الجمعة 5 يونيو 2020 م - ١٣ شوال ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق: كورونا (كوفيد 19) وخيار التباعد الاجتماعي: من عمق المشكلة إلى الحل السحري

في العمق: كورونا (كوفيد 19) وخيار التباعد الاجتماعي: من عمق المشكلة إلى الحل السحري

د. رجب بن علي العويسي

يعيش العالم اليوم في ظل جائحة فيروس كورونا (كوفيد19) تغيير جذري في كثير من أنماط الحياة الاجتماعية اليومية للملايين من البشر حول العالم، أدت إلى تغييرات في المفاهيم والمصطلحات وإنتاج مفاهيم جديدة فرضها فيروس كورونا على العالم، ووضع العالم خلالها أمام مسؤولية البحث عن إطار لعملها في الواقع حتى وإن تباينت مع المعتاد من السلوك والمتبع من الممارسات، ويعد النسق الاجتماعي من بين أكثر الأنساق التي شهدت تحولات جذرية كنتاج لما فرضه كورونا على المجتمعات وعادات الشعوب وأساليب العيش وآليات التعامل والمفردات وأشكال التعابير الاجتماعية المختلفة، تطلبت المزيد من التأطير المفاهيمي لها والفهم المعمق لمدلولاتها والقراءة الاستشرافية لما تحمله من مضامين، لها انعكاساتها على الواقع الاجتماعي للمجتمعات والشعوب الإنسانية عامة، حيث يأتي مصطلح التباعد الاجتماعي الذي فرض حضوره اليوم بقوة في الساحة الدولية في ظل ما ارتبط به من متغيرات وظروف وإجراءات وأساليب وأفكار وثقافات، عزز من جهود الحكومات في تبني خيارات استراتيجية للحد من انتشار الفيروس أو إبطاء سرعة انتشاره بين السكان.
لقد تناول الباحثون والمتخصصون في علم الاجتماع البشري المعاصر مفهوم التباعد الاجتماعي باعتباره حالة ضدية لمفهوم التواصل الاجتماعي، ومشكلة تعاني منها المجتمعات المعاصرة وتحديا تواجهه منظومة العلاقات، وسلوكا ينمّ عن مساحة الفجوة والتباينات الحاصلة بين بني البشر في ظل بروز مفاهيم الأنا وعلاقة المصالح، والمرتبطة بالتحولات والمعطيات الناتجة عن الثوة المعلوماتية وتقنية الاتصالات وإنترنت الأشياء وأجهزة الروبورت والذكاء الاصطناعي والإنسان الآلي، وأحد المعطيات المترتبة على التحولات الحاصلة في السلوك الاجتماعي التي انعكست سلبا على المنظومة الاجتماعية عامة والعلاقات الأسرية والعائلية بشكل خاص، وما أحدثه ذلك من اختلالات في العلاقات البينية في إطار الأسرة الواحدة (أبناء الأب الواحد أو الإخوة والأخوات وبين الأبناء والآباء والأزواج والزوجات وغيرها)، أو على مستوى العلاقات العائلية بين أبناء الأعمام والأخوال والعمات والخالات لتصل إلى فئات أخرى في العائلة، أو على مستوى العلاقات الاجتماعية في المجتمع الواحد ومع مجتمعات الأرض وثقافات الشعوب؛ والذي ساهم بدوره في انحسار ضابط الوعي ومشترك الفهم وتصادم الاهتمامات وتقاطع القناعات وتغاير الطموحات، حتى اتجهت العلاقات الاجتماعية إلى حالة الفتور والتذبذب والانكماش، وغطت على إيجابياتها كل المحطات والمواقف والمشتركات الحاصلة بين البشر في فترة سابقة، متجها إلى نزغة الماديات والهروب من الواقع