الأربعاء 27 مايو 2020 م - ٤ شوال ١٤٤١ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / الأدب والكتابة في زمن “كورونا” .. ما يراه الكاتب العماني

الأدب والكتابة في زمن “كورونا” .. ما يراه الكاتب العماني

سعيد السيابي: المثقف ابن مجتمعه وبيئته والعديد منهم شارك بحملات توعوية للحد من هذه المخاطر

زوينة الكلبانية: هذه الأزمة أظهرت مدى هشاشة الإنسان وضعفه وأعادت صياغة العديد من العادات والمفاهيم

سعيد الحاتمي: الواقع الثقافي العماني في ظل كورونا لا يختلف كثيرا عن ما هو قبل كورونا ووضع كهذا لن يؤثر كثيرا

أشرف العاصمي: رغم سوداوية هذا الوجع إلا أنه قربنا من ذواتنا ومنحنا فرصة للتأمل وصقل الروح

أحمد الراشدي: المثقف العماني سيجد فرصته في ظل الأزمة الحالية للعزلة ولتثقيف ذاته قرائيا

عبدالعزيز العميري: القراءة هي الملاذ لكل الهاربين من ضجيج هذا العالم المثقل بفيروس كورونا الذي فعل ما لم تفعله الحروب

سالم البويقي: الوقت الآن مناسب جدا للوقوف مع الذات ومراجعة الأفكار وتطويرها

استطلاع ـ خالد بن خليفة السيابي :
تراجع كل شي .. وثبط كورونا كل مفاصل الحياة وتفاصيلها اجتماعيا وثقافيا واقتصاديا .. بل كل شي، كل شي فعلا .. وأثر سلبا على سير العمل في تلك الجوانب التي كانت تشكل واقعا مهما في حياة الفرد في حياته والمثقف في أدبه وفنه، في هذا الشأن نقترب من المثقف العماني لمعرفة ما هو مقدار التأثير وكيف أثر هذا التراجع على المحيط الثقافي، وما هو التحصيل الذي جناه المتعاملون مع العزل المنزلي في عزلتهم، وما مدى التأثير على القراءة والكتابة في هذا الجانب …

إشارات مباشرة رمزية
في هذا الشأن قال الكاتب المسرحي الدكتور سعيد بن محمد السيابي: تلاحم النسيج العماني الاجتماعي مع الثقافي واضح وضوح الشمس، فالمثقف ابن مجتمعه وبيئته، يتأثر ويؤثر المحيطة، فكيف إذا كان هذا الوباء العالمي الذي أطل علينا بخبر وأصبح حديث الساعة، وأصاب بعض أفراد المجتمع، ومن خلال متابعتي وقربي الحثيث من المشتغلين في الشأن الثقافي، كانت لهم مبادرات عديدة في الصحافة، من خلال كتابة القصة القصيرة جدا والمقال، وفي جميع وسائل التواصل الاجتماعي من خلال تقديم ما كتب سابقا عن مثل هذه الأوبئة في الإنتاج الثقافي العالمي كنوع من التذكير والتذكر والتنبيه وأخذ العبر من التجارب السابقة، لهذا وجدت العديد من المثقفين شاركوا بحملات خليكم بالبيت ، والعديد من الفعاليات الإلكترونية المهمة في هذه النوعية من المخاطر.
وحول امكانية وجود نسج أدبي يتطرق حول هذا الواقع يقول “السيابي” : لا أعتقد ، ولكن من خلال ما هو موجود نعم هناك تفاعل من الشعراء وكتاب القصة والخواطر، هناك تجارب تستحق الوقوف عليها، فقد كانت لها إشارات مباشرة أو رمزية في الوقوف يدا واحدة ضد هذا الوباء العالمي، فعلى المستوى الشخصي كتبت أكثر من قصة قصيرة جدا ونشرتها تباعا على صفحتي في تويتر وهناك تفاعل مع ما ننشره من تجارب ومحاولات تنفيسية، وفيما يتعلق بالقراءة على سبيل المثال يقول السيابي: تقليص ساعات العمل أوجد مناسبة جدا للقراءة أولا، ومن ثم ترتيب المكتبة وتحديد الاولويات فيها وكتابة مشاريع كتابية جديدة أو إنجاز مشاريع سابقة، فمن رحم كل صعوبات يستطيع المثقف تطويع نفسة، خصوصا في ظل القرية الكونية الواحدة، من خلال إفادة مجتمعه والإنسانية بكتابات ملهمة وإيجابية.

