الأربعاء 27 مايو 2020 م - ٤ شوال ١٤٤١ هـ
الرئيسية / المحليات / بداية سطر: وقفة إجلال للقطاع الصحي قاطبة ..!

بداية سطر: وقفة إجلال للقطاع الصحي قاطبة ..!

د.خلفان بن محمد المبسلي:
لا تزال متلازمة كورونا تدبّ في الأرض وتزحف، وتثير الرعب في النفوس إلى أن بلغت القلوب الحناجر. ولذا دقّ ناقوس الخطر في أرجاء العالم وتعالت صفارات الإنذار أنّ في الأجواء عدوّاً غير مرئيّ فاختفوا.
اعتزلت الأسر وتباعدت المسافات بين المجتمعات والدول، وعلّقت المناشط والفعاليات وأغلقت دور العلم والصلوات، وأوقفت الزيارات والتجمعات وعطلت أضخم الطائرات عن السفر، فكأنّ العالم دخل في ليل طويل ليس صبحه بقريب، غير أنّ بصيصاً من النور أخذ يثلج القلوب وينوّر الطريق، ذلك أنّ ثمة دروساً وعبراً يستفاد منها في هذه الظروف القاسية تبعا لمقولة أحمد أمين:(المصائب نفسها لا تخلو من وجه جميل، وناحية رائعة، فهي ليست قبحاً صرفاً، ولا شقاء خالصاً، بل كثيرا ما تكون بلسما كما تكون جروحاً ودواء، كما تكون داءً).
إنّ هذه المقولة الصادقة تنسحب على مجريات حياتنا التي نعيشها اليوم في ظلّ أزمة تفشّي داء كورونا في أوساط المجتمعات العالمية.
جائحة أخرجت لنا معادن الرجال في وقت الشدة، وأظهرت لنا وجوها أخرى مزيفة، كما أكسبتنا مهارات صحية كثيرة كنا نستغفلها تارة ولا نكترث بها في أحايين كثيرة، فليس داء كورونا قبيحاً لدرجة أنه ينقضّ علينا خلسة دون استهتار منا..! إذا تركنا له الفرصة تمكن منا، أمّا بممارساتنا الصحية فإنه يضعف ويفقد خاصية الانتشار.
التجارب المريرة التي مرت على المصابين دروس وعظات. ومن يظن أن مفهوم التجربة هي ما يتعرض للإنسان من كوراث فحسب فهو مخطئ لأن التجربة في حقيقتها سلوكيات الإنسان حيال ما يتعرض له من إشكاليات: كيف يتعامل معها؟ وكيف يحسن التصرف إزاء الحدث الراهن؟ هنا تتشكل التجربة لدى الانسان لتكون له خبرات تراكمية يستحضرها عند مواجهة أحداث أخرى، (إنّ مع العسر يسراً).
نتفق جميعاً على أن المصائب حينما تحل على الانسان تبدو في بداياتها جسيمة تؤثر في كثير منا فلا يحتملون ألمها فيدركهم الهلع، ويتلونون بحسب حجم المصيبة فيكبرون معها، ويصابون بحساسية المرض يتحسسون من كل شاردة وواردة ويتابعون أخبارا من كل صوب وحدب ويقرأون ما يتاح من الغث والسمين فتزادا حساسيتهم لتصل إلى مرحلة الإفراط وكأنهم يتمارضون فيمرضون وكأنّ لسان حالهم يقرّ بأنهم مصابون بهذا الداء فتنعكس حالتهم النفسية. وحين يصابون فعلياً يمرون بأزمة حادة تؤثر على صحتهم ومن حولهم فينتكسون ويفقدون الأمل في الشفاء فينهارون ويعرضون انفسهم الى المخاطر أكثر.
وثمة حالات أصيبت بهذا الداء تحدث عنها أحد المختصين بمستشفى المسرة وذكر أنّ منهم من تأثر تأثيراً عكسيّاً فأغلق باب الغرفة على نفسه ومنهم من رفض تناول الدواء ومنهم من يوهم نفسه أنه غير مصاب لأن الإصابة بهذا الداء المتفشي يظن أنها عار وشنار عليه وأسرته فينفي إصابته وينكرها أيما إنكار.
كل تلك الأوهام قد أدّت بهم إلى حساسية مفرطة ليصدق عليه المثل العربي القائل:(من زرع الإحن، حصد المحن)، فعلينا جميعاً أن نتوخى الحذر وأن نوصد أبواب المصائب وصداً تامّاً، ولو دنونا منها لوجدناها مفتوحة على مصراعيها ونقول في ذلك مهما عظمت مصيبة وتفاقمت سيأتي وقت تذوب ذراتها ويمحى وجودها من الكون.
على كلٍّ، يتّفق الجميع على صعوبة الوضع، لكنه وضع أتاح لأبطال الظل فرصة الظهور إلى العلن. أقصد بذلك العاملين في المضمار الصحيّ وشبه الصحّيّ، فهم رغم كونهم الأكثر عرضة لانتقال العدوى أصرّوا على العطاء بلا كلل ولا ملل.
ولا ريب أن تضحياتهم سرّ السيطرة على انتشار العدوى، كرّسوا جهودهم لحماية المجتمع بشرف لا يذهب هباء، إذ ستسجل تضحياتهم بماء من ذهب يبقى دعامة أساسية يعتمد عليها لبناء الوطن وتتشكل منها خبرات مكافحة الأمراض المعدية.
إنّ من يضحّي بالنفيس في سبيل إسعاد الناس لم يعش عبثاً، ولذا نقف وقفة إجلال لأبطالنا العاملين في القطاع الصحي وشبه الصّحّيّ خلال هذه الأزمة التي تهدّد البلاد عامة.
إنّ ذلك دلالة على نقاء وطنيتكم فألف شكر لكم على صنيعكم الذي لا يفنى، ليست الوطنيّة خطاباً وإنّما هي سلوك وعمل.

dr.khalfanm@gmail.com*

إلى الأعلى