الاجتماعي والأسري والعائلي بحجة العمل وعمل المرأة وفاقد الوقت الذي يقضيه الفرد في المنزل أو بين الأسرة، وهي ممارسات اتجهت بسلوك الإنسان إلى الأنانية والفردانية والفوقية والسلطوية وأبعدته عن الواقع الاجتماعي ليعيش في زاوية منفردة وبيئة ذاتية مغلقة يتقاسم فيها مع أمزجته الذاتية وعلاقته الشخصية الضيقة التي لا تتعدى بعض أصدقائه أو بعض أسرته؛ لتعيد جائحة كورونا (كوفيد 19) إلى المشهد الاجتماعي أنماطا أخرى ومفاهيم جديدة مغايرة، أو إن سلمنا بذلك تعيد إنتاج المصطلحات والمفاهيم بشكل يتناغم مع طبيعة الحالة، حتى أصبح التباعد الاجتماعي في ظل هذه الجائحة العظيمة والأزمة الخانقة أحد أهم الخيارات الاستراتيجية والبدائل الناجحة والحلول الناجعة للحد من انتشار الفيروس بين السكان أو لإيقاف سرعة وتيرة انتشاره بينهم، باعتباره مساحة أمان جسدية يتجنب فيها الفرد الاتصال المباشر بالأشخاص أو الأشياء في الأماكن الخاصة أو العامة كالأسواق والمتنزهات والحدائق والتجمعات العائلية ومراكز التسوق أو غيرها من الأماكن في أثناء تفشي المرض؛ وذلك بهدف تقليل حجم الإصابة به ومنع انتشاره، وإيقاف عدوى انتقاله واتساع رقعته بين السكان، كونه إجراء احترازيا وقائيا تتخذه الحكومات في الحد من انتشار المرض، لذلك عدَّ التباعد الاجتماعي من أكبر التحديات التي يواجهها النسق الاجتماعي في ظل تداخل المفاهيم وتقاطع مدلولاتها وتباين تفسيراتها وكثرة الاجتهاد الذي ساهم في تغيير أشكال التعابير الاجتماعية المرتبطة به، فبين من كان ينظر إليه على عهد قريب كمشكلة وتحدٍّ، أصبح اليوم يقرأ فيه غير ذلك، فهو حل وخيار استراتيجي للحد من انتشار المرض، لذلك يبقى التساؤل مطروحا أمام الباحثين في السلوك الاجتماعي والمهتمين بقضايا النسق الاجتماعي، كيف يمكن الانطلاقة من مفهوم التباعد الاجتماعي المستحدث كمدخل لإحداث توازن فكري في واقع المجتمعات، كونه سلوكا فطريا وهوية مجتمعية وطبيعة إنسانية، وفي الوقت نفسه ضرورة مجتمعية يترتب على تحقيقها انحسار المرض وزواله، وهل يمكن أن تفهم المجتمعات في مدلولات التباعد الاجتماعي مدخلا لزيادة فجوة التواصل في المجتمعات وتعميق عقدة الأنا والمدنية والأنانية؟ أم ستقرأ الشعوب في مفهوم التباعد الاجتماعي، حالة طارئة مرتبطة بظروف معينة ووباء عالمي يتطلب فيه إعادة إنتاج مسار العادات الاجتماعية بطريقة تحفظ استقرار المجتمع وحياة المواطن وعبر تكاتف جهود مختلف القطاعات المجتمعية لصناعة بدائل وإنتاج حلول وبناء سيناريوهات عمل تقلل من نسبة المخاطرة المجتمعية الناتجة عن عدم الالتزام بفرضية التباعد الاجتماعي كمدخل سحري للحل؟
