الجمعة 5 يونيو 2020 م - ١٣ شوال ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / النمو العالمي في خطر

النمو العالمي في خطر

أيمن حسين

تمر الأسواق المالية العالمية بمرحلة تعثر بسبب تفشي فيروس كورونا المستجد، وهذا التعثر يطول كافة الأنشطة الاقتصادية، ويؤثر على معدلات النمو، فلن يكون انخفاض المؤشرات وتراجعات الأسهم مجرد مواد للتناول الإعلامي فقط؛ بل سينتج عنها ركود اقتصادي، وعجز مالي وتجاري، وما يتبعه ذلك من ارتفاع معدلات البطالة ونمو التضخم في الأسواق، وتفاقم المشكلات المالية وما يصاحبها من معضلات السيولة والتمويل.
خلال الربع الأول من العام الجاري 2020 سيطرت عمليات البيع على أسواق الأسهم العالمية، وتراجع الطلب على الشراء، فانخفضت قيم الأسهم وشهدت مؤشراتها تراجعا كبيرا، فقد تراجع مؤشر داو جونز الصناعي 23%، بينما فقد مؤشر فوتسي 25% من قيمته، وخسر مؤشر ستاندرد آند بورز 500 نسبة 20%، وهي أرقام تبعث إشارات للقائمين على تنفيذ الخطط التنموية، بل وتبث مخاوف تعرقل جهود تنفيذ هذه الخطط.
تفاقم المشكلات في أسواق المال وتراجع الأسهم العالمية صاحبه تراجع حاد في سوق النفط العالمي إلى نحو 70% من قيمته التي بدأ بها العام، وتراجعت الإنتاجية في البلدان الكبرى مثل الصين والولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا وبريطانيا وكوريا الجنوبية واليابان وغيرهم، فكان منطقيا أن يكون هناك ارتفاع في أسعار السلع والخدمات في غالبية دول العالم خصوصا مع تقييد حركة التجارة واتساع رقعة حظر تنقل البشر داخليا وخارجيا، وفي نفس الوقت نقص الموارد بما يؤثر على ميزانيات القوى الاقتصادية الكبرى.
الأسبوع الماضي قالت رئيسة صندوق النقد الدولي، كريستينا جورجيفا “ما زلنا قلقين للغاية بشأن التوقعات السلبية للنمو العالمي في عام 2020، وخصوصا بشأن الضغط الذي سيتركه الانكماش الاقتصادي على الأسواق الناشئة والدول ذات الدخل المنخفض” ـ بحسب البي بي سي ـ وهو تصريح لأرفع مسؤولة اقتصادية في العالم، وينم عن نضحات كثيرة في المستقبل ستعاني منها كافة الأقطار، ويوحي بأن أزمة اقتصادية تلوح في الأفق ـ ربما ما نمر به حاليا ليس سوى سحابات خفيفة لها ـ وستكون الأعتى خلال العصر الحديث.
في ربع عام مضى شهدت بريطانيا انخفاض النمو بنسبة 4.5% مع توقعات تراجع النمو في الصين إلى ما بين 2% و3%، وفي الولايات المتحدة تشير التقديرات إلى تسريح ما يقرب من 50 مليون من وظائفهم ونمو البطالة إلى أكثر من 32% خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، بخلاف التوقعات للبلدان التي تشهد هيمنة لفيروس كورونا عليها مثل إيطاليا وفرنسا وإسبانيا وغيرها من البلدان الأخرى.
الأزمة المالية العاصفة التي ضربت العالم بنهاية 2008 انخفض فيها النمو العالمي 1.7%، فأثار ذلك الاقتصادات الكبرى والقائمين على التشريعات والتخطيط الاقتصادي، وتم وضع برامج تحفيزية لاستعادة النمو لمعدلاته الطبيعية، بينما تتوقع آراء الخبراء أن الأزمة الحالية سيتراوح انكماش النمو العالمي خلالها إلى ما بين الضعفين وثلاثة أضعاف من انكماش النمو في الأزمة السابقة.
إن تأثير الأزمة الاقتصادية على النمو العالمي سيضرب القوى العظمى بقوة، بينما ستكون الاقتصادات الناشئة والضعيفة والدول ذات الدخول المحدودة فريسة سهلة للانكماش الذي سيتمدد في جسدها، ولن تجد جدوى لإنقاذ نفسها من براثن السقوط إلا بالاستدانة والسحب من الاحتياطيات النقدية، وفي الوقت الذي سيكون لدى الاقتصادات الكبرى برامج بديلة لتقديم وتنفيذ حزم إنقاذ مالي ضخمة، ستفتقد القوى الضعيفة لهذه الحزم، كما أنها ستعاني الأمرين من تراجع المساعدات التي كانت تمن بها القوى الكبرى عليها لقاء عدد من المصالح والمنافع المشتركة، وهو ما يفتح الباب على مصراعيه أمام زيادة الهوة الاقتصادية بين دول العالم، ففي الوقت الذي سيسعى فيه الكبار للثبات على أوضاعهم الحالية، سيكون الصغار على موعد مع السقوط والانهيار، وما بين هذا وذاك سيقل عدد الدول الواقعة في المسافة الفاصلة، وغالبا سيكون توجه أكثر من يغيرون مواقعم إلى الأسفل.

إلى الأعلى