروسا عميقة للبشرية، نتطلع بأن يقودها إلى عالم آخر جديد يكون فيه الإنسان هو مركز الاهتمام ومحور النمو والرخاء والازدهار، تسخر التنمية والتطور والتقدم والابتكارات العلمية والتقنية للتيسير عليه، وتسهيل حياته، وتعزيز حقوقه في التعليم والصحة والحرية والعيش الكريم، وتعميق قيم العدالة والتسامح والمساواة، وكسر كل أشكال العزلة والتفرقة بين البشر ليكون الإنسان هو القوام الذي تعتمد عليه روابط الأخوة والفهم المشترك، وليس العرق أو المذهب أو الحزب أو الجنس… فهل سينجح كورونا فيما فشل فيه الإنسان سابقا في حواراته ودعواته وشعاراته وندواته ولقاءاته واجتماعاته ومؤسساته؟ هذا ما نتمناه بأن يكون كورونا هو الشر الذي ينجب الخير أو كما يقال “يولد الخير من بطن الشر”. مع أن الإنسان يشعر بالتأثر والحزن والعبرة عندما يقارن وضع مدن العالم ـ التي تستقبل وتودع الملايين يوميا ـ قبل عدة أسابيع واليوم، ويتساءل: هل ستتمكن من مداواة جروحها وآلامها واستعادة ألقها وصخبها ونشاطها وحراكها وقوتها الاقتصادية والسياحية والثقافية، فتعود كما كانت سابقا؟ أكدت أزمة كورونا كذلك أنه كلما كان اقتصاد الدولة قويا متعدد الموارد ومؤسساتها التعليمية والصحية متقدمة ناجحة تمكنت بكل اقتدار من تجاوز أزماتها الداخلية والخارجية. أخيرا كلمة شكر وتقدير ووفاء لا بد من تسجيلها وتوثيقها للتاريخ لتلك الجهود الثمينة والإنجازات الجليلة التي قدمتها اللجنة العليا لبحث آلية التعامل مع التطورات الناتجة من انتشار فيروس كورونا، وجميع مؤسساتنا الصحية صغيرها وكبيرها وكل الجنود العاملين فيها الذين ضحوا بأوقاتهم وصحتهم وسعادتهم وساعات لقاءاتهم بأسرهم في أوقات الأزمة ليكونوا على مستوى الحدث في تحمل مسؤولياتهم والعناية بكل المصابين والمحتاجين للفحص من كورونا، وإصدار القرارات والسياسات والآليات والبرامج الوقائية والتوعوية والتنظيمية، ولكل عماني ساهم بماله ووقته وأفكاره القيمة وشارك في الجهود المبذولة لمحاصرة الوباء، ولولا إسهاماتهم ما حققنا هذه النتائج الباهرة في أعداد الذين تعافوا بحمد الله من الوباء، والحفاظ على النسبة صفر في الخسائر البشرية حتى الآن على الأقل. سائلين الله العلي القدير أن يحفظ عمان وشعبها والإنسانية من كل مكروه، وأن يرفع عنا هذه الكارثة قريبا وبأقل الخسائر الممكنة.

سعود بن علي الحارثي Saud2002h@hotmail.com

إلى الأعلى