الجمعة 5 يونيو 2020 م - ١٣ شوال ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / كورونا والعولمة والشبكة العنكبوتية

كورونا والعولمة والشبكة العنكبوتية

علي بدوان

ماذا يفعل أطفالنا، وفتياننا، وشبابنا الجامعيون، الآن على ضوء حالة (الحَجِر الصحي) السائدة، في غالبية بلداننا العربية، ومعظم بلدان العالم..؟ كيف يقضون أوقاتهم بين جدران المنازل..؟
بالتأكيد، إنهم جيل الــ(فيسبوك) والــ(تويتر) و(الإنستجرام)، يتابعون ما يستهويهم على (الآيباد) أو على الجوالات (الموبايل) والهواتف الذكية، لدرجة الإدمان، إدمان وسائل التواصل الاجتماعي، هذا الإدمان الذي يُعد خطرا بحد ذاته عندما يتم الإفراط باستخدامه وكيفما كان، وما يُشكّله من أخطار على الصحة العقلية لأجيال الشباب والشابات والفتيان وحتى الأطفال عندما يتم الغرق به على حساب الدراسة الحقيقية، وعلى حساب اكتساب العلم والمعرفة المطلوبة، عبر تلك الوسائل ذاتها، والتي يمكن تجييرها لخدمة العلوم والمعرفة والثقافة. فوسائل التواصل الاجتماعي في واقعنا الراهن باتت مع سوء استخدامها (خصوصا في ظل أزمة وباء فيروس كورونا)، أخطر حتى من المخدرات والخمور، لأنها لا تخضع لقواعد أو ضوابط. فيما نعمل الآن على توجيه أبنائنا في المنازل مع وجود حالة (الحَجِر الصحي)، للتعلم عن بُعد، بمتابعة البرامج الدراسية المُقرة من جهة أولى، ومتابعة ماهو نافع من جهة ثانية، لجهة السعي لمراكمة وبناء ذواتهم ثقافيا ومعرفيا.
إذًا، دورنا، توجيهي، كدور الإعلام الشفوي الشفاهي، في التوعية والتثقيف، خصوصا مع تراجع الإعلام المكتوب، صحفا وكتبا، وحتى إذاعة وتلفزة أمام سطوة “الشبكة العنكبوتية”، شبكة الإنترنت، التي باتت مفتوحة على مصراعيها على امتداد المعمورة بأسرها، ودون حواجز.
لقد تم اختراع الشبكة العنكبوتية (شبكة الإنترنت) نهاية العام 1988 على يد الأميركي السير (تيم بيرنرز لي)، ولم يكن يعتقد أحد في حينها أن الشبكة العنكبوتية ستلتهم الصحافة المكتوبة المقروءة، خصوصا في بلدان العالم الثالث، وأنها ستصبح مصدر الخبر الواسع الانتشار وبسرعةٍ فائقة. ويقول أحدهم، نقلا عن مصادر أميركية، إن الرئيس الأميركي الأسبق (بيل جيفرسون كلينتون) استدعى في آذار/مارس 1994، رؤساء تحرير الصحف الأميركية الكبرى، وناقش معهم انفجار ثورة المعلومات، وقال لهم ما معناه… “إنه مع انفجار ثورة المعلومات والاتصالات بات المواطن ضائعا في غابة هائلة من الأخبار والتحليلات، ليس معروفا ما هو الصحيح من الخاطئ فيها، وإن دوركم في الصحافة هو الإمساك بيد القارئ وإرشاده إلى الطريق الصحيح كي لا يضيع في هذه الغابة الهائلة..!”.
هنا، وتأكيدا على ما ذكرناه، علينا أن نلحظ الأرقام المنشورة قبل فترة ليست بالبعيدة، والتي تقول بأن التواصل عبر الشبكة العنكبوتية ومنتجاتها، وخصوصا (الفيسبوك) بلغ أرقاما هائلة، فهناك نحو ثلاثة مليارات مشترك عبر الفيسبوك، يمتلكون حسابا بواسطة تلك الوسيلة، لكن الغالبية الساحقة من هؤلاء من النادر جدا أن يقرأ صحيفة ورقية، أو أن يقرأ من وسيلة إعلامٍ مكتوب. بالفعل إنها سطوة الشبكة العنكبوتية المنفلتة دون ضوابط تقريبا…!!
حقيقة، الصحافة الرصينة المكتوبة، تواجه الآن، في زمن الشبكة العنكبوتية، التسونامي الأعمى الذي يجتاح عالمنا الأرضي، فخسرت البشرية طعم تطوير وزيادة إيصال المعرفة المُفترض مع اختراع تلك الشبكة العملاقة، وقد أصبحت تلك الشبكة في مُعظم عملها واستثمارها في خدمة البرامج الاستهلاكية التي لا تَبني ولا تؤسس لثقافة ومعرفة وعلوم في حالتنا.
لقد أسهمت الشبكة العنكبوتية في الدفع نحو زيادة مفاعيل العولمة (الكوكبة)، لكن أي عولمة؟؟ إنها العولمة الأحادية الجانب من قبل الطرف المُسيطر عليها، وليس العولمة المُتبادلة والمتوازنة بين الشعوب والمنظومات الأممية في العالم بأسره… فهل أدَّت الشبكة العنكبوتية، وظيفتها في خدمة الإنسانية، على الوجه الأكمل؟ أم أن ما ذهبنا إليه ما زال هو السائد في الاستثمار الاستهلاكي لتلك الشبكة، سؤال يحتاج لنقاش أوسع، ولإجابات..؟
هنا، وفي مقابلة أجرتها مجلة (فانتي فير) مع مخترع الشبكة الأميركي السير (تيم بيرنرز لي) تحدث فيها عن أسفه وألمه؛ لأن الشبكة العنكبوتية (الإنترنت)، خذلت البشرية ولم تخدمها، فكانت وما زالت أداة فاعلة من أدوات التضليل والتجسس على الآخرين. فتحوَّلت (من وجهة نظره) إلى وسيلة لتعميم الشرور أحيانا كثيرة، بدلا من دورها البنّاء المُفترض في مسار السعي لسعادة الإنسان وتطوير ما بيده من اختراعات علمية.
وعليه، نتمنى أن تنجلي محنة (وباء فيروس كورونا) بأسرع وقت مُمكن، وأن تنجلي معها، الكثير من المسائل المتعلقة بالشبكة العنكبوتية، لصالح إعادة النظر بتوجيه مفاعيلها لجهة تعميم الفائدة، خصوصا للأجيال الصاعدة، والتي يُفترض بها أن تنهل من معين هذا الإنجاز البشري لصالح الارتقاء بمستويات التربية والتعليم العالي والتحصيل العملي.

إلى الأعلى