الجمعة 5 يونيو 2020 م - ١٣ شوال ١٤٤١ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / “حكمة سام” .. لحمدان الحجري
“حكمة سام” .. لحمدان الحجري

“حكمة سام” .. لحمدان الحجري

رؤية لفهم عميق في مقاربة النفس البشرية وتلمس احتياجاتها الفطرية
كتب ـ خميس الصلتي:
يأتي المترجم حمدان الحجري ومن خلال كتاب “حكمة سام”، الذي قام بنقله من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية، والصادر عن دار باز للنشر، برؤية مغايرة، حيث التفاصيل الدقيقة بالشأن الإنساني التي طالما تمحورت حول الطفولة، والمتمثلة في التأمل والأخذ بمفاهيم الحياة من زوايا متعددة، هذا الكتاب يستعرض ذكريات مؤثرة من حياة المؤلف د.دانيال جوتليب الشخصية والمهنية كمعالج أسري ..

احتياجات فطرية
في هذا الإطار يشير المترجم حمدان الحجري إلى السبب الذي دعاه إلى ترجمة كتاب “حكمة سام”، وما حفزه للإلتفاف حوله، ولغته ومدى التأثير الذي شكله إيجاباً على القارئ وهنا يؤكد: ما أعجبني في كتاب “حكمة سام” لمؤلفه د.دانيال جوتليب عندما اطلعت عليه للمرة الأولى، أنه وبالرغم من بساطة لغته وسلاستها إلا أنه كتاب عميق في مقاربته للنفس البشرية وتلمس احتياجاتها الفطرية والتي قد يفوتنا ملاحظتها في حياتنا اليومية. أيضاً، الكتاب لم يخْلُ من الدعابة والفكاهة والتي تمثلت في مواقف جمعته بحفيده سام وأخرى من حياته الشخصية والمهنية كونه معالجاً نفسياً وأسرياً. بالإضافة إلى ذلك كله لا يستهدف هذا الكتاب فئةً عمرية أو تخصصية معنية، وإنما هو موجهٌ للجميع بلا استثناء، ومن هنا جاء اختياري لهذا الكتاب ليكون أول كتابٍ لي أترجمه إلى اللغة العربية. ويضيف المترجم الحجري: أما عن مؤلف هذا الكتاب، فهو الدكتور دانيال جوتليب، أميركي الجنسية، تعرض في عام 1979م وهو في سن الثالثة والعشرين لحادث مروري أصيب على إثره بالشلل الرباعي. للدكتور جوتليب مؤلفات عدة لقيت اهتماماً واسعاً على مستوى العالم، ومنها كتابا “رسائل إلى سام” و”التعلم من القلب” اللذان سبق أن ترجما إلى اللغة العربية، وفي هذا الكتاب، حاول المؤلف بإحساسه المرهف وتواضعه الجم أن ينقل لنا الحكمة التي تعلمها من حفيده الصغير سام، الطفل التوحدي ذي الثمانية أعوام عند صدور هذا الكتاب بلغته الإنجليزية، وكذلك التحول الذي طرأ على علاقتهما من رسائل مباشرة كان قد وجَهها الجد إلى حفيده في كتابه السابق “رسائل إلى سام” عندما كان سام ما يزال في الرابعة من عمره. وعن هذا التحول تحدث الدكتور جوتليب في توطئته لهذا الكتاب قائلاً ” وبمرور الأيام والأعوام، مرَّت علاقتنا بتحولات عديدة لعلَّ أجملها على الإطلاق عندما أصبح سام هو المعلم وأنا التلميذ.”

