الجمعة 5 يونيو 2020 م - ١٣ شوال ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / معا في مواجهة جائحة كورونا

معا في مواجهة جائحة كورونا

سعود بن علي الحارثي

ما الغايات السامية أو الأولويات المراد تحقيقها من الخطوات الاستباقية والسياسات والإجراءات الاحترازية الواسعة التي تتخذها وتقرها حكومات دول العالم ومنها السلطنة بالطبع، بغلق وتعليق وإيقاف الأنشطة الاقتصادية والمؤسسات التعليمية والمطارات والأسواق والأعمال والرحلات الجوية والبرية والجوية، ومنع التجمعات بأشكالها بما في ذلك صلاة الجماعة والجمعة ومناسبات الأعراس والعزاء بل وفرض حالة الطوارئ… مع ما يصاحب تلك الإجراءات من كساد اقتصادي وخسائر مالية عميقة واستنزاف الموارد وقطع الأرزاق وتبعات وأضرار هائلة لا حصر لها؟ لا شك في أن الغاية الأساسية تهدف إلى ضمان احتواء وباء كورونا والسيطرة عليه ومنع وتحجيم انتشاره، أخذا بمبدأ التحوط والوقاية، والإعداد والاستعداد وتعزيز الوعي المجتمعي، وذلك على ضوء ما خلصت إليه المتابعة والاستفادة، واستلهام الدروس والتجارب من الحالة الإيطالية خصوصا ـ انضمت إليها دول أخرى كثيرة فيما بعد ـ التي تعاملت مع انتشار الوباء بشيء من الإهمال والتهاون والوهن وعدم التجاوب المجتمعي مع التعليمات والتوجيهات بالبقاء في المنازل والابتعاد عن التجمعات… ما أدى إلى تفشي الفيروس بين الإيطاليين في تسارع مروع، وتسجيل آلاف المصابين في اليوم الواحد، ومئات الوفيات، فلم تتمكن المؤسسات الصحية من استيعاب الأعداد الكبيرة التي تهرع إلى المستشفيات والمراكز الصحية، التي واجهت نقصا في الأطباء والممرضين وغرف العزل والأسرة، وأجهزة التنفس الصناعي وغيرها من الأساسيات، وأوشك القطاع الصحي على الانهيار فعلا، وكانت إيطاليا أمام كارثة لم تشهد لها مثيلا في العصر الحديث. فمنذ أن اجتاح هذا الوباء العالم، وعلى ضوء المتابعة اليومية والقراءات المتواصلة ونتائج الأبحاث والمقارنات خلصت حكومات العالم إلى أن نتيجة خطره الأكبر على البشرية يتمثل أساسا في سرعة انتقاله وانتشار عدواه بين الأفراد ما يترتب عنه ارتفاع أعداد المصابين بشكل مضاعف ومخيف خلال أيام قصيرة جدا، فتفقد المؤسسات الصحية وأطقمها القدرة على التعامل مع الوضع ما يؤدي بها إلى التداعي والانهيار… ومن يجري مقارنة بين الأعداد المصابة بكورونا قبل شهر واليوم يكتشف الحقيقة. فإيطاليا التي تشهد يوميا في المتوسط أكثر من ٧٠٠ وفاة ولحقتها إسبانيا والولايات المتحدة الأميركية، وهي دول لها سمعتها وتصنيفاتها الرفيعة في مستوى الخدمات الصحية، يدرك أن الوباء ليس بالأمر العادي والهين، وحتى إن كانت الأمراض والأوبئة الأخرى تفتك أضعاف كورونا كما يدعي البعض، إلا أننا إذا قارنا ضحاياها خلال سنة مع كورونا خلال شهرين سنكتشف بأن كورونا هو الأخطر بشكل كبير ويهدد البشرية حقا، ولو لم تتخذ حكومات العالم التدابير والسياسات الحالية التي نراها فكم سيبلغ عدد المصابين والوفيات يا ترى؟ ومع ذلك وعلى ضوء هذه الإجراءات والسياسات المشددة، إلا أن العالم لا يزال يشهد هذا الارتفاع الكبير في أعداد المصابين… كنت مضطرا لأسوق هذه الحجج والملاحظات في مناقشاتي مع عدد من الأصدقاء والإخوان في وسائل التواصل الذي يحاججون ويؤكدون ويعتقدون بأن الإجراءات والسياسات المشار إليها في بداية المقال مبالغ فيها بشكل كبير، نتيجة التهويل الإعلامي والتضخيم الذي تشارك فيه وسائل التواصل، وبأن الوباء ليس بالخطر المحدق الذي يستوجب كل هذه التضحيات، درجة أن العالم يضحي باقتصاداته وثرواته ويستنزف موارده، ويغلق