من هنا فرض كورونا (كوفيد19) واقعا اجتماعيا جديدا في المجتمعات وأنماطا سلوكية متغايرة عما ألفه البشر في قوانين التواصل بينهم أو اعتادوا عليه في واقعهم ومحيطهم الاجتماعي من عادات، كون الإنسان مدنيا بطبعه وهو يعيش بفطرته مع الجماعة ويختلط بها وينسجم معها، وكسر هذه الفطرة البشرية يحتاج إلى المزيد من الوقت والجهد وفرض سياسة الأمر الواقع، وهو الأمر الذي اتجهت إليه الحكومات عبر سن التشريعات وفرض العقوبات الرادعة، ومنح السلطات الضبطية والقضائية والقانونية اتخاذ التدابير المعززة لتوجهاتها في هذا الشأن، وتمكين المؤسسات الأمنية والعسكرية من اتخاذ إجراءات أكثر تشددا وقوة في التعاطي مع التجاوزات التي تحصل من البشر في هذا الشأن وعبر تعزيز جهودها في مراقبة تطبيق القوانين والتزام الناس بتنفيذها وإحكام السيطرة والتحكم في عمليات تنقل الناس بين البلدان، ومع الصعوبة التي واجهتها في بداية الأمر، إلا أن النجاحات التي حققها هذا الإجراء في الصين والتعافي شبه التام الذي وصلت إليه، وعبر تطبيق نظام اجتماعي غير مسبوق تضمن بالإضافة إلى تطبيق التباعد الاجتماعي إجراءات أخرى كإغلاق تام للمنافذ والمعابر البرية والبحرية والجوية، وتقييد حركة التنقل واستخدام النقل العام، ومنع الناس من الخروج من منازلهم واختلاطهم بالآخرين، بالإضافة الى اعتماد إجراءات أخرى ترتبط بالتزام الثقافة الصحية والتعليمات الواردة من جهات الاختصاص المتعلقة باتباع العادات الصحية السليمة عند العطس والسعال والمداومة على غسل اليدين بالماء والصابون واستخدام المعقمات وغيرها، بالشكل الذي يعمل على إبطاء سرعة انتشار الفيروس وتقليل خطر الإصابة به وانتقال عدواه بين أفراد المجتمع؛ عزز ذلك من رغبة الدول في الاستفادة من هذا الإجراء وطرحه كخيار استراتيجي لفرض سلطة الواقع في التعامل مع كورونا والحد من انتشاره جنبا إلى جنب مع إلزامية البقاء في المنزل، وما تبعها من إجراءات احترازية أخرى، ولما كانت العادات الاجتماعية سياجا يحمي كيان المجتمع ويؤسس لمفاهيم الخيرية فيه، وتحقيق فرص السلامة والأمان والاستقرار من خلالها، ولنا فيما مارسه العمانيون عبر تاريخهم الطويل من عادات وتقاليد ومفردات ثقافية اتسمت بسلوك الأداء الجماعي لها خير مثال لبناء مجتمع السلام والقوة والأمن والتعاون والتكافل، وشكلت الفنون العمانية المغناة وأساليب العيش والتعامل الجماعي ممارسة أصيلة لرسم ملامح القوة في المجتمع في مواجهة التحديات والتعامل مع الأزمات، ولمّا كانت هذه الممارسة تتسم بالمرونة وحس المسؤولية نحو المجتمع، وفي ظل ما اتجهت إليه رؤية القيادة الحكيمة وتوجيهاتها في تأصيل مفاهيم التباعد الاجتماعي كإجراءات احترازية للحد من انتشار المرض، فقد تقبل العمانيون هذا الأمر بصدر رحب، وتعاملوا معه بروح المسؤولية، وأدركوا قيمته في قدرتهم على تحقيق التكامل مع جهود الدولة، التي بدورها وضعت في المواطن رهان الحل وعلاج المشكلة ومدخل التعامل مع هذه الجائحة، عبر ما يمتلكه من وعي وثقافة وقيم ومبادئ وأخلاقيات تعزز فيه روح المسؤولية وقرار الالتزام واتباع القرارات الصادرة من اللجنة العليا المكلفة بكل تفصيلاتها وعدم الحياد عنها قيد أنملة، وأن يصنع المواطن العماني في نفسه القدوة والمواطنة الإيجابية في تنفيذ هذا الواجب الوطني.
