الثلاثاء 2 يونيو 2020 م - ١٠ شوال ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق : كورونا (كوفيد 19) وإنتاج مساحة الأمان

في العمق : كورونا (كوفيد 19) وإنتاج مساحة الأمان

د. رجب بن علي العويسي

كورونا ( كوفيد 19) وباء معدٍ سريع الانتشار حول العالم، أهلك البشر وأنطق الحجر، وأماط اللثام عن الأحوال، وأفصح عن واقع الإنسان، أيقظ النفوس الهامدة، وأنار العقول الخائرة، وأعاد النظر في السياسات الغوغائية المتهالكه، والأفكار المعلبة، والضمائر الميتة، مرحلة تستعيد فيها البشرية الأنفاس لإصلاح الحال وإعادة الأمل للمستضعفين والمشردين والمنبوذين والمهمشين بسبب الحروب والدمار والأحقاد والأدران، إنه يحمل في ذاته مساحة أمان وكأن واقع الحال يقول بأن هناك مساحة انتظار يحتاج أن تقفوا عليها وتتأملوا الفرص من خلالها وتقرؤوا واقعكم في ظلالها، لتقفوا على ما أنجزتم، وتعيدوا النظر فيما بنيتم، لترتبوا أوضاعكم من جديد، وتحددوا أولويات عملكم في ظل اقترابها من إنسانية الإنسان واستقرار الأوطان وأمان البلدان، وتنظروا من خلال صنيعكم إلى الإنسانية نظرة تقدير واحترام وإجلال، وتنتشلوا من قلوبكم وأفئدتكم حالة الصراع والكدر التي تلبستم بها عنوة وتصنعتم بها قسوة بغية الصعود للقمة في قاموس مفرداتكم الضيقة، لتحققوا أحلامكم الدنية وأمانيكم البائسة ليكون لكم الكبر على الخلق والعلو في الأرض والسيطرة على العالم والفردانية في اتخاذ القرار، فأثار فيكم الفزع، وأغشى عليكم الخوف، وأسدل عليكم ستار الموت، أنهك قواكم، وأضعف قوتكم، وأرجف قلوبكم، وأفصح عن ضعفكم، وأثقل كاهلكم، وضيع طموحاتكم، وأفقر اقتصادكم، وألغى لقاءاتكم واجتماعاتكم، وأجلسكم في بيوتكم خائفين مذعورين، محبوسين محرومين، فلقد حاز كورونا (كوفيد 19) على اهتمام منقطع النظير من قيادات العالم وشعوبه وبلدانه ومنظماته وهيئاته بلا استثناء، كما أحدث ركودا اقتصاديا كبيرا في اقتصادات الدول، وموازناتها العامة، سواء عبر حجم الأموال التي تم ضخها في التعامل مع المرض أو نتيجة إلزام الناس بالبقاء في المنازل، وتوقف حركة الأعمال وإغلاق الحدود بين الدول وتوقف خطوط النقل الخارجي بمختلف أنواعها وأوصافها كالطائرات وشركات النقل واللوجستيات والموانئ والقطارات والنقل العام وغيرها إلا قليلا، أو من حيث الهبوط الحاد لأسعار النفط، توقف شبه كلي لكل أوجه الحياة اليومية وآليات وأنماط التعاملات الاقتصادية والاجتماعية وغيرها بين البشر، أو في حجم وكثافة الإجراءات والتدابير الاحترازية المتخذة في التعامل معه ومواجهته بغية تبطئة وتيرة تسارع انتشاره، وغير ذلك كثير مما يصعب احتواؤه في مقال أو سبره في بضع سطور أو تناوله في منشور.
