الإثنين 25 مايو 2020 م - ١ شوال ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / ما بعد الكورونا: نحو تضامن عالمي جديد

ما بعد الكورونا: نحو تضامن عالمي جديد

كاظم الموسوي

قدم فيروس الكورونا المستجد بانتشاره السريع والواسع دروسا كثيرة، وظهر في الجائحة أمام الجميع، متمكنا من الوصول وتسجيل أحداث قاسية ومؤلمة كشف ما تسترت عليه السياسة الدولية ومنظماتها إلى درجة لم تعد قادرة على البقاء على الحال الذي سبقها أو توافرت فيه حاليا، وتبينت آثارها على جميع الصعد والمجالات، ولا سيما في العلاقات والنظم والتوجهات. وكانت في الأغلب امتحانا عسيرا وصعبا، اختبرت فيه المشاريع والبرامج والنظريات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. ولا بد من إعادة نظر في كل ما وصلته الجائحة ودقت أجراس الإنذار فيه بلدانا وشعوبا، تحالفات ومنظمات، تيارات واتجاهات. كما فعل الفيروس وأعلن جائحته. فمثلا في علاقات الدول قد يكون مفاجئا أن ترى أو تسمع رئيس دولة أوروبية ينتقد بشدة عدم تعاون دول أوروبا والغرب عموما مع بلاده وشعبه، ولا سيما في قضايا إنسانية وضرورية، ويمدح دولة آسيوية قدمت ما يتطلبه الوضع الحالي. وصار معروفا أنه رئيس جمهورية صربيا، الكسندر فوتشيتش، وفي أقواله شجن وغضب وألم وموقف جديد سينمو بعد الكورونا بالتأكيد، وليس في بلده وحده، كاشفا بأقواله وأفعاله فشل النظام الرأسمالي الغربي الذي أراد بعولمته تجاوز الحدود والأنظمة في إطار النيو ليبرالية وقوانينها الاجتما- اقتصادية والسياسية. قال: لقد أدركت أن التضامن الدولي غير موجود، التضامن الأوروبي غير موجود، كانت تلك قصة خيالية على الورق. لقد بعثنا رسالة خاصة إلى الدولة التي يمكن أن تساعدنا وطلبت منها كل شيء. وفعلا ردت الصين فورا بالإيجاب، وأرسلت ما استطاعت.
أضاف هذا الرئيس في استقباله بنفسه للوفد الطبي الصيني القادم لبلاده لتقديم المساعدات الطبية والإنسانية، الكثير من الاحترام والتقدير أو في إيضاح للموقف الجديد، لا سيما وهو يقبّل العلم الصيني بعد علم بلده. إنها صورة جديدة في العلاقات الدولية والنظام العالمي قدمتها جائحة الكورونا. وتجربة تحمل دروسا وعبرا لليوم والغد، حيث تعكس تحولات جغرا سياسية. بالتأكيد، لا تمر بسهولة أو مرور الكرام كما يقال.
والأكثر صراخا وصراحة نراه في إيطاليا، فالصور الرسمية والشعبية التي تناقلتها وسائل الإعلام المختلفة تكشف أزمة حادة، ليس في إيطاليا، العضو المؤسس في الاتحاد الأوروبي ومنظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ومجموعة الدول العشرين وتكتل الدول السبع الأكبر والأكثر ثراء في العالم وأحد أعمدة النظام الرأسمالي في أوروبا، يصرح مسؤولون فيها أن سلطاتهم فشلت في الحصول على مساعدات طبية ومعدات مطلوبة من حكومات الغرب التي ينتمون لها. وأنهم في حالة حرب وأزمة صعبة، بينما انهالت على بلادهم المساعدات من آسيا، من الصين وروسيا، ومن الشمال البعيد، من كوبا، البلد الذي تحاصره أميركا والغرب الرأسمالي عموما طيلة عقود من الزمن. ويلفت الانتباه هنا ما ينشر في وسائل الإعلام المختلفة من فيديوهات تصور مثلا محافظا لمحافظة أنزل علم الاتحاد الأوروبي من باب المحافظة ورفع مكانه العلم الروسي، كما فعل مواطنون بإنزال علم الاتحاد الأوروبي في وسط شوارع العاصمة روما ورفعوا العلم الأحمر، الصيني بدلا منه. صور لافتة بلا