ومع ذلك فإن مفهوم التباعد الاجتماعي سيظل حالة طارئة ارتبطت بجائحة كورونا وتوجهات العالم نحو التقليل من انتشاره، لذلك لا يمكن اعتمادها كمسار حياتي بديل لحياة الجماعة والارتباط بالمشتركات الإنسانية والمؤتلفات البشرية، أو سلوك مستدام وإطار تتجه إليه المجتمعات، ليظل إجراء احترازيا للتعامل مع المعطيات الحاصلة في الحالة الوطنية والدولية على حد سواء، وتطويع السلوك الاجتماعي ليتكيف مع طبيعة المرحلة التي يمر بها المجتمع حفاظا على النسيج الاجتماعي والنوع البشري وحماية له من أي مخاطر قد تهدده، وعبر توظيف الأبعاد الاجتماعية والفرص المجتمعية والعادات والتقاليد في امتلاك الإرادة والدافع والأمل الذي يستطيع من خلاله المجتمع بأفراده مؤسساته أن يتغلب على هذه الأوبئة والأمراض والحالات الطارئة، وعبر مزيد من الوعي والثقافة الجمعية التي تستنهض في النفس همم الإنجاز والعمل الجاد، وعبر هيكلة آلية التعاطي مع هذه العادات الاجتماعية وإعادة صياغة السلوك الاجتماعي بطريقة تتناسب مع معطيات المرحلة، وتستجيب لنداء الحكمة وتوجهات الحكومة وقراراتها الاستراتيجية النابعة من حرصها على سلامة المواطن والمقيم وتوفير كل سبل الرعاية والحماية له، وما يعنيه ذلك أن تصبح هذه المحطات المجتمعية إطارا للبحث عن الحل ومعالجة المشكلة سواء عبر إيقافها أو تعليقها لفترة محددة مرتبطة بزوال المرض أو انتهاء الجائحة، وإكساب المواطن مزيدا من الفقه والمعرفة والحكمة في ترتيب أوضاعه وإدارة المواقف والتصرف فيها والتعامل معها، فيتنازل عن بعض القناعات والأفكار المتولدة لديه للتقليل من مخاطر ما يترتب على هذه الأوبئة من ضرر عليه وعلى مجتمعه والعالم؛ فإن تأثير الإجراءات الاحترازية في التعامل مع كورونا على الواقع الاجتماعي ينبغي أن يتجاوز التكهنات السلبية، فهو فرصة ينبغي أن تستفيد منها الحكومات في إنتاج المفاهيم والعادات ـ في مواجهة الممارسات الاجتماعية غير المنتجة أو التي تستهلك الوقت والجهد والمال، وتزيد من فرص الهدر غير المبرر والعمليات السطحية العشوائية المتكررة التي تمارس باسم العادات والتقاليد، أو تلك الممارسات المجتمعية التي أثبتت على مر الوقت آثارها السلبية على صحة المجتمع وأمنه وأمانه وسعادته واستقراره وتستنزف موارده وخيراته ـ وإعادة مسار السلوك الاجتماعي وتقنيه وضبطه وترقية الممارسة المجتمعية الهادفة والمنتقاة نحوه، وتقوية المسؤولية الاجتماعية بما يعزز من قدرة هذا السلوك الاجتماعي والأشكال التعبيرية المرتبطة به، على صناعة التحول وترسيخ مشتركات أفضل تضمن وقاية الإنسان وحمايته من المخاطر وتجنيبه الوقوع في التهلكة، وهي مع وقتية هذا السلوك المصحوب بالتقنين والتنظيم والضبطية والمساءلة وحسن الإدارة وإعادة توجيه المسار بما يحفظ أمن الإنسان وصلاحه ويتيح له فرص أكبر لإنتاج وإعادة هيكلة الواقع بصورة أكثر إيجابية وتفاؤلا.
وبالتالي فإن التباعد الاجتماعي لا يعني بأي حال من الأحوال طمس كل الفرص الإيجابية النوعية وتشويه العادات والتقاليد التي التزمها المجتمع واعتاد عليها في فترات متعاقبة فرسمت هويته وعبرت عن تمازجه وتعاونه وتعايشه وأعطت صورة إيجابية عن ما يحمله من قيم ومفردات تزخر بالحياة والجمال والأمل والأمان والسلام؛ ولا يُفهم من التباعد الاجتماعي مخرجا للهروب عن الواقع الاجتماعي أو التنازل عن منظومة المبادئ والأخلاقيات والهوية الوطنية ومشتركات السلوك الاجتماعي والمؤتلف القيمي بما يؤدي إلى قطع صلة