وبعيدا عن النظرة الأيديولوجية الأحادية السلبية الناتجة عن كثرة التباينات الفكرية والمعرفية والتشتت الحاصل فيها والازدواجية الناتجة عن تقصي أساس الحالة وما يحصل فيها من تأويلات وتفسيرات غير دقيقة أحيانا أو لم تجد اتفاقا عالميا حولها بدليل أن العالم كله بات يعاني من الأزمة ويتعرض للجائحة ويتكبد خسائر طائله وموارد كبيرة لتوفير مستلزمات وحلول الحد من تفشي المرض أو ابتكار أدوات ووسائل مختبرية واختراعات لعقاقير طبية في معالجة الوباء؛ فإننا نقرأ في مثل هذه الأزمات والحالات والأوبئة والأمراض حكم عظيمة وغايات جليلة سامية، وقصص وعبر أفصح القرآن الكريم عنها في أكثر من موضع على لسان أنبياء الله ورسله الكرام، ونظرة متأملة إلى الواقع ودخول في عمق الحدث ومشاهدات الواقع التي أفصح عنها الإعلام وأبرزها بكل صورها شاهد إثبات على التفاعل الحاصل بين العالم في التعامل مع المرض والجهود الساعية إلى تبطئة تسارعه، والسياسات التي التزمتها والقرارات التي اتخذتها والتوجهات التي ابتكرتها والبدائل التي أنتجتها والإجراءات التي طبقتها وسيناريوهات العمل التي رسمتها والخطط الإجرائية والتشغيلية التي عملت على تنفيذها والوقوف عليها وحالة التضامن والتكاتف الحاصلة بين القيادات والشعوب والمؤسسات والقطاعات، والشفافية التي أبدتها دول العالم في وصف مستجدات الحالة من حيث الإصابات الجديدة، وتلك التي تماثلت للشفاء وأعداد الوفيات بشكل يومي وعبر تطبيق يحدث بصورة مستمرة تشرف عليه منظمة الصحة العالمية للمزيد من الوعي العالم بمستجدات الوباء وتطوره، ما أتاح للدول اتخاذ تدابير وإجراءات اتسمت بالوضوح والقوة والشمول في مسار الضبطية والتقنين، ووفرت التشريعات والقوانين التي تضمن التزام مواطنيها والقاطنين فيها بإجراءات الأمن والسلامة والصحة العامة وإجراءات الحجر الصحي المنزلي والحجر الطبي، وتعزيز ثقافة التباعد المجتمعي بما يقلل من انتشار المرض بين السكان، ومراقبة آليات التعاطي مع القرارات والتعليميات والتوجيهات والالتزامات الصادرة من جهات الاختصاص ولجان العمل المشكلة في متابعة مستجدات المرض، مع زيادة الاهتمام بالنشاط الإعلامي والتوعية والتثقيف الصحي، وتعزيز المنظومة القيمية والأخلاقية الصحية التي تعبر عن هوية المجتمعات وثقافتها وانتماءاتها الدينية والفكرية وعبر نشر العادات الصحية، وترقية السلوك الإيجابي وتعميق روح المسؤولية في تكوين شراكة وطنية مجتمعية مسؤولية يشعر فيها الجميع بالالتزام والوقوف عليها وتطبيقها ليصنع منها قدورة في السلوك والتزاما يمشي على الأرض، وهي موجهات أو أطر وجدت في الالتزام بها مساحات لتحقيق الأمان في المجتمع وتقليل هاجس الألم والخوف والذعر، وعبر زيادة الفرص للحد من تسارع انتشار المرض بين السكان.
