الثلاثاء 2 يونيو 2020 م - ١٠ شوال ١٤٤١ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / “عماني في جيش موسوليني” … خوض في أعماق الشخصية العمانية وانفعالاتها المتعددة
“عماني في جيش موسوليني” … خوض في أعماق الشخصية العمانية وانفعالاتها المتعددة

“عماني في جيش موسوليني” … خوض في أعماق الشخصية العمانية وانفعالاتها المتعددة

تحمل تفاصيل قصة حقيقية حيث يعيش الكاتب
كتب ـ خميس الصلتي:
يأتي الكاتب ماجد شيخان ومن خلال روايته ” عماني في جيش موسوليني” والصادرة ضمن منشورات الجمعية العمانية للكتّاب والأدباء، عن دار “الآن ناشرون وموزّعون” الأردنية، ليقدم نظرة شمولية عن حياة ذلك العماني الذي قادته ظروف الحياة ليكون ضمن جيش موسوليني من خلال أبعاد كثيرة تتمثل في الاجتماعية، السياسية، الاقتصادية، فالرواية تحمل قصة حقيقية حدثت لأحد كبار السن في القرية التي كان يعيش فيها الكاتب، فهو يشير إلى تعلقه بتلك الشخصية في سن مبكرة، حيث الجلوس معه والاستماع إليه، على الرغم من انه كان شديد التكتم ولا يحب الحديث في الماضي الذي عايشه …

هنا يقرّبنا الكاتب من فكرة الرواية الانطلاقة نحو البدايات التي أسست تفاصيليها ويقول: رواية “عماني في جيش موسوليني”، محاولة لتتبع عصب الذكريات في رأس أحدهم. فقد انطلقت في كتابة روايتي من الواقع الذي عاينت وتفحصت جزءا من تفاصيله بينما كنت طفلاً تشدني الحكاية وسيرة الأجداد. فقد حدث أن عبر بطل الرواية طفولتي بسرعة شديدة، تمنيت وأنا أخط الأحرف الأولى لو أنني أحكمت قبضتي على الزمن وأدرت عقارب ساعتي للوراء، عائداً لتلك اللحظة التي قطعت فيها وعداً لـ “خلف” -بطل الرواية- بأني سأقدمه للعالم بصورة مختلفة، أقلها، الصورة التي عرفتها وأنا أبصر في تجاعيد وجهه وبريق عينيه تاريخاً لا يشبه حكايات جدتي. مرت السنوات مسرعة، لأجد نفسي أخوض تحدي الكتابة، وكان لابد أن أبدأ به لأبعث الروح من جديد في ورقات ذاكرة الطفولة المترهلة بفعل الزمن وأيدلوجيا الحياة المعاصرة. في واقع الحال، هذه هي المساحة من الحرية التي توفرها الرواية للكاتب، إنما ليصنع الجدل فينظر إلى التاريخ من منظور مختلف، يستحضره بشخصيات قد تكون مألوفة في ظاهرها ولكنها تصنع مساجلة مع واقعها الذي تعيشه. فقد انتقلت ببطل الرواية في عوالم مختلفة، أكسبته شخصية عمانية متفردة، غامضة، هادئة، متزنة، لديها نهم منقطع النظير لكل ما هو جديد، أردتها أن تصمد إلى النهاية، إلى الورقة الثلاثمائة لأقدمها مشروعا حياً للأجيال القادمة، عطاءً لا ينضب، فرصاً لا تنتهي، وذاكرة لا تبلى.