أسواقه، ويجمد أنشطته من أجله في إجراءات صارمة وغير مسبوقة سوف تقوده إلى الكارثة والكساد دون شك، فالخطر في حقيقة الأمر ليس في الجائحة(كورونا) بل في السياسات المتشددة التي تتخذ لمواجهته، ويغيب عن أصحاب هذه الرؤية بأن صحة الإنسان وحمايته من المخاطر هي أساس كل تنمية وتقدم وازدهار، وكل خسارة تهون وتصغر أمام هذه الغاية، وهذا هو بالضبط ما تسعى لتحقيقه ومنحه الأولوية دول العالم وحكوماته؛ حماية البشرية من جائحة كورونا وبعدها سيتم الالتفات إلى إعادة الأوضاع تدريجيا إلى ما كانت عليه، وإصلاح الأضرار الاقتصادية التي خلفها إغلاق وتعليق الأنشطة التجارية والأسواق، فالجائحة تتطلب منا في الوقت الراهن التكاتف ووحدة الكلمة والاصطفاف مع الجهود الجبارة المبذولة لمواجهة الجائحة، والإسهام في تعزيز الوعي بتنفيذ تعليمات اللجنة الرئيسية المكلفة بالتعامل مع كورونا وتوجيهات وزارة الصحة والبقاء في المنازل، والامتناع عن المشاركة في أي تجمع عائلي حتى داخل المنزل الواحد وحماية كبار السن من أية عدوى لا سمح الله، لا تضييع الوقت في جدليات لا تفيدنا في مواجهة هذا الوباء من مثل أنه مؤامرة أو هدفه تخريب الاقتصاد العالمي أو التشكيك في سياسات وقرارات اللجنة، وبيانات وزارة الصحة وجهودها والترويج للإشاعات… وفي حمى المناقشات الدائرة من هذا النوع، والخلافات العميقة بين الآراء حول كورونا، أعجبت بمداخلة أحد الأصدقاء ردا على مقطع فيديو يروج صاحبه لنظرية ملخصها أن منظمة دينية تقف خلف هذا الوباء بهدف تغيير تركيبة العالم الحالية، تحدث هذا الصديق في مداخلته قائلا: “حقيقة ما وجدت في كلام هذا الرجل أي شيء مقنع عن فيروس كورونا، نعم تحدث عن الرأسمالية الجشعة وهو محق، تحدث عن النيولبرالية ورغبتها في السيطرة على مقدرات البشرية، واستغلالها لمبادئ وقيم إنسانية لتحقيق مبتغاها وهو محق. لكن أن ينسب تفشي كورونا لطائفة دينية منتشرة في كل العالم هدفها استبدال النظام الاقتصادي بنظام آخر، هذا هو الغريب. السؤال: ما الذي يجمع هذه الطائفة في بلد بوذي مثل الصين، وبلد مسيحي في أوروبا، وهندوسي مثل الهند وغيرها؟ هل فقط حب المال، واستبدال النظام؟ طيب هي الآن تخسر المليارات، وما هدف تغيير النظام الاقتصادي؟ أليس المال؟ ثم يتهم الكثير من الشخصيات بأنها مشاركة في هذه المؤامرة، مثل مدير الصحة العالمية لأنه قال لا تستخدموا النقود الآن. نعم هو محق أن الفيروس تأثيره وخطورته ليست كبيرة مقارنة بالفيروسات الأخرى. لكن لا هو ولا المذيع تحدثوا عن الموضوع المفصلي في هذا الفيروس، وهو سرعة انتشاره مقارنة بالفيروسات الأخرى، وهذا الذي دمر وشل الاقتصاد والأنظمة الصحية. ثم أين الحكومات عن هذه الجماعة الدينية؟ هل مساندة لها؟ وهل الحكومات في الصين وأميركا وإيران وروسيا كلها متسترة على هذه الطائفة؟” وعندما نراجع الإجراءات والسياسات التي اتخذتها دول العالم لمواجهة انتشار كورونا، نجد أن الغرب تهاون معه أكثر من دول الخليج، لذلك فإن دوله هي الأكثر ضررا صحيا واقتصاديا، ما يعد مؤشرا على نفي نظرية المؤامرة من قبلهم، فلو كان لديهم علم بخصائصه وهم من تسبب فيه سنجدهم قادرين على حماية أنفسهم وبلدانهم، فالأوبئة والأمراض والفيروسات وجدت منذ أن وجد الإنسان فما هي المشكلة؟ وأعجبني مقال للكبيسي عدد فيه الأوبئة والأمراض التي انتشرت في البلدان العربية منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وعرض لشخصيات من الصحابة وحفظة القرآن والتابعين والعلماء وزوجاتهم الذين فتكت بهم هذه الأوبئة فهل كانت في وقتها مؤامرة؟

إلى الأعلى