عليه، يمكن القول بأن كورونا (كوفيد 19) قد أعاد العالم إلى إنسانيته، وأرجعه إلى توازناته، وأطر له مساحات أفضل للالتقاء عبر الشعور بالهاجس نفسه، هاجس الاحتياج للآخر، والمسؤولية نحوه، والتكامل معه، والتضامن من أجله، وتقوية مشتركات العمل بينه، والاستفادة من المؤتلف البشري والمشترك القيمي في صناعة عالم متجدد، يتفاعل مع طموحات الإنسان ورغباته بطريقة تحفظ له إنسانيته وتضمن له وضوح المسار في ظلال القيم والأخلاق والمبادئ الحضارية التي تحفظ نسيجه الاجتماعي والإنساني مع مراعاة خصوصيته وثقافته دون اختلاس لها أو سلب لحقوقها، بما يجنبه الخلل ويقيه عقدة الانزلاق والسقوط، فيكون الاهتمام المشترك والعمل الجمع الذي تتناغم فيه الأفكار والابتكارات والموارد والتسهيلات والاكتشافات والدعم والشراكات شرعة ومنهاجا ورابطة تجمع قيادات العالم وشعوبه، وعندها سيكون الناتج أقوى أثرا وأصدق فعلا وأنضج عملا، فيتجه العالم إلى العقلانية والإنسانية؛ إذ يجد في كورونا محطة لإنتاج مساحات الأمان، وتوفير فرص نموها ونهوضها في حياة الإنسانية، إنه إعادة لحياة الضمير وتصحيح الذات وتوجيه الممارسة وصناعة فرص التجديد والابتكار والعمل المشترك من أجل عالم يسوده السلام وتعيش شعوبه حياة العيش المشترك والوئام الإنساني، فيظهر ذلك عنوانا لمرحلة جديدة وواقع جديد يصنعه كورونا يظهر في استقامة غاياته وسمو أدواته ورقي تعاملاته وتناغم أجندته وتقارب أولوياته وانسجام مشاعره وتفاعل منصاته؛ إذ يصبح كله مهموما بالبحث عن إجراءات محددة وأدوات مقننة، ويوجه جهده لزيادة مستويات الابتكار والبحث العلمي والاكتشاف والاختراع والتجريب من أجل الحد من انتشار الفيروس ووقف ذلك من خلال إنتاج العقاقير الطبية والعلاجية والأدوية والمعقمات، وغيرها كثير مما يعزز من دور مؤسسات التعليم العالي والجامعات ومراكز البحث العلمي والمختبرات العلمية والطبية، وفي الوقت نفسه يجند قدراته في المجالات الأخرى الاقتصادية والاستراتيجية ما أمكن لذلك سبيلا.
لقد أفصح كورونا عن توجهات جديدة بدأ العالم أجمع يعيها ويصنع لها حضورا في منصاته السياسية والإعلامية والإحصائية والمعلوماتية والاجتماعية، فبدأ بتبني سياسات تتسم بالمصداقية والشفافية والوضوح، فهو اليوم في ظل هذه الأوضاع التي تشهدها بلدانه أكثر صراحة وشفافية ووعيا ومسؤولية وصدقا وعدلا وموضوعية في الإعلان عن واقع المرض ومستجداته، سواء في أعداد الإصابات الجديدة، وأعداد الوفيات، أو الحالات التي تماثلت للشفاء والحالات المستعصية، كما أن العالم أجمع يشهد تناغما محموما بين بلدانه في التعبير عن حجم الكارثة ووصف الحدث وتأثيره على الاقتصاد والتجارة والنقل والسياحة وقطاعات الإنتاج والخدمات الأخرى، وبدأ العالم يشهد اهتماما كبيرا منقطع النظير بالكادر الطبي المساعد في المستشفيات والمراكز الصحية والمجمعات الطبية وغيرها، واستمر الحديث عن ما يقدمه الطاقم الطبي من جهود نوعية إنسانية وتضحيات في سبيل أداء رسالتهم ويعانونه من تحديات وما يستدعيه وجودهم من التزامات واستعدادات مستمرة في الحالات الطارئة، وبدأوا يؤدون أدوارا استثنائية لا تقل عن مسؤوليتهم الطبية، وعبر رسالة التوعية والتثقيف وصناعة النماذج الإيجابية في الاعتناء بالنفس وتطهير المكان وتعقيمه ومراعاة نفسيات المصابين والتخفيف عليهم، وتغيير قناعاتهم وتصحيح المفاهيم المغلوطة في المجتمع حول المرض وانتشاره، وترسيخ التفاؤل والإيجابية وحب التغيير والتجديد، وإعادة تصحيح المسار وتنظيم وتقنين آليات التعامل مع متطلبات الحياة اليومية والوقوف بوعي ومهنية في التعاطي مع العادات والتقاليد وغيرها.