الأزمة أظهرت هشاشة الإنسان
قد لا تذهب الدكتورة زوينة الكلبانية بعيدا عمّا أشار إليه الدكتور السيابي وهنا تقول: في ظل العزلة الاحترازية التي فرضها فيروس “كورونا” على المستوى العالمي، وما يتطلبه من إجراءات وقائية ثمة مساحات خضراء لممارسة الكتابة والبدء في المشاريع المؤجلة التي تتطلب الانفراد بالذات، والاستمتاع بالقراءة لقد انتهيت خلال هذه الفترة من قراءة مجموعة من العناوين الأدبية والفلسفية والفكرية، كما استمتعت بمشاهدة مجموعة من الأفلام التي تتحدث عن سير الفلاسفة والعلماء. وتضيف الكلبانية:
خلال الأيام الماضية، رصدت مؤشرات البحث على الإنترنت إقبالاً كبيرًا على شراء روايتي “الطاعون” لألبير كامو و”الحب في زمن الكوليرا” لغابرييل غارسيا ماركيز.. كما تم مناقشتهما في الكثير من وسائل التواصل الاجتماعي وإعادة قراءتهما ومراجعتهما من جديد في ضوء معطيات “كورونا”.. كما ازداد الإقبال على الأفلام التي تتحدث عن العدوى والأوبئة في ظل حالة الهلع والقلق التي تجتاح العالم.
وفي شأن حقيقة هذا الوباء تقول الدكتورة زوينة الكلبانية : هذه الأزمة عرَّت الشعوب جميعًا من دون استثناء وأظهرت مدى هشاشة الإنسان وضعفه، كما أعادت صياغة العديد من العادات والمفاهيم فأصبحت الثقافة سلوكا، والعزلة سلامة وصحة، وزاد الوعي بضرورة النظافة الشخصية وتعقيم اليدين، والإيمان بالعلم ونبذ الخرافة وأهمية المراكز البحثية الفاعلة، خصوصا تلك التي تعمل في المجال الطبي.. كما أنها أعادت تشكيل العلاقات الأسرية لتصبح أكثر حميمية وقربًا من بعض وذلك من خلال وجود الأب طوال الوقت بين أسرته، وتضاعف الإحساس بالمسؤولية الفردية والمجتمعية والالتزام في سبيل بقاء الآخر سليمًا معافى، أيضًا إعادة اكتشاف العالم من حولنا فلقد أسقط كورونا العديد من الأقنعة.