ماهية الكتاب

وحول تشكل ماهية الكتاب كونها في نطاق السير الذاتية المؤثرة والمؤثثة بالوجدانية إن صح التعبير، يشير الحجري إلى ما وجده في ذات المؤلف المتمثلة في الجوانب النفسية والسلوكية وأثر تواصلها وتأثيرها المباشر مع الحفيد سام وهنا يوضح : يمكنني القول إنه لو لم يعانِ الدكتور جوتليب كثيراً بعد اصابته بالشلل الرباعي الذي نسف كثيراً من أحلامه، ولو أنه لم يغرق في دوامةٍ من الحزن والاكتئاب من جرَّاء ذلك، ولو أن نظرته لنفسه لم تتلقَ ضربةً قاسية جداً قضت على ما كان متماسكاً منها حتى ذلك الوقت، لما أحسَّ بالحاجة الماسة لأن يعيد ترميم ذاته بنظرة أخرى للحياة هي أكثر عمقاً وتبصراً، نظرةً جديرة بأن تبعث في نفسه الأمل من جديد لعيش حياةٍ أكثر فرحاً وسعادةً ويكون فيها سبباً في مساعدة الآخرين ممن لم يسعفهم الحظ في الوصول إلى ما وصل إليه من فهمٍ وإدراك لكثير من أسرار الحياة السعيدة. ومن هنا أمكن للمؤلف أن يستشعر الألم الذي كان يمر به حفيده سام كطفلٍ مصاب بالتوحد، والحزن الذي لا مناص له منه متى تأكد له شعوره بالاختلاف عن غيره من الأطفال، ولا ريب أنه استشعر المسؤولية الملقاة على عاتقه بأن يمُدَّ هذا الجسر بينه وبين حفيده وأن يحاول تجنيبه شيئاً من المعاناة التي لا بد أنه سيذوق مرارتها في يومٍ من الأيام وذلك عبر رسائل قرر أن يبعثها إلى حفيده وهو ما يزال طفلا صغيرا، كما سبق وأشرت، خوفاً من أن يدركه الموت فجأةً ولم يترك له شيئاً يعينه على تجاوز ما قد ينتظره من تحديات في القادم من حياته. لكن لم يكن ليخطر ببال الجد أن تنقلب الأدوار بينهما بعد بضع سنين فقط ويغدو التلميذ هو الأستاذ. وهنا يطلُّ علينا الدكتور جوتليب بهذا الإصدار ليشاركنا الحكمة التي استشفها من حفيده الصغير والتي هي متاحةٌ لنا نحن الكبار متى ما احترمنا الحكمة الفطرية المغروسة في أبنائنا والتي يبدو أننا أضعناها بمرور الأيام.

طفل توحدي

وحول فصول الكتاب حيث يشعر القارئ بذلك الوعي غير المنقطع الذي يؤكده المؤلف دانيال جوتليب وفهمه العميق بخبايا الطفل التوحدي سام. يقول المترجم عن أهم الرسائل التي قد تشكل فارقاً واضحاً في هذا الوعي: كما يقولون إن أمكنك فهم ذاتك، أمكنك فهم الآخرين. وعلى ما يبدو أن الدكتور جوتليب الذي أمكنه أن يُلملم شتات نفسه بعد كل ما جرى له، كان الأقدر من بين الآخرين على استشعار معاناة حفيده والأكثر تفهماً لمشاعر العجز واليأس التي لا بد أن تغزوك عندما تجد نفسك مختلفاً عن كل من هم حولك. ولعلَّ هذا التفهم والتعاطف مع سام هو ما فتح له الباب أمام حكمة هذا الطفل الصغير –والأطفال جميعاً لا استثناء – والتي كانت موضوع فصول كتابه هذا. ومن الرسائل العميقة المهمة التي تُدلل على استبصار المؤلف دانيال جوتليب بحكمة حفيده سام والتي سعى لأن يُبرزها لنا في فصول الكتاب: أهمية العفو والأمانة والتي تناولها في الفصل الأول من الكتاب “أسامحك ولكن قليلاً”، وأهمية تقبلنا لآلامنا وأحزاننا وعدم مقاومتنا لها في فصل “جميعنا معاً”، وأهمية تحرير النفس مما ألفناه وأعتدنا عليه في الفصل الذي حمل عنوان “أنا ثيٌ مختلف” (يقصد شيء)، ورسائل أخرى مهمة توزعت بين ثنايا هذا الكتاب.