كما رسم كورونا (كوفيد 19) مسار التحول في مؤسسات التعليم والبحث العلمي والابتكار وريادة الأعمال وشركات الإنتاج والتصنيع ومختبرات التقنية والطب والصيدلة والصناعات الدوائية وإنتاج اللقاحات؛ ووضعها أمام مرحلة تحمل العمق والمهنية والبحث، كما تحمل التفكير خارج الصندوق والعمل الجمع المعزز بروح الإيجابية وصدق المسؤولية، تستدعي منه البحث عن مستلزمات وإنتاج حلول عملية في مجالات الطب والصيدلة والصحة العامة والاكتشافات والتجريب المخبري في المستشفيات، ليعطي هذا المجال المغيّب في فترات سابقة بالرغم من تزايد الأمراض الفتاكة التي عصفت بالبشرية وما زالت كالإيدز والسرطانات وأمراض الضغط والسكر وغيرها كثير، ليظهر على السطح من جديد إيذانا بتحولات قادمة لإعادة إنتاج النسق الصحي والطبي وزيادة مستوى التنسيق والتعاون والتكامل الدولي في إشاعة هذه الاكتشافات، وإنتاج اللقاحات وضمان وصولها إلى كل دول العالم وبأسعار تنافسية مناسبة وتعزيز التشريعات والقوانين الداعمة له بين الدول، ودور محوري قادم لمنظمة الصحة العالمية كمرجعية دولية في رسم ملامح هذا القطاع وتأصيل القيم العالمية والأخلاقيات والمفاهيم اللازمة لنجاحة، وتعزيز حضورها في استراتيجيات الصحة العالمية والشراكات ذات العلاقة، وهو أمر سيكون له أهميته الكبرى على مستوى العالم واهتمام الدول النامية أو الأقل تطورا بابتكار معالجات طبية وإنتاج أدوية وزيادة المصانع الدوائية لمساعدة العالم على إنقاذ ما يمكن إنقاذه من هذه الأمراض، وبالتالي ما يتوقع أن يشهده العالم من تحولات إيجابية في سبيل تبادل الخبرات والتجارب والعقاقير الطبية وسهولة تداولها بين العالم في ظل استشعار المجتمع الدولي لإنسانيته والتزامه بحقوق الشعوب في الحصول عليها، وزيادة مستوى الشراكة والتنسيق والتكامل بين الدول في سبيل زيادة حجم هذ التناغم والحصول على هذه المعدات الطبية وتداول انتشارها في العالم، ناهيك عن إعادة توجيه وتطوير وتحسين آليات العمل في منظمة الصحة العالمية بالشكل الذي سيضمن تحولات إيجابية في معطيات الدور القادم واليات التعامل مع الأوبئة والجوائح المرضية.
وإن قراءة مبسطة لما أنتجه كورونا (كوفيد 19) على المستوى الشخصي كفيل بإدراك مساحة الأمان والإيجابية التي عززها في حياة الإنسانية وعبر إعادة تصحيح المسار لإنتاج نمط حياة يومي يتسم بالبساطة والأريحية وعدم التكلف والبعد عن المكملات الأخرى غير الضرورية في حياة الإنسان اليومية أو يتم التعامل معها من باب الاستجمام والتنعم أو العيش خارج جلباب المنزل وتحمل المسؤولية، وهو نظام حياة يتكيف مع متطلبات الأزمات ويتجاوب مع الظروف والأحوال، ويعبر عن حس إنسان ومشاعر مواطن، وقناعة تحمل في ذاتها عبق القيم وسمو الأخلاق، ومقاومة الظروف والمتغيرات بإرادة صلبة وعزيمة لا تلين أو وتهيئ المواطن للتعامل مع الأزمات في المستقبل، ويتعاطى معها بكل أريحية ومهنية وإدراك لعواقبها وفهم لمتطلباتها، وما يعنيه ذلك من فرصة مناسبة لتهيئة الأجيال في قادم الوقت في التعامل مع هذه الظروف والأحوال، وبالتالي فهي بمثابة إعداد المواطن لمراحل أخرى قد تكون أصعب من هذه المرحلة والتي يمتلك المواطن فيها رهان الإنجاز وأدوات تحقيق النجاح وضمان القوة في التعامل معها والتكيف مع ظروفها. إنها فرصة لحياة الاستجمام في المنزل والاسترخاء في كنف العائلة والشعور