واقع قائم على الفردانية
ربما تختلف فكرة القاص والكاتب سعيد الحاتمي في شأن واقع “كورونا” وهنا يقول : أتصور أن الواقع الثقافي العماني في ظل كورونا لا يختلف كثيرا عن ما هو قبل كورونا، سواء على المستوى الفردي أو حتى على المستوى المؤسسي. لأن واقعنا الثقافي في عُمان قائم في اساسه على الفردانية والإجتهاد الشخصي من الأفراد المصابين بلوثة الأدب، وبالتالي فإن وضعا كهذا لن يؤثر كثيرا وتحديدا بالسلب أو فلنقل أنه لن يحجم من انتاج الفرد ولكنه على العكس ، ربما سيمنحه فرصة لم يكن يحلم بها كونه مجبرا على البقاء لفترات اطول بجانب كتبه واوراقه، هذه الفرصة تعني انه أصبح بإمكانه أن يقرأ أكثر ويكتب اكثر ، وعليه أتوقع شخصيا أن هناك مشاريع أدبية كثيرة ستتولد هذه الفترة.. وربما افكارا لمشاريع، فالمثقف الآن أمام فرصة لن تتكرر حيث اصبح يملك الوقت الكافي ليفعل فعلته في سيل الأفكار التي كانت تنهال عليه ولم يكن يجد الوقت لتحويلها الى كائنات كلامية على الورق.
وحول ما يمكن إيجاده من نتاج أدبي ثقافي في هذا الشأن يقول “الحاتمي”: مثلما كانت ثيمات مختلفة تسيطر على نصوص الأدب العماني سابقا على شاكلة الموت والخذلان والأساطير أحيانا إلى آخره، يمكننا أن نجد نصوصا في المستقبل طافحة بثيمة المرض والترقب والعزلة، بالتأكيد سنجد لفظ ( كورونا) حاضرا وبقوة في النصوص ما بعد كورونا، يمكن أن يحدث ذلك على مستوى الإشتغالات الفنية خارج الكتابة كالرسم والتصوير وبقية الأعمال الفنية، فوضعا استثنائيا ككورونا لم نعشه من قبل لا اتوقع انه سيعبرنا دون أن يؤثر ذلك على نوعية ما ينتجه المبدع العماني.
ويتابع “الحاتمي” قوله : اتصور أن فرصة الوقت التي منحها كورونا هي العنصر الأهم الذي حدث، فكونه حررك من الالتزامات الاجتماعية والحياتية وجعلك لا تفارق عتبة بيتك هذا بحد ذاته فرصة ما كانت لتحدث لك في الظروف الاعتيادية وبالتالي فلن تتحجج بعدها بعامل الوقت الذي لا تجده، والبقاء مع الذات ومراجعة النفس، أيضا فرصة ايجابية منحها لنا كورونا للانتباه للمتع الصغيرة التي كنا نملكها ولا نشعر بقيمتها واحدة من فضائل كورونا، فهو لم يكن كله وبالا في الواقع، بل أنه تلك النغزة التي تجعلك تنتبه إلى الأشياء الجميلة التي تمتلكها في حياتك ولم تكن تلقي لها بالا من قبل.

القرب من الذات
حول ما تم طرحه أعلاه يضيف الشاعر أشرف العاصمي : يجد المثقف نفسه في درجة عالية من درجات التجلي ومنزلة عظيمة من منازل النور، هذا النور الذي ينبعث من الداخل ليضيء مساحات كانت ظلالا، التفت كغيره من الناس إلى محيطه الضيق أكثر، وصار يتلمس فكر أبنائه لحظة بلحظة، بعد أن انغمس في عراك الحياة وصخبها الذي لا يهدأ، صار أقرب إلى ذاته وتصالح معها أكثر، بل وتعرف على عائلته الصغيرة أكثر بعد أن كان يجمعه معها نقاش عابر مساء في كل يوم منهك، بعد المشي في مناكب الأرض صباحًا، فقد صار يمارس روتين متابعة الأخبار بشكل أكثر، متلمسا أي شعاع ينبثق معلنا نهاية نفق هذا الوباء الذي أصاب أكثر من نصف مليون إنسان، هذا الشعاع المتمثل في لطف المولى واكتشاف دواء يمسح أوجاع الإنسانية، نعم بلا شك، هي مساحة لاكتشاف الذات قبل ذلك كله والإبحار في عوالم الصمت المهيبة. ‎هذا الواقع أرغم كل واحد منا إلى الإصغاء للأصوات الداخلية في روحه، وقربنا منا إلينا بعد أن كدنا ننسى ما تعنيه مساحات التأمل هذه. ‎ هذه المساحات شئنا أم أبينا مشاهد تُختزل في الذاكرة ليتم إسقاطها على أي عمل فكري أو أدبي أتى أو سيأتي.
ويضيف الشاعر “العاصمي”: رغم سوداوية هذا الوجع إلا أنه قربنا من ذواتنا ومنحنا فرصة للتأمل وصقل الروح. كما أنه خلق أوقاتا كثيرة للقراءة ومتابعة تحصيل الأبناء. وعلى مستوى أكبر ففي تصوري إن العالم قبل كورونا لن يكون هو العالم بعد كورونا على مختلف الأصعدة. فعلى مستوى التقنية برهن هذا الوضع أن الحكومات والمؤسسات بل والأفراد سيعولون كثيرا على التكنولوجيا وإنجاز العمل عن بعد من خلال خلق منصات عبرها يمكن أن تستمر حياة الإنسان على هذا الكوكب دون أن تتعطل مصالحه. وعلى مستوى تحديد الأولويات فإن أي وضع طارئ يحتم على أي فرد إعادة ترتيب أولوياته وهذا ما حدث فعلا معنا دون أن نشعر. وختاما فإن المكاسب الروحية عظيمة، من خلالها تجلت قدرة المولى القدير؛ فابتهل الناس رافعين ضراعاتهم له ليكشف هذا البلاء فتعود حياة الأمم كما كانت وينتعش اقتصادها ويعم الرخاء.

