الثلاثاء 26 مايو 2020 م - ٢ شوال ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / الموت طرف .. والعيشة في ظل كورونا قرف

الموت طرف .. والعيشة في ظل كورونا قرف

محمد عبد الصادق

العنوان السابق مشتق من قصيدة للشاعر الراحل سيد حجاب بعنوان “المعادلة الجبرية” مع بعض التعديل الناتج عن سيطرة “كورونا” على تفكيري وحالة الهلع التي يعيشها العالم، مع تصاعد أعداد الموتى والمصابين جراء الفيروس، وتوقف معظم الأنشطة البشرية خوفا من انتقال العدوى التي لم تستثنِ أحدا، حتى ولي عهد بريطانيا الأمير تشارلز ورئيس وزرائها بوريس جونسون راعي نظرية “مناعة القطيع” التي أطلقها مستشاره للشؤون الصحية، والتي تعتمد على ترك الناس تختلط دون فرض قيود على الانتقال والحركة ليصاب أكبر عدد من الناس بـ” كورونا”، فمن تكتب له النجاة يكتسب مناعة ضد المرض، ومن لا يقوى على المقاومة يموت ونستريح من تكاليف علاجه، وتفاخر جونسون بأنه يصافح المصابين ولا يرتدي أدوات الحماية أثناء المخالطة حتى أصابته لعنة “كورونا”، وأدخلت نصف أعضاء حكومته في الحجر.
حبس الألمان أنفاسهم مخافة إصابة مستشارتهم الطيبة ميركل بعد إعلان طبيبها إصابته بالفيروس، بعدما أعطاها حقنة مضادة للالتهاب الرئوي أخطر أعراض كورونا، وسارعت ميركل بوضع نفسها تحت الحجر الاختياري رغم سلبية تحاليلها وما زالت تمارس عملها من خلال الهاتف والفيديو كونفرانس.
تسببت “كورونا” في شرخ داخل الاتحاد الأوروبي، وخرج الإيطاليون ـ الذين منيوا بأفدح الخسائر في الأرواح فاقت الصين بأكثر من 10 آلاف وفاة و87 ألف إصابة ـ “يشرشحون” لأوروبا التي اتهموها بالتخلي عنهم في محنتهم وإغلاق حدودها معهم خشية انتقال العدوى، وعدم استجابتها لنداءات الحكومة الإيطالية المتكررة بطلب مستلزمات طبية لعلاج المصابين، كما اتهموا التشيك بسرقة الكمامات الطبية القادمة من الصين قبل وصولها لإيطاليا، وراحوا يذكرون أوروبا بفضل إيطاليا عليهم، وكيف حضرتهم ونقلتهم من الظلمات إلى النور؛ وعلمتهم تذوق الفن والثقافة التي انطلقت من أرضها في عصر النهضة، وذكروهم أنهم من علموهم كيف يلبسون وكيف يأكلون، وتوعدوا أوروبا بالطلاق عقب انزياح الغمة؛ مهددين بالتقارب مع الصين وروسيا اللتين مدتا لهم يد العون وأرسلتا لهم الأطباء والماسكات وأجهزة التنفس الصناعي وغرف العناية المركزة، معلنين أن محنة “كورونا” عرفتهم العدو من الصديق.
وتجاوزت أميركا الصين بأكثر من 100 ألف إصابة وألفي وفاة، وتحولت مدينة نيويورك إلى البؤرة الجديدة لـ”كورونا”، واضطر الرئيس الأميركي للتراجع أمام شراسة الفيروس، وبعد أن كان مزهوا بقوة مناعته، بعدما أكدت التحاليل خلوه من الفيروس، وظل يكايد الصينيين بتسمية كورونا بالفيروس الصيني، هرع للاتصال بالرئيس الصيني طلبا للمساعدة في التصدي للجائحة، وبعدما كان رافضا تقييد الحركة وفرض حظر على التنقل ومصمما على إزالة الحواجز وفتح المعابر في الـ12 من أبريل القادم مع احتفالات عيد الفصح، اضطر صاغرا لإغلاق المطارات والمدارس والجامعات وحظر السفر إلى نيويورك.
جميلة دعوة “خليك في البيت” التي أطلقها مشاهير الفن والرياضة ورجال الأعمال الذين ظهروا في فيديوهات وخلفهم الحدائق الغناء وحمامات السباحة وملاعب التنس وغرف البلاي ستيشن، وبعضهم أطلقها من داخل يخته الذي انطلق به لعرض البحر هربا من كورونا، ولكنهم تناسوا أن هناك أناسا في هذا الكون لا يملكون بيتا، وهناك أسر بأكملها تكتظ في غرفة واحدة، وهناك ملايين يستعملون دورات مياه مشتركة، فقد كشفت “كورونا” عورات العالم والتفاوت الطبقي الرهيب، فلو أصيب أحد هؤلاء المهمشين بكورونا، سيتحول إلى قنبلة جرثومية تصيب المئات دون تمييز بين غني وفقير.
الموت علينا حق، ولكن الموت جراء كورونا مأساة، فإكرام الميت دفنه، ومنظر طابور مركبات الجيش الإيطالي وهي تحمل مئات الجثث، بحثا عن مدفن لها بعد اكتظاظ مقابر شمال إيطاليا بضحايا كورونا، يدمي القلب، فالدفن في غياب الأهل دون صلاة على الميت، وربما يتم حرق الجثمان خوفا من انتقال العدوى أمر مفجع، ندعو الله ألا يرينا إياه، كما ندعوه أن تجتاز بلادنا هذه المحنة بسلام، وأن يأتي الصيف بحرارته ورطوبته ليقضي على كورونا، ويتوقف نزيف الخسائر والخراب الذي يهدد الملايين.

إلى الأعلى