بقيمة وجودها في الحياة، فرصة ليقول الجميع شكرا عائلتي على صبرك وتحملك، لذلك كان كورونا مدخلا لمقابلة هذا العطاء الأبوي بتعميق سلوك التقدير والإرادة والحافز وحب الإنجاز لدى الأبناء والبنات احتراما للعائلة وإمعانا في كريم عطاء الوالدين وحجم ما يبذل في سبيل الحياة والأمل والأمان، بما يؤصل في ذات الأبناء هذا الحس الأبوي وما تقدمه العائلة لهم من ممكنات وإمكانات وتربية ومتابعة ودعم وتطوير، وبيئة أسرية داعمة للسعادة والأمان الأسري ورسم فرحة النجاح وتقدير الإنجاز وتوليد الفرص وما أكثرها في احتواء المنزل وبيئته، داعمة لسلوك التميز والبحث، وهو في الوقت نفسه مساحة أمان لإعادة ترتيب البيت الداخلي بكل محتوياته وعناصره وممكناته في تعزيز خيوط التكامل والحب والود والحنان والتعايش من حيث، العلاقة الزوجية، العلاقة مع الأبناء، والعلاقة بين الأبناء، والتعايش الفكري معهم، والتصالح المعرفي مع ذواتهم، وبناء علاقات الصداقة التي تحتويهم وتؤسس لهم فرص صناعة المستقبل، مدخل لمزيد من النقاش والحوار والحديث في شجون كثيرة وأحداث كثيرة تستعيد به الذكريات وأيام الأنس والليالي الجميلة بصحبة العائلة في الأيام الخوالي، فرصة لالتقاط الأنفاس في جلباب الأسرة وقراءة أين كنا؟ وأين نحن اليوم؟ وماذا ينقصنا؟ وماذا نحتاج؟ استراحة حياة بعد عناء البعاد والفراق وكثرة الخروج وضياع الأوقات، تلك الأوقات التي عززت من أنانية الذات على حساب الأسرة، ووجهت لصالح الذات مع الأصدقاء والأصحاب والأعمال، ليؤسس كورونا مرحلة تتجذر فيها علاقة الفرد بمنزله وتربطه برباط الانسجام الروحي والتعايش النفسي الذي يطبع على كل أروقة المنزل، ليبقي كورونا خط التواصل مستمرا والتكامل محمودا وأبواب الحوار مفتوحة معززة بصوت الهدوء واستغلال الفرص والإحساس بقيمة عيش الأسرة في حضن ولي الأمر من أب أو أم أو كليهما، مساحة أمان واسعة لإعادة إنتاج الحياة والبحث عن فرص أكبر للهدوء ومساحات للانتظار والتأمل، بعد حياة مملوءة بالصخب والضجيج، والتسارع والاستعجال في عالم يتسم بالتغيير وشدة التسارع والتحول فيه، ليجعل منه كورونا مساحة لإيقاف الاندفاع السلبي لهذا التسارع، وتقليل حركته وتقييد ثورته ليفكر العالم في نفسه، ويبقى خيط التواصل مربوطا بإنسانيته، ويقف أمام مرحلة خطيرة وواقع عليه أن يتدارك فيه نفسه ويؤصل فيه علاقات التسامح والتكامل.
لقد أنتج كورونا مساحات أكبر للأمان يستنطق بها العالم قيمه وأخلاقه ومبادئه، مساحة للبحث والتأمل والتفكير والتبصر ليشكل كورونا مرحلة حياتيه تجديدية تطويرية بكل تفاصيلها وظروفها ومتطلباتها ومستلزماتها في إعادة صياغة انطلاقة جديدة للإنسان في التعامل مع مستجدات الحياة وظروفها وما حمله كورورنا من ظروف صعبة وأوجده من تضييق في العيش والتواصل المباشر بين البشر، ليقبله الناس بروح رضية وفهم واع ورؤية دقيقة وقراءة معمقة لمتطلبات النفس في ظل موازين الواقع وتعاملات البشر، بما يمنح الإنسانية قوة الإرادة ومنهجية التغيير، ويبصرها بحقيقتها وضعفها وحاجتها لبعضها، وبأسلوب العمل القادم الذي عليها أن تفعّله وتصنع له منصات التواصل ليتناسب مع طبيعة هذه الحالة ومعطياتها ويتوافق مع مستجدات القرارات والإجراءات الاحترازية المتخذة بشأنها لضمان الحيلولة دون انفلات الأمر واتساع رقعه المرض وزيادة أعداد المعرضين للإصابة به في المجتمع، وليقلل