لا أتوقع كثيرا
ويقترب منا الحكواتي ومشرف مبادرة القرية القارئة بولاية سمائل أحمد الراشدي ليقول : أنا لا أشك أن المثقف العماني سيجد فرصته في ظل الأزمة الحالية للعزلة ولتثقيف ذاته قرائيا وصقل ذاته من خلال القراءة ومن خلال شراء الكتب والتعامل مع الناشرين ومن خلال بعض البرامج التي تعطي مؤشرا للقراءة، المثقف مثل برنامج كتاب أعجبني يعطي تصور على أن الكاتب العماني يبحث عن مثل هذه العزلة لكي يصقل تجربته الثقافية قرائيا، كل هذا لا أشك فيه ولكنني أشك أن المثقف العماني سيستثمر هذه الأزمة الصحية الدرامية التي تعيشها عمان والعالم، أقول ذلك من خلال تجربتي ومتابعتي للأزمات التي مرت بها السلطنة ومر بها العالم، ولم يكن المثقف العماني حاضرا وهاضما لما يمر حوله في مثل هذه الأزمات.
أضرب مثالا على ذلك أعصار جونو لقد أصابني الذهول كثيرا من تبلد المثقف العماني كتابيا، كيف لم يعبر المثقف العماني عن ما مر به في هذه الأزمة كتابيا، لقد غرقت مسقط وبعض المكتبات، ولقد حدثت أحداث درامية لا تحدث حتى في السينما، ولم نخرج من تلك الحادثة إلا بنصوص معدودة، ولا زلت أذكر نص “مدن تئن” وهي مذكرات للكاتب عبد الرزاق الربيعي ونص شعري كتبه المغفور له محمد الحارثي في كتابه “عودة للكتابة بقلم رصاص” كان عنوان هذا النص دراسة في تدرجات الضلال المصاحبة للاعصار ويقول في مطلعه ” بحسن الحظ لم أكن جنديا في جيش جنرال الكوارث الوطنية لكنني انصعت للاشارات المبثوثه يومين قبل وصول عين الاعصار سواحل مسقط لتزود بمستلزمات الجندي في حرب خاطفة. غير ذلك أيضا هناك نص لسلطان العزري بعنوان “سفينة نوح”. أنا كنت أتساءل أين حضور المثقف العماني أين قرون استشعاره كتابيا التي يرصد بها دراميا وكتابيا ليرصد هذا الحدث، أنا هنا أتحدث عن السارد لأن بعض الأزمات يستوعبها قالب النثر أكثر عن قالب الشعر، والشعر يعبر وقد عبر الشعراء وتوجد نصوص ولكن ليس بتلك المتوقع خاصة في النثر.
أقول لا أتوقع كثيرا من المثقف العماني في ضل هذه الأزمة أن يواكبها كتابيا، هو سيعبر عن حال مجتمعه الأصيل بالتضامن الإنساني في التواصل الإجتماعي وربما ببعض المعونات الإنسانية ولكن هل هذا ما ينتظر من المثقف العماني. وكمثال مر على العالم العربي الربيع العربي وفوجئنا أن الحادثة تمر دون أن يسجل المثقف العربي التقاطات ومواقف كتابيا تؤرخ فنيا، وحتى المثقف العماني السينمائي لم يكن حاضرا بتلك القوة في الربيع العربي وهذا طبق درامي ثان تقدمه الحياة والأقدار للمثقف العماني ولا يستثمره إلا ببعض النصوص التي أشيد بأصحابها مثل رواية “الذي لا يحب جمال عبد الناصر” لسليمان المعمري وبعض النصوص القصصية المتناثرة للقاص حمود سعود والقاص حمود الشكيلي والكاتب سعيد الهاشمي وناصر العلوي وكلها نصوص متناثرة ولكن نتأمل ونتفاءل وسوف نرى كيف سيستثمر القاص العماني هذه الأزمة التي لا تقل دراميا عن إعصار جونو أو الربيع العربي. وحول ما إذا كانت هناك فرصة لإيجاد نتاج أدبي في واقع كورونا يقول الراشدي: نعم هناك أجناس أدبية يمكن أن يستثمر المثقف العماني هذا الحدث، ويلتقط التقاطات درامية نراها بشكل غير طبيعي يوميا، نتابعها سواء عن طريق التواصل الاجتماعي أو عن طريق المعايشة اليومية، يمكن أن تصنع قوالب أدبية غير طبيعية. مثالا يمكن أن نقرأ بعد هذه الأزمة مذكرات يومية، لكن الملاحظ أن أغلب المثقفين ملتزمون بالجلوس مع أهاليهم ومن طبيعي أن تكون هناك حكايات وقصص ومواقف تحدث بين المثقف الأب والأم والأطفال والمجتمع والنفس والعالم، كذالك يمكن أن نقرأ روايات حول في ما يحدث في أزمة كورونا هذه الدرامية والعزله العالمية التي تحدث سينمائية أكثر من السينما، وموحية برمزيات كثيرة حول العزلة والتأمل والغربة والوحدة والهلع، والمشاهد التي توحي بنهاية العالم، وهناك دلالات كثيرة قد أمثل ببعض التمثيلات التي وظفت مثل هذا كرواية أحمد خالد توفيق ” يوتيوبيا ” التي تنبأت بمرض سيجتاح العالم، وأيضا يوميات الحرب للكاتب الفلسطيني يحيى يخلف التي استثمر فيها حرب إسرائيل على لبنان في 2006م وأيضا في حرب التسعينيات عندما غزا العراق الكويت، كتب الروائي الكويتي إسماعيل فهد إسماعيل رواية سباعية بعنوان ” إحداثيات زمن العزله” . مرة أخرى هناك تجارب حدثت في العالم استثمرها المثقف العربي والعالمي مثل رواية ” العمى ” لساراماغو أو غيرها يمكن أن يستلهم منها المثقف العماني مايحدث الآن.
ويضيف “الراشدي”: ستكون النتائج الإيجابية كثيرة وانا متفائل بذالك، أهمها أننا سنرصد انطباعات كثيرة وملاحظات وسخرية وقفشات سيكتبها الإنسان العادي وسيكتبها المثقف على مواقع التواصل الاجتماعي بكافة أشكاله، يمكن لهذه المادة الضخمة التي لم تتوفر للمثقف العربي والعماني قبل عشرين سنة ويمكن لهذه المادة الكبيرة أن تستثمر بعد كرونا لتكون مادة يأخذ منها المثقف ليكتب ويستلهم منها، وليس لزاما أن تنجز الأعمال بعد الأزمة مباشرة، فقد تكون بعد سنة أو أكثر، والرابح هو من يستثمر مثل هذه الأزمات أو الأحداث الدرامية الإنسانية.