انفعالات وسلوكيات

ولكن .. لم يكن سام طفلا توحديا، له انفعالاته وسلوكياته المتناقضة، هل كان المترجم حمدان الحجري يتوقع أن يكون هناك كتاب موجه لسام من قبل جده المؤلف دانييل جوتليب؟ هنا يضيف المترجم: حقيقةً يصعب عليَّ الإجابة على هذا السؤال، ولكن لا شك أن معاناة سام من التوحد والتي انعكست جلياً في انفعالاته وسلوكياته المتناقضة قد ألهبت نار التعاطف بداخل جده، وهو الذي عانى ما عاناه في حياته، ولا شك أنه أراد أن يخفف عن حفيده وطأة ما قد يلاقيه في هذه الحياة من صعاب، كطفلٍ له انفعالاته وسلوكياته غير المتوقعة، والتي قد لا تتناسب مع ما فرضه المجتمع على أفراده من قواعد وسلوكيات، ولربما أحس أنه من الواجب عليه أن يوصل صوت سام وكل من هو مثل سام إلى هذا العالم المتسارع والمتغير ليفتح بذلك عيوننا وقلوبنا أكثر لهذه الفئة، لا لأجلهم فقط بل ولأجلنا أيضاً إذ أنهم – وبحسب قوله – ينظرون إلى العالم بأعين مختلفة عن تلك التي يراه بها الكثيرون منا.

حاجة القارئ

وفيما يتعلق بحاجة القارئ العربي بحاجة إلى مثل هذه الإصدارات، وما إذا كنا نفتقدها حقاً يقول المترجم حمدان الحجري: ما أستطيع قوله هو أن القارئ العربي بحاجة لمثل هذه الإصدارات لأنها في الحقيقة قليلة جداً في عالمنا العربي، وهنا أرجو ألا نخلط بين كتب التنمية الذاتية التي تهدف في كثير منها إلى تحقيق السعادة من خلال مراكمة الإنجازات والمكاسب والتي قد لا تحقق لنا السعادة الحقيقية التي ننشدها، وبين هذا النوع من الكتب التي تسعى إلى مساعدتنا في تحقيق السعادة من خلال التخلي وعدم التعلق بالأشياء سواء كانت تلك الأشياء إنجازات أو قناعات أو حتى رغباتٍ معينة.

واقع الترجمة الأدبية

وحول كيفية تلمسه لواقع الترجمة الأدبية في عمان خصوصاً يقول الحجري: هذا يتطلب إلماماً تاماً بكافة الترجمات الأدبية التي أنجزها مترجمون عمانيون، والحقيقة أنني لا أزعم هذا الاطلاع الشامل، ولكنني وقفت على مجموعة من الترجمات الأدبية وحقيقةً كانت مميزة ورائعة، ومن بين هذه الترجمات ترجمة الأديب العماني محمد عيد العريمي لرواية “مزرعة الحيوان” للروائي العالمي جورج أورويل، وعقدت مقارنةً بينها وبين ترجمةٍ أخرى أنجزها مترجم عربي ضِمن دراسةٍ أعددتها بهذا الشأن. والحقيقة كشفت لي تلك الدراسة أن محمد عيد العريمي كان معنياً إلى حد كبير بالجانب الأدبي والجمالي في ترجمته ولذلك لم يتقيد حرفياً بما جاء في الأصل الإنجليزي وانما كانت لديه القدرة على أن يُقدم ما يكافئ تلك العبارات الإنجليزية بما يقابلها في اللغة العربية من تراكيب وأساليب أدبية راقية. كذلك الترجمات التي أنجزها مترجمون عمانيون شباب كانوا ما يزالون في مرحلة الدراسة بجامعة السلطان قابوس وقاموا بنشرها في كتابيّ “الساذجة: قصص من الأدب العالمي” و “لعبة اليانصيب: قصص من الأدب الأمريكي” والتي في الحقيقة أتصفت بالجمال والسلاسة ونمَّت عن لغةٍ أدبية راقية. وعموماً الترجمة الأدبية هي جزء من عموم حركة الترجمة، ويمكنني القول بأنها أخذت تنشط أكثر في السنوات الأخيرة، ولكنها قطعاً مازالت تحتاج إلى دعم وتشجيع لتخطو خطواتٍ أوسع وتغطي نتاجات عالمية مهمة ينبغي أن يطلع عليها القارئ العماني والعربي أيضاً.

وحول القادم من أعماله يشير المترجم الحجري: ليس هناك الآن ما أعمل على نشره وإن كانت هناك العديد من الكتب المهمة في هذا المجال والتي أتمنى أن تتاح لي الفرصة لترجمة بعضٍ منها.

إلى الأعلى