من حجم العثرات الناتجة منه وتأثيراته السلبية على حياة الإنسان واستقرار أوضاع الأوطان، وبما يتناغم مع نوعية البدائل التي تحتاجها هذه العمليات في التعاطي مع المرض وفق الظروف والإمكانات والموارد المتاحة، والمؤثرات أو خيوط التأثير المساهمة، والتعامل معها بروية واتزان، وإدارة الواقع بطريقة تبقى مشترك الفهم ممدودا وحبل التآلف مشدودا، بما يجعل من مساحات الأمان التي يضعها أمامه فرصة لإعادة تقييم مداخل العمل وموجهات الممارسة التي تتم نحو تجاوز المحنة وغياب الشدة وانحسار الغمة، ومنطلق يجنِّب الإنسان حجر العثرة عندما لم يتقيد بالتعليمات أو يتدارك المعطيات أو يتساهل في الالتزام بالعزل المنزلي وبما يردعه عن الوقوع في المحظور من الممارسات والتعدي على حق نفسه وحقوق الآخرين بكسره لحاجز المسؤولية وتعطيله للواجبات والالتزامات التي تجنبه مصارع السوء وتبعده عن مزالق الشطط، لتبقى مساحات الأمان التي يؤمن بها عقيدة اجتماعية وسلوكا إيمانيا راسخا ببقائه في المنزل واتباع الإرشادات الصحية والتعليمات الواردة من جهات الاختصاص والعمل بقرارات اللجنة الوطنية العليا المشكلة في التعاطي مع كورونا، وأخذه بها مأخذ الجد والاهتمام والتطبيق والتنفيذ، والشعور بالمسؤولية المترتبة على التزامه بهذا الواجب ليصنع من نفسه قدوة، وعندها يستشعر الغاية التي من أجلها التزم والهدف الذي في سبيله عمل، والسلوك الذي بسببه ارتقى، تعبيرا عن شعوره الصادق بقيمة هذا الفعل، وأهمية هذا الإنجاز الذي عكف على تحقيقه وحرص على تنفيذه وآمن بالقيمة المضافة التي يحققها في أثناء التزامه بكل التعليمات والسعادة التي تتحقق بتفريج الكربة وزوال الغمة ورجوع الأمور إلى نصابها والأوضاع إلى طبيعتها وزوال هاجس القلق والخوف ليستبدل به حياة جديدة ملؤها التفاؤل والثقة واليقين والرضا والشعور المتقد الذي يصقله الخلق ويحتويه الايمان، وأنّ تحقيقه لهذا الأمر وتجسيده في سلوكه واقعا ملموسا سوف يضيف له وللآخرين من حوله ـ أسرته وأصدقائه وزملائه ومجتمعه وغيرهم ـ أبعادا متجددة في حياته وحياتهم الشخصية والمهنية، تنقله إلى قيمة الالتزام في الحياة وأهمية الضبطية في السلوك، وقيمة الاتزان في التعاطي مع متطلباتها، بما يسرّع من تخلصه من هذه الآفة وانحسار هذا الوباء وزوال هذه الجائحة.
أخيرا يبقى كورونا محطة تقييم ومراجعة يقف فيها العالم على إخفاقاته وفشله وضعفه أو جبروته وقوته وانتصاراته ليصنع منها مرحلة تحول في معادلة التغيير وإدارة الموازين، وتغيير وجه العالم في وحشيته وقسوته ولا إنسانيته، ونفوق أخلاقه إلى مرحلة أخرى يسترجع فيها ممكنات القوة ويؤطر خلالها مدخلات التغيير ويفصح فيها عن واقعه وعبر جلد الذات ولغة المسؤولية وتأنيب الضمير ورقي الشعور والإحساس بما يحتاجه العالم من فرص تختبر مدى صلاحيته، وتقيم مدى واقعيته، وتقرأ ما يحمله من طموحات وأولويات لنهضة أخلاق العالم وإعادة ترتيب موازين القوة، واختبار منصات التعامل وما يمكن أن تقدمه من دعم ومساندة مراعية لإنسانيته واعترافا بكرامته، وهو المعني الذي يجلي الصدأ ويثلج الصدر ويؤسس لمسار القوة في تجاوز مخاطر هذه الجائحة والوقوف على التعليمات بإرادة صلبة، وحكمة بالغة وعزيمة لا تلين وإصرار راسخ وتضحيات جليلة.. حفظ الله عمان وسلطانها وشعبها وسائر بلاد العالم.

Rajab.2020@hotmail.com

إلى الأعلى