الأرحام أو زيادة الفاقد في العلاقات الاجتماعية وتقليل مسار التعاون والتكامل بين أبناء المجتمع، القائم على تجسيد فضائل التكافل والتعاون وتقديم العون والدعم والمساندة وحب الخير للآخرين، واستدامة القيم والعادات الاجتماعية الديناميكية الأصيلة التي تستهدف نقل المجتمع من حالة الاتكالية وعدم المبالاة أو الاستهتار الذي يصدر من بعض فئاته إلى بناء مسارات القوة في التعامل مع الأزمات والجوائح ومواجهة الأوبئة والأمراض وغيرها من الحالات الاستثنائية التي تتعرض لها المجتمعات، والتي تستدعي تقوية عناصر الالتزام القطعي بهذه التوجهات الوطنية والإجراءات الاحترازية التي تتخذها اللجنة العليا المكلفة في سبيل الحد من انتشار المرض بين السكان كمنطلق للوفاء للوطن والمحافظة عليه وتجنيبه شبح الأمراض والأوبئة؛ بل عبر إعادة إنتاج المفاهيم وتصحيحها وتوجيه الممارسات والأفكار المتداولة نحو الوصول بالمجتمع إلى أفضل مستوياته في الصحة والسلامة والعافية، مجتمعا سليما معافى قويا، بما يؤكد في الوقت نفسه على أهمية البحث عن تقوية المنصات الاجتماعية والتفاعلية والتواصلية مع المجتمع وبين أبنائه وخلق أدوات تضمن تأكيد اللحمة الاجتماعية وتوجيه الفرد إلى الاعتراف بالمشتركات الإنسانية والأخلاقية والمبدأ والمصير كمنطلقات لسد فجوة التباعد وترقية مسارات التواصل وخلق سلوك اجتماعي يستفيد من كل المحطات الاجتماعية والتعليمية والتشريعية التي عززتها الحكومة وأطرها النظام الأساسي للدولة.
ويبقى التباعد الاجتماعي خيارا استراتيجيا في احتواء فيروس كورونا (كوفيد 19) والحد من انتشاره أو التقليل من عدد الإصابات الناتجة عن الاختلاط الحاصل بين أبناء المجتمع في الأماكن العامة أو العادات الاجتماعية أو بيئات العمل أو أماكن التسوق أو الزيارات واللقاءات وأماكن التعليم والتدريب وغيرها، في ظل ما يستهدفه من مساحات الأمان بإبعاد الأشخاص عن مكامن الخطر وتجنيب تعرضهم لفرص حمل الوباء والمرض، وعبر إلزام الناس بالبقاء في منازلهم وإيقاف جميع الأنشطة والتجمعات ذات الصبغة الجماعية وكل مسببات الاختلاط؛ فإن فتح مسارات أخرى ترتبط بتوظيف التقنية وتعزيز حضورها في رسم ملامح هذا التواصل الافتراضي من خلال تعزيز مسار العمل عن بعد والدراسة عن بعد والاهتمام بالمنصات الإلكترونية والتطبيقات الرقمية للخدمات المؤسسية والمنصات التسويقية وغيرها بالشكل الذي يحد من فرص الالتقاء المباشر في حين أنه يبقى الوصل ممدودا وجسر التواصل الرقمي مفتوحا، وبالتالي تعظيم فرص الاستفادة منها بشكل أكثر مهنية وإيجابية خصوصا في مثل هذه الظروف والجوائح والأوبئة والأزمات، بما يقوي مسارات العمل معا ويضمن التشاركية الفاعلة في الوصول إلى الهدف وبلوغه، وكسر هاجس الخوف والتحدي المترتب عليها، ويصبح التواصل الافتراضي إحدى الأدوات المهمة والاستراتيجيات الناجحة في بناء مجتمع التضامن والتكامل، ويسهم في سد عقدة الخوف الناتجة من انحسار العلاقات الاجتماعية أو ذوبانها في ظل انشغال الناس بذواتها واهتمامها بمصالحها الشخصية؛ ومعنى ذلك أن الخيرية المتحققة في التباعد الاجتماعي تضع العالم اليوم أمام ورقة اختبار في قدرته على الفهم المعمق لها والإجابة عن التساؤلات العميقة التي ترصدها في مستقبل الأجيال القادمة، وهو المسار الذي يجب أن يطرحه فقهاء علم الاجتماع البشري بصورة مستمرة مستفيدين من قراءتهم للواقع وتشخيصهم له في قراءة أوسع لمستقبل العالم في ظل نظريات التباعد الاجتماعي.