شك ولها معناها ودلالتها وتدعو إلى انتظار الخطوات القادمة، الآن وبعده. إذ إنها ليست لقطة سينمائية عابرة، بل إنها ترسم تحولا وتقول واقعا جديدا، ليس في إيطاليا وحدها. وتأتي بعدها صورة استقبال الوفد الطبي الكوبي والاحتفاء به، حيث لو عدت نسخها الموزعة لفاقت ما لا يمكن توقعه أو كل التوقعات الإلكترونية منها. مرفقة بخطاب الرئيس الكوبي الراحل فيديل كاسترو في تقديم المساعدات الإنسانية ورفض العدوان والأسلحة المدمرة. وهذه لها دلالاتها وتأثيراتها المعنوية والمادية التي تتفاعل وتسهم في القرارات والرأي والاتجاه.
رسالة المواطنة الإيطالية هي الأخرى، قاسية برقتها وغاضبة بحقائقها وغنية بحزنها وصريحة بألمها وبليغة بأوجاعها. المرأة الإيطالية لم تخفِ ما حصل أو تصمت عليه. حددت بالأسماء وقالت بصوت شعبها وأثارت معنى أن تكون إيطاليا في الاتحاد الأوروبي ودولة غربية في هذه المحنة، الجائحة.
نادت المرأة الإيطالية الرؤساء الأوروبيين: شكرا لأنكم تخليتم عنا في وقت حاجتنا. شكرا لرفضكم إمكانية منحنا مجرد كمامات بسيطة، وأشياء أخرى لمساعدتنا على مقاومة انتشار الفيروس. كنا سندفع لكم ثمنها.. هل تعلمون ذلك؟ وتخاطبهم باسم الإيطاليين: نحن الإيطاليون منحناكم معنى الفن والثقافة.. وتعدد ما قدمت إيطاليا للعالم. وفي مخاطبتها للرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الحكومة البريطانية بوريس جونسون: شكرا لأنكما فعلتما كل ما بوسعكما لعزلنا بدل مساعدتنا. وتستعيد معهما تاريخ لإنجازات والعطاءات الإيطالية.. وأسماء العديد من المبدعين. وتصل إلى ذروة اللوعة والألم: اسمعوا يا أعزائي، حين نذكر اسم إيطاليا يجب عليكم أن تقفوا على قدميكم وتطأطئوا رؤوسكم.. وتختم بوجع: لن نستقبل بأذرع مفتوحة إلا من ساعدنا وقت الحاجة. وشكرا من امرأة إيطالية.
تصاعدت تصريحات المسؤولين والسياسيين في إيطاليا في معالجة الجائحة والعجز في مواجهتها والنقاش في الأسباب الرئيسية والسياسات التي أوصلت البلد إلى هذه الأزمة القاتلة، حيث تتزايد أعداد الموتى بسببها وتغلق البلاد بلا أمل. ذكر الأمين العام للحزب الشيوعي الإيطالي، ماركو ريزو، إن “الحالة المأساوية التي تشهدها إيطاليا هذه الأيام تبين بوضوح كيف تم تفكيك دولة الرفاهية والرعاية الصحية العامة في بلدنا خلال السنوات الثلاثين الماضية، منذ سقوط جدار برلين واختفاء الاتحاد السوفيتي”. وأكد ريزو أنه “خلال هذه الأوقات الصعبة للغاية بالنسبة للشعب الإيطالي اختفى الاتحاد الأوروبي حرفيا، ووصل التضامن إلى إيطاليا من دول مثل كوبا وفنزويلا وفيتنام والصين، التي تنتهج نهجا مختلفا عن الاتحاد الأوروبي”. وأكد من جديد موقف حزبه بأنه “بعد حالة الطوارئ الصحية، يتعين على إيطاليا الخروج من منطقة اليورو والاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، في حين يجب إلغاء الإنفاق العسكري غير الضروري”.
هذه الأفكار هي انعكاس للواقع الجديد والتطورات الميدانية، ومؤشرات إعادة وعي وادراك إنساني عام للمهمات الجديدة المطلوبة لإعادة عمران الإنسان والبلدان. وهي الصورة الجديدة لما بعد الكورونا، رضينا بذلك أم رفضناه. قبلناه اختيارا أم صمتنا اضطرارا عليه، لا أحد يقف اليوم بطوله وينكر خطأ التوجهات السابقة وفشلها، ولا بد من منهج استراتيجية تضامن عالمي جديد، تتجسد فيه القيم الإنسانية وآمال الشعوب على المعمورة.

إلى الأعلى