الأربعاء 27 مايو 2020 م - ٤ شوال ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / ترامب والمال
ترامب والمال

ترامب والمال

تراقب وسائل الإعلام العالمية منذ فترة تنحي الأمير هاري وزوجته ميجان رسميا، عن وضعهما كعضوين بارزين بالعائلة المالكة البريطانية، بنهاية مارس 2020، وأنهما لن يقوما بمهام نيابة عن الملكة لمدة عام قبل أن يراجعا هذه الترتريبات في 2021، وفي نفس الوقت أشارت تقارير إعلامية أميركية إلى انتقال الأمير الإنجليزي من كندا إلى ولاية كاليفورنيا، ولم يكن نبأ وصولهما له قيمة استثمارية أو اقتصادية أو سياحية عند أي من الساسة أو الاقتصاديين وعامة الناس، سوى الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي تلقف الخبر بتغريدة قال فيها إنهما يجب أن يدفعا مقابل تأمينها، فيما قال الزوجان إنهما لا يخططان لطلب أن تتحمل حكومة الولايات المتحدة تكاليف توفير الحماية الأمنية لهما، وأن لديهما تدابير وترتيبات أمنية ممولة بشكل شخصي.
ترامب لم يبدِ رغبته في جمع المال مطلقا؛ فرغم كلماته التي أبدى فيها إعجابه بالأمير والملكة والمملكة المتحدة؛ إلا أنه أعلنها صراحة أن بلاده لن تتحمل فاتورة تأمينها “ويجب أن يدفعا”، ليلقي بالبروتوكولات السياسية والعلاقات الدولية في صندوق المهملات، ولا يخالج الناس الشك في أنه دائما ما يلهث خلف المال مقابل أي شيء، وأن يرفع شعار “المال مقابل الحماية”.
إن الحصار الذي فرض على العراق في أوائل تسعينيات القرن الماضي برعاية الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، تبعه إطلاق الأمم المتحدة برنامج “النفط مقابل الغذاء” في عام 1995، والذي سمح فيه بتصدير النفط العراقي مقابل تدوير عائدات البيع في الحصول على الغذاء، وشراء الحكومة العراقية الاحتياجات الإنسانية لشعبها، وتحت إشراف الأمم المتحدة، وبما لا يسمح باستغلال الأموال في أي برامج تنموية أو استثمارية أو تسليحية داخل العراق.
قبل نوفمبر 2016 وأثناء الحملات الانتخابية الرئاسية، وقبل وصول ترامب لسدة الحكم، كان دائما ما يذكر في خطاباته ومناظراته أنه مهتم بمبدأ “المال مقابل الحماية”؛ بل وكان برنامجه قائما على إيجاد مصادر تمويل وفق هذا المبدأ، وعقب فوزه بدأ في تنفيذ ما وعد به، وألقى خلف ظهره نظريات السياسة ومبادئ احترام العلاقات بين الدول، ووضع السلام تحت قدميه، والمال نصب عينيه، وفوق جبينه رأس المال غاية.
مبادئ ترامب “انتهازية” استبدادية، فلأجل المال الذي بيد صهره جاريد كوشنر أجهض عمليات السلام في الشرق الأوسط، ولأجل الثروة أشعل الخلافات ومقاعد الحكم في معظم دول العالم، والنقود جعلته يتجاوز الحقوق الأصيلة للدول والمجتمعات، فأجهز على كل مبادئ الإنسانية والتعايش السلمي بين الشعوب، ونصب نفسه متحكما آمرا ناهيا، يمنح من يشاء الأمان، ويسلب الأرض ممن شاء، وصحيح أن الأمير الإنجليزي وزوجته كان لهما رد قاطع بأنهما ليسا بحاجة لحمايته ولن يدفعا له المال؛ لكن مبدأ ترامب “المال مقابل أي شيء” يتضخم بمرور الوقت، بل ويصبح سلوكا وأسلوبا تطبقه إدارته، وهو مبدأ ليس ببعيد عن مبدأ “النفط مقابل الغذاء”.

د. أسامة نور الدين

إلى الأعلى