وأخيرا فإن التباعد الاجتماعي فرصة لإعادة مسار التفكير في آلية ممارسة العادات الاجتماعية اليومية والتواصل مع الآخرين بشكل أكثر مهنية واحترافية، بحيث تبرز فيها مستويات عليا من التقنين والتنظيم والتفعيل مع المحافظة على سقف واضح من الخصوصية التي تحمل سمات الفرد وتمايزه عن الآخرين، وتتيح له فرص التفرد والتميز عن غيره، ومنافستهم في الوصول إلى أعلى درجات الوعي والرقي والذوق والتفرد في المشاعر والأفكار والأحاسيس والقدرة على إدارة الذات وصناعة فرص أكبر للتغيير الذاتي، وإعادة هندسة الممارسة التي تقترب بشكل اكبر من التوقعات، وتؤسس لمرحلة القوة في الأحلام والطموحات، والقدوة في السلوك والتعاطي الجاد مع التوجهات الرسمية والقرارات الصادرة من اللجنة العليا المكلفة بمتابعة مستجدات التعامل مع انتشار فيروس كورونا (كوفيد 19)، بما يمنح الذات مساحة أوسع من الأريحية والبساطة في نمط العيش وأساليبه، والشعور بالآخرين والإحساس بوجودهم واحتياجاتهم بشكل يتناغم مع طبيعة الظروف ويتعايش مع مستجدات الأحداث ويتأقلم مع معطيات التحدي، ومعنى ذلك أن التباعد الاجتماعي يؤسس لمرحلة القوة في إدارة السلوك الاجتماعي والتعاطي مع العادات اليومية بين البشر، بشكل يحفظ معادلة التوازن قائمة، ومسيرة الاعتدال باقية، بحيث يوجه مسار التباعد الاجتماعي عندما يجد بأنه الأجدى والأنسب في حماية المجتمع والمحافظة على جسر التناغم البشري ممدودا بصورة مستدامة، ويتعاطى مع التباعد الاجتماعي كمساحة أمان يستطيع من خلالها إدارة الواقع المعايش بما يحفظ فيه رابط الود والإنسانية متصلا مع أسرته وأقاربه وأرحامه ومجتمعه ووطنه والعالم، عبر ترقية القيم والأخلاقيات والمبادئ والمثل العليا التي تؤسس لاستدامة روح الانسجام، وتعميق فرص التقدم فيه، ويطبق التباعد الاجتماعي كمدخل استراتيجي بما لا يضر بمجتمعه ونفسه أو يؤثر سلبا على مستوى اتصاله وعلاقته بالمجتمع، هذا الأمر من شأنه أن يجعل ردة فعل المجتمع على ممارسة قواعد التباعد الاجتماعي لتصبح نابعة من ذاته، فهي أكثر التزاما به وانتصارا له وتطبيقا لإجراءاته وتثمينا لمبادئه وترقية لمكاسبه التي ستتحقق للمجتمع، كونه نتاج مرحلة حاسمة وواقع مصيري عليه أن يتداركه قبل فوات الأوان، ليقف شامخا وقفة رجل واحد معلنا قبول التنازل الطوعي عن بعض العادات التي قد تتسبب في اتساع تفشي المرض وسرعة انتشاره وزيادة فتره بقاء ضرره في المجتمع، وأن التنازل بالتالي فرصة لإعادة التوازن في السلوك الاجتماعي وإنتاج الثقافة المجتمعية التي يجد فيها الجميع منصة احتواء له في تجنيبه ما لا يحمد عقباه، لتشكل تلك العادات المجتمعية جسر حماية لكينونة المجتمع وضمان بقاء مسارات التواصل والتكامل سارية المفعول لا تتأثر بمسألة تعليق أو منع التواصل الجسدي أو الالتقاء الجماعي والتجمعات الاجتماعية عن قرب؛ لتصبح ثقافة التباعد الاجتماعي مساحة أمان واسعة لبقاء جسر التواصل مفتوحا وحبل المودة ممدودا، ومصدر قوة تتجه بالمجتمع إلى فهم ذاته، والوقوف على أولوياته، وإدراك مسؤولياته في إزالة الخطر الواقع عليه، وتوجيه بوصلة العمل نحو تحقيق استباقية أكثر استيعابا للظروف والمتغيرات الناتجة عن استفحال المرض واستمرار الجائحة.

إلى الأعلى