عندما نقترب من خلف والانطلاقة من الرستاق مرورًا بالمصنعة، والأحداث المرافقة له، مع حضوره الفعلي في ولاية صور، والسفر إلى الصومال وزواجه هناك، هنا يؤكد الكاتب ماجد شيخان: نحن نتحدث عن الفترة بين عامي 1922- 1928، والتي بدأ فيها خلف السعي نحو حلمه بما وراء البحر، وبشخصيته المتفردة، المتمردة على واقعها وعالم الرتابة الذي قدر لها أن تعيشه في قرية “الغيل”، مدركا منذ نعومة أظافره أن الابتذال عدو لدود للحياة، وأن متعة الحياة في خوض غمارها. بهذه الروح الوقادة، ارتحل “خلف” وهو ابن أربعة عشر ربيعا ليسلك طريق الشوّامة ويعتلي صهوة الغنجة لتبحر به إلى صور، موطن التجارة وتحقيق الأحلام، يعيش في صور ردحا من الزمن، فتصيبه الحياة بأوجاعها ليترنح بين نشوة الانتصار ومرارة الهزيمة مرات كثيرة. ليقف على قدميه أمام الأزرق الممتد في الأفق، فتسوقه الاقدار إلى الصومال بعد أن تعرف على ضيف إيطالي جاء ليستكشف مصنع السفن في صور، ولاشيء يجعل من الأحلام واقعا مثلما يجعلها القدر، ثم أبحرت به سفينة الغنجة برفقة عائلته الصغيرة إلى الصومال، هناك حيث ساحة المعترك، بين رغبته في التجارة وكسب المال وبين صيرورة الأحداث السياسية الذي وجد نفسه جزءا منها في لمحة بصر،السياسة والاقتصاد وجهان لعملة واحدة. أدرك أنه لابد أن يحارب في كل الجبهات وأن ينتصر على كل شيء:الطليان، البريطانيين، الثوار، الأصدقاء، أو حتى نفسه. معركته التي أراد، جنبا إلى جنب، مع حرب عالمية ثانية بأهوالها دمرت تلك المدن الفاضلة في سريرته أمام الواقع الذي عاين وسمع، تسير الأحداث ببطل الرواية إلى المحظور، ليجد نفسه في الجيش الإيطالي (جيش موسوليني)، في عالم الاستخبارات، عالم الغموض، وحرب الكلمات والرسائل المشفرة. ليسقط في فخ التناقض والرغبة في النسيان. ثم تنتهي الحرب العالمية لأنه لابد أن تنتهي، إلا أن معركته لم تنته، كيف له أن يعود خلف الذي كان، وقد عرف ما وجب معرفته وما لم يجب. حينها هرب من الصومال إلى عمان. وبعد غياب 25 عاما عاد إلى قريته ولم يعد إلى صور. رجل في عداد الأموات يبعث من جديد أمام أناس قد عرفوه وأناس نكروه، ليخوض معركته الأخيرة، مدافعاً عن حقه في العيش، حارب وانتصر كعادته، والخسائر جمة، إلا أن الجندي يهب نفسه للموت، فإما أن ينتصر أو ينتصر.

ولأن لهذه الرواية أثرا تاريخيا ومراجع سردية متعددة تتواصل أحداثها، وتتقاطع افكارها ومساراتها بين حين وآخر، يستحضر الكاتب الأثر التاريخي لها، وهنا يشير: وراء هذه القصص التي واجهتها مرجعية تاريخية، هناك رسائل تمرر، وقضايا تثار، ونعود لواقع التخيل في الرواية، لأقول، أن استحضار الروائي للمادة التاريخية قد يكون ذريعة لاجترار أحداث بعينها لطاولة الحوار السردي. وعماني في جيش موسوليني حاولت الاقتراب كثيراً من هذا التصور. التاريخ يحمل الكثير من المغالطات لأنه يتكلم بلسان المنتصر، والمنتصر ليس دائما صاحب قضية عادلة، لذلك وجب علينا أن نأخذ التاريخ بحذر. البعض عندما يقرأ عنوان الرواية، يظن بأنها ملحمة تاريخية يقودها بطل من أبطال الفنتازيا، لكن في الحقيقة هي محاولة للاقتراب بواقعية من كل القضايا مجتمعة، أتحدث عن القيم الإنسانية، العادات الاجتماعية، التعليم، الاقتصاد، السياسة، الحب، والمشاعر. لذلك كل شخصية موجودة في الرواية مركبة من شخصيات مختلفة، أستطيع أن أقول بلسانها ما أريده وفقا لمقتضى الحال، ففي السياق الزمني نفسه الذي جاءت فيه الرواية، لا يمكن لأي شيء يختلق من عدم. لذلك حتى تلك الظروف التي أدت ببطل الرواية للدخول في واقع موسوليني وجيشه، ما هي إلا صراعات وأزمات اجتماعية، والفقد، فقد الأحبة، قد يكون سبباً في دخول عوالم محظورة هرباً من جحيم الذكريات ولوعة الفراق. أسوق لك هذه الصورة، لأبسط لك المشهد، أن ما نراه عظيماً أحيانا، هو أبسط ما قد يحدث لنا في الحياة. إذا ما عدنا إلى أحداث الرواية، قد يكون الشغف الذي تملك بطل الرواية وكمية التساؤلات التي يطرحها في كل منعطف من حياته، هي أحد الأسباب التي قادته ليدخل عالم أجهزة الاستخبارات ثم عالم الجندية في أواخر 1942. إلا أن الرواية تسوق فرضيات أخرى، كأن يكون صديقه الإيطالي” ألبرتينو” مثلا الذي عمل في قطاع المخابرات، أو أن يكون الثائر “يعقوب”، أو أن تكون قهوة أبو المختار على أطراف ضاحية صغيرة في مقديشو سببا لهذا التحول من الرغبة في التجارة وصناعة الثروة إلى اعتناق عالم العسكر.

