الثلاثاء 26 مايو 2020 م - ٢ شوال ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / عندما تنكر الحقوق في دستور مهمته الاعتراف بشرعيتها

عندما تنكر الحقوق في دستور مهمته الاعتراف بشرعيتها

احمد صبري

لم يكن الدستور العراقي الجديد الذي أشرف على كتابته حاكم العراق السابق بول بريمر بعد احتلال العراق وصفة للتقسيم فقط، وإنما كان أيضا إنكارا لحقوق مكوناته، لا سيما عرب العراق الذين يتجاوز تعدادهم الثمانين بالمئة مع الأكراد والتركمان والأقليات الأخرى.
هذا الإنكار لحقوق عرب العراق ترتب عليه توزيع الثروات وتقاسم السلطات وحقوق لا ننكر شرعيتها، وإنما كانت على حساب أغلبية العراقيين ونقصد العرب منهم.
وعندما نرصد مسار هذا الإنكار للحقوق على الصعد كافة فإننا نتوقف عند دور وثقل العراق حاضرة العرب، وعامل قوة وتوازن في منظومة العمل العربي الذي تراجع دوره وتأثيره في محيطه العربي منذ احتلاله وحتى الآن.
وسبب إنكار الحقوق والانكفاء العراقي وضعف ارتباطه بمحيطه العربي، وتفاعله مع قضاياه وتحدياته وشواغله، يعود إلى الدستور العراقي الذي كتب على عجل تحت إشراف حاكم العراق السابق بول بريمر؛ إذ حاول مشرعوه تكريس حال العراق الجديد في محاولة لسلخه عن أمته وهويته العربية بنص يقول “إن الشعب العربي في العراق هو جزء من الأمة العربية” وكأن عرب العراق أقلية بالمفهوم الأميركي.
وعلى الرغم من اعتزازنا بشركاء الوطن ومكوناته من الأكراد والتركمان والمسيحيين وباقي الأقليات فإن عروبة العراق وهويته لا يقبلان الشك، فنسبتهم تقدر لأكثر من 80 بالمئة من سكان العراق، وهم أغلبية بكل المقاييس، وأن كل دساتير العراق المؤقتة منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 وحتى احتلاله نصت صراحة على أن العراق جزء من أمته العربية، فكيف أصبح الشعب العربي في العراق، وهو يمثل أغلبية السكان، جزءا من الأمة العربية؟ لقد أريد لهذا النص أن يكون مصدا مانعا بين العراق ومحيطه حتى يسهل تغييب هويته، وإبعاده عن دوره، وإخراجه من منظومة العمل العربي.
إن الدستور كان وما زال مصدر قلق قطاعات كبيرة من العراقيين الذين رأوا فيه وصفة للتقسيم وإضعاف العراق على الرغم من أن أطراف العملية السياسية في حينها توافقوا على إعادة النظر بالدستور، وتعديل بعض فقراته بعد ستة أشهر على إقراره، إلا أن اللجنة التي شكلت لهذا الغرض لم تنجز مهمتها ولم تجتمع حتى الآن.
لقد سعت سلطة الاحتلال إلى تحويل الدستور العراقي إلى أداة ووسيلة لتقسيم العراق، وإنكار عروبته بنص غريب ومشبوه استند إلى نظام المحاصصة الطائفية والعرقية، أدخلت العراق في صراعات ما زالت متوالية فصولا.
وعندما نؤكد على هوية العراق العربية فإننا لا نصادر وننكر حق أي مكون أو نلغي دوره، فوحدة المصير والعيش المشترك بين العرب والأكراد والتركمان والمسيحيين والأقليات الأخرى هي حقيقة لا يمكن تجاوزها أو إنكارها.
فمن دون هذه الشراكة الأبدية التي تواصلت وترسخت وتعمقت خلال الحقب الماضية، لا يمكن أن يستقيم العراق؛ لأنها صمام الأمان لوحدته وقوته ومنعته، وليس مصدر قلق لشركاء الوطن كما يتوهم البعض. ومن دون تحقيق هذه الاشتراطات والاعتراف بحقوق مكوناته التاريخية، سيبقى العراق ضعيفا ومتداعيا، وأسير دستور مشوه وناقص وموضع خلاف بين مكوناته، وتجربة السنوات الماضي تؤكد ذلك.

a_ahmed213@yahoo.com

إلى الأعلى