ملاذ الهاربين
أما الشاعر عبد العزيز العميري فيقول في شأن واقع كورونا وما سيقدمه من نتاج أدبي من خلال الكتاب والأدباء العمانيين والنتائج الإيجابية التي قد نخرج بها من هذه الجائحة: القراءة هي الملاذ لكل الهاربين من ضجيج هذا العالم المثقل بفيروس كرونا الذي فعل ما لم تفعله الحروب وأوقف مالم نكن نتخيل أن يتوقف وحرك ما لم نكن نظن أن يتحرك. بالنسبة لي كانت فرصة للعودة مرة أخرى لبعض الكتب التي ظلت في الرفوف ولم أجد وقتا لقراءتها؛ هذه الأيام هي فرصة لتعيش أكثر من حياة من خلال القراءة.
أيضا أتوقع أن مرحلة العزلة التي فرضتها الإجراءات الاحترازية في كافة دول العالم ربما تكون نواة لتفجير أعمالٍ أدبية تلامس صراع الناس ومعاناتهم مع هذا الحدث؛ دائما الشاعر أو الكاتب أو الرسام يقتنص أفكاره من فجائعية ما يحدث حوله؛ وكما تقول الكاتبة نتاليا جزلد برغ: “انتظر حتى تكون جائعا لتقول شيئا ما، انتظر حتى تشعر بالألم الذي يجعلك تتحدث” لذلك أعتقد أن الألم سيتحدث بعدة ألسن، والمعاناة التي أحدثها فيروس كرونا ستكون حاضرة في أعمال روائية عالمية.