هناك الكثير ممن راهن على نجاح هذه الرواية فعلا، والدليل نفاد طبعتها الأولى تقريبًا وفي هذا الشأن يوضح الكاتب ماجد : عنوان الرواية بحد ذاته، يوجد الكثير من علامات الاستفهام. وقد وصلتني الكثير من الرسائل حول الرواية ومحتواها قبل أن يتم تدشينها في معرض مسقط الدولي للكتاب في نسخته الفائتة، حقيقة الأمر، لم أتعمد أن أضع العنوان مركزاً مثل ما تبين لي لاحقا، كل ما في الأمر أني استشرت أحد الأخوة في بعض العناوين فأشار لي بأن أضع لها هذا العنوان، فأخذت بمشورته. وعن زيادة الإقبال على الرواية، فإذا كان هناك من رسالة شكر تقدم في هذا المضمار، فأتوجه أولاً بالشكر للجمعية العمانية للكتاب والأدباء والقائمين عليها على ما بذلوه من جهد مقدر من أجل أن يرى هذا العمل النور، ولا يفوتني أيضا أن أتوجه بالشكر للعائلة الكريمة، للأصدقاء وزملاء الدراسة لما بذلوه من جهد في سبيل تسويق العمل على منصات التواصل الاجتماعي المختلفة.
فيما يتعلق بآلية تقسيم واقع الرواية ليكون اكثر وفرة لدى القارئ، اعتمد ماجد شيخان في اخراج هذا التقسيم على عدة نقاط متتبعا نتاج لغة الكتاب من وجهة نظر القارئ وهنا يؤكد: الرواية تسير وفق نسق تتعاقب فيه الأزمنة والأمكنة على نحو أفقي وعمودي في آن واحد. لتجد أن بطل الرواية يظهر في عام 1922 لينهي بطولته في عام 2010. ثم تعود شخصية الطفل الذي استهل النص الروائي لتظهر في الفصل الأخير من الرواية لكي يتسنى للقارئ ملامسة البعد الزمني وإرهاصاته على كل حدث في الرواية. آثرت هذا النوع من التقسيم لما له من وقع في ذهن القارئ. فيتسنى له السفر مع شخوص الرواية للأزمنة والأمكنة المختلفة. وعماني في جيش موسوليني كما أسلفت سابقاً تزامنت مع صراعات عالمية وإقليمية تشعبت الاحداث فيها وبالتالي ربطها بخط زمني واحد يمنح القارئ بأن يكون جزءاً من هذه الرواية وأحداثها، حتى لو تحرك الزمن بشكل عمودي، أفقي، أو دائري أحيانا، وفقاً للألاعيب السردية في النص. لغة النص، اعتمدت على الفصحى إجمالاً، وتفاوتت عمق التراكيب والمفردات حسب ما يقتضي السرد. والقارئ لم يجد صعوبة في فهم النص. وكما تبين لي، من خلال بعض اقتباسات القراء من النص الروائي في برامج التواصل الاجتماعي أن بعض الرسائل التي أردت إيصالها وصلت حتى لو كان بمعناها النسبي، وهو أمر مريح لي ككاتب، إذ أن لغة التواصل بيني وبين القارئ جيدة لحد ما.
ويضيف الكاتب: يجب أن أشير إلى أن العمق في النص الروائي، يذهب بالقارئ نحو محاكاة للواقع الزمني في الرواية بصيغة طرح الأسئلة، كأن يقول أحدهم ما الذي كنت سأقوم به لو كنت محل خلف وهو يلتقط كتابا للقائد “محمد عبدالله حسن”؟ أو ما الذي كنت لأفعل، لو خيرت بين العيش بدون هدف أو أن أنظم لجهاز الاستخبارات الإيطالي حينها؟ أو ما الذي كنت لأفعله وأنا أدفع للتجسس على أصدقائي في المهنة كحال خلف؟ كل هذه التساؤلات تطرح معالجات آنية للقارئ واسقاطات على مواقف حياتية يعايشها في أدق تفاصيل حياته، مع فارق السيناريوهات بالطبع.
يتحدث الكاتب ماجد شيخان عن واقع الرواية في عمان، ودخوله إليه ، وتفنيده ما يسمى بـ”احتكار” كتابة الرواية لكتّاب دون غيرهم وهنا يشير: أنا لست مع مقولة أن جنس الرواية محتكر لأسماء معينة في عمان، والدليل على ذلك أن هناك أسماء شابة جديدة تدخل هذا العالم بصورة مطردة. ولكن الاستمرارية والديمومة مطلوبة، والتطور مطلب أساسي. والمطلوب الآن، هو أن يبحث الروائي عن أساليب خاصة بالبيئة العمانية، يطرح من خلالها معالجاته ورؤيته في التعامل مع التحديات المحلية، الإقليمية، والعالمية مبنية على رؤية عمانية خالصة. كون أن التجربة العمانية، أثبتت نجاعتها في كثير من الأزمات. علينا أن نستغل قدرة الأدب في تخطي الحدود، فروايات ماركيز غزت كل قطر في العالم، لأنها تصلح لكل زمان ومكان.

إلى الأعلى