الجمعة 29 مايو 2020 م - ٦ شوال ١٤٤١ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / رواية ” ظل هيرمافروديتوس” .. الباحث عن هويته الهارب منها
رواية ” ظل هيرمافروديتوس” .. الباحث عن هويته الهارب منها

رواية ” ظل هيرمافروديتوس” .. الباحث عن هويته الهارب منها

طرقت الرواية العربية أبواب الهوية وتركته مفتوحا على مصراعيه في ظل تعدد أسئلتها وأشكالها وأبعادها لكن أن يوصد الباب على هوية الجنس (ذكر/ أنثى) فهذا حدث يجب الوقوف على عتبته قليلا وتناوله بشيء من القراءة.
في رواية ظل هيرمافروديتوس للعمانية بدرية البدرية تعيش أنت كقارئ في ظل شخصية تصارع من أجل اكتشاف معالم أنوثتها التي لم تظهر يوما منذ لحظة ولادتها إلى لحظة ذهاب أنوثتها للأبد. سعاد التي صارت سعيدا بعد حياة مليئة بالقسوة؛ قسوة الأب والمجتمع، قسوة الذات والجسد، قسوة الحب والرحيل، قسوة الوجود في المكان والزمان غير المناسبين. تختلج فيك مشاعر مختلطة وأنت تقرأ هذه الرواية بين مساندة سعاد الباحثة عن أنوثتها الضائعة في جسد يحمل صفات الرجولة وعتابها على بعض قراراتها والحنق على مجتمعها القاسي والجاهل في نفس الوقت. تكرهها حين تقرأ أنها قتلت أمّا وضعت لتوها طفلتها لأنها لن تتمكن من أن تكون أمّا يوما، وتعود لتحبها لائما نفسك بعد أن تكتشف أن تلك اللحظة من الخيط السردي لم تكن إلا خيالا. تلومها عندما تركت حبيبها حمد وتعذرها عندما تكتشف أن جسدها الذكوري لم يكن ليتقبله. هكذا تلعب الكاتبة مع القارئ لعبتها السردية، تقلب مشاعرك وتنتقل بك عبر الأمكنة التي أنصفت سعاد مرة وظلمتها مراتٍ عدة.
تتخلى سعاد أخيراً عن هويتها الأنثوية لتعود إلى حقيقتها الذكورية في جو مشبع من الصراع مع الأسرة والمجتمع والدين، وقبل ذلك الذات، وصراع آخر مع الشوارع والأشجار والجدران التي تسلقتها طفلة ولم تتعرف عليها عندما أصبحت ذكرا. فهل ستبدأ صفحة أخرى من المعاناة لسعيد؟ هذا ما تركته الكاتبة لقارئها. تخيل جزء ثان للرواية يجعل فيه سعيد منتصرا أو خاسرا، منتقما أو مسامحا، باقيا أو هاربا، بعد أن هرب من جسده، ومكانه، وأبيه الذي لم يتعرف عليه بعد تحوله.
تقترب الكاتبة من حياة الممرضين والممرضات التي لم نتعرف عليها في الحقيقة، بحجم تعرفنا عليهم كأدوات في المشافي تقوم بدورها بصمت ولا تتحدث إلا بلغة رسمية، لغة غير لغتنا في أغلب الأوقات، أما ما يحدث خلف الكواليس فقد تكفلت الرواية بإبراز جزء من الحالات الإنسانية لهذه الفئة. كما استطاعت الكاتبة تأثيث لغتها بمختلف المصطلحات العلمية الطبية التي تنم عن اجتهاد كبير من قبلها فضلا عن مجموعة من مصطلحات الهرمونات التي تعيش داخلنا وترافقنا في الحياة ذكورا وإناثا. كما مررت الكاتبة بعض القضايا السياسية كالقضية الفلسطينية وقضية سجناء الرأي.
“ستة وعشرون عاما بلا جسد وكأني أرتدي ثوبا باليا على عظام نخرة، الجسد الذي يراه الجميع لا ينتمي إلي وإن أسموه باسمي”.

حسن الهنائي

إلى الأعلى