فوائد ثمينة
وقال سالم بن علي البويقي رئيس اللجنة الثقافية بفريق روافد الثقافي بالمصنعة : هناك وضع استثنائي تمر به الإنسانية اليوم في ظل هذه الجائحة التي غمرت العالم كله، ومع هذه الظروف الصحية الصعبة، وما رافقها من صعوبات في الجانب الإقتصادي والمالي أيضا، إلا أن هذه الأزمة لا تخلو من فوائد ثمينة عدة، من أهمها لم شمل العائلة وجلوس أفرادها مع بعض، وكذلك إعطاء الوقت الكافي لمن أراد أن يستثمر وقته في المفيد والنافع، والوقت هو أهم ما يبحث عنه المثقف، ولقد وجد هذه الغنيمة الثمينة في وسط هذه الظروف الصعبة. فيمكن للمثقف أن يستفيد أيما إفادة من هذه الظروف الصعبة لينهي أعماله الثقافية وليهتم بوضعه الثقافي العام. إن الوقت الآن مناسب جدا للوقوف مع الذات ومراجعة الأفكار وتطويرها، فليغتنم هذه الفرصة السانحة في كل ما هو مفيد، من تطوير للذات، أو إنتاج لعمل ثقافي جديد. ويشير البويقي: لا شك أن الوضع الحالي يمّكن المثقف من التوسع في المجالات الثقافية المختلفة، فيمكن له أن يجعل له خطة تعينه على استيعاب شتى الفنون التي يرغب فيها حتى يخرج بحصيلة تنفعه في نهاية أمره، فالأمر المخطط له يكون غالبا ذا أثر طيب على النفس، وأكثر بقاء. ولابد من التغيير في مدخلات هذه الخطة، لكي لا تكل النفس ولا تمل. والتوسع في اكتشاف الأجناس الأدبية المختلفة يغني المثقف ويوسع مداركه وهو أيضا كما ذكرنا يذهب عنه الملل والسأم. هذا الواقع الاستثنائي يقرب أفراد العائلة مع بعضها البعض، فيمكن للأب أن يجلس مع أبنائه لفترة أطول، يسمع لهم ويسمعون له، ويمكن لهم جميعا أن يتحاوروا في شؤون الاسرة وغيرها من الشؤون المختلفة. وهذا الواقع الاستثنائي يعطي الفرد الوقت الكافي للوقوف مع ذاته يراجع خططه، ويعيد حساباته، ولا شك أن هذه الوقفات المهمة، عادة ما يستقطعها الفرد من زحمة أعماله الكثيرة لتعيد النشاط لمسيرته الثقافية والمهنية، ولكنها اليوم تسوقها الأقدار من غير سابق إنذار، فعلى الإنسان أن يستفيد من وقت فراغه لشغله، فيجدد نشاطه وهمته، ويعيد ترتيب أولوياته ويراجع أهدافه وخططه.

إلى الأعلى