الثلاثاء 26 مايو 2020 م - ٢ شوال ١٤٤١ هـ
الرئيسية / المحليات / الوطن بالتعاون مه الادعاء العام: مسؤولية الطبيب وفق ما جاء في قضاء المحكمة العليا
الوطن بالتعاون مه الادعاء العام: مسؤولية الطبيب وفق ما جاء في قضاء المحكمة العليا

الوطن بالتعاون مه الادعاء العام: مسؤولية الطبيب وفق ما جاء في قضاء المحكمة العليا

مُساعد المدعي العام / محمد بن عـلي الهطالي:
(مسؤولية الطبيب الذي اختاره المريض أو نائبه لعلاجه، ليست التـزامًا بتحقيق نتيجة، وإنما هي التزام ببذل عناية، إلا أن العناية المطلوبة منه تقتضي أن يبذل لمريضه جهودًا صادقة يقظة، تتفق ـ في غير الظروف الاستثنائية ـ مع الأصول المستقرة في علم الطب، فيسأل الطبيب عن كلِّ تقصيرٍ في مسلكِه الطبي، لا يقع من طبيب يقظ، في مستواه المهني، وُجد في الظروف الخارجية نفسها التي أحاطت بالطبيب المسؤول).

(الطعن رقم (197/2019م – جزائي عليا)
1 ـ الوقائع:

تتحصَّلُ الوقائع في أن الادِّعاء العام أحال المتهم (س.
ص) إلى المحكمة الابتدائية، لأنه بتاريخ سابق على (30/1/2018م)، بدائرة اختصاص مركز شرطة الخوض:
تسبب عن إهمال في إيذاء المجني عليها، وذلك نتيجة استخدامه تقنية ضعيفة في إجراء عملية شفط دهون لها بمستشفى (ك.م)، وعدم متابعته لحالتها المرضية، رغم علمه بتعرضها لقيء مُستمر بعد العملية مباشرة، أدى إلى حدوث مضاعفات فورية، استدعت تدخلاً طبيًا عاجلاً، وصولاً إلى ما آلت إليه حالتها الصحية، وفق الثابت بنتيجة تقرير اللجنة الطبية العليا.
وطالب الادِّعاء العام معاقبته بالجنحة المؤثمة بنص المادة (312) من قانون الجزاء، والجنحة المؤثمة بنص المادة (20) بدلالة المادة (19 / أ، ب) من قانون مزاولة مهنة الطب البشري وطب الأسنان.
وبجلسة (16/7/2018م) حكمت المحكمة حضوريًا: بإدانة المتهم (الطاعن) بالجنحة المؤثمة بالمادة (312) من قانون الجزاء والجنحة المؤثمة بالمادة (20) بدلالة المادة (19 / أ، ب) من قانون مزاولة مهنة الطب البشري وطب الأسنان، وقضت بمعاقبته بالسَّجن لمدة ستة أشهرٍ، وغرامة قدرها (500 ر.ع) خمسمائة ريال عماني، مع وقف عقوبة السجن، وإحالة المطالبة المدنية إلى المحكمة المختصة.

لم يحز هذا الحكم قبولاً لدى المحكوم عليه (الطاعن)، فاستأنفه أمام محكمة الاستئناف (دائرة الجنح المستأنفة) التـي قضت بجلسة (7/11/2018م) حضوريًا: بقبول الاستئناف شكلًا، وفي الموضوع برفضه، وتأييد الحكم المستأنف، وإلزام المستأنف المصروفات الجزائية.
ولم يرتض المحكوم عليه بـهذا القضــاء، فطعــن فيه بالنقــض أمام المحكمة العليا، حيث عاب على الحكم المطعون فيه الخطأ في تطبيق القانون، والإخلال بحق الدفاع، لأن المحكمة التي أصدرته، وبعد أن أشارت للدفاع بالترافع، رجعت واستمعت لشهود الإثبات، وهما: المجني عليها، والشاهد (الطبيب)، وأفسحت لهما المجال للإدلاء بشهادتيهما، والتفتت في الوقت ذاته عن طلبه سماع شاهدي النفي، وهما: الطبيبان (أ، ب) كونهما طبيبين خبيـرين في جراحة التجميل دون أن ترد عليه، وفي ذلك مخالفة للمادة (194) من قانون الإجراءات الجزائية، كما أن شهود الإثبات الذين تم سماعهم من طرف محكمة الحكم المطعون فيه أثَّروا على المحكمة في تكوين عقيدتها في الحكم الذي انتهت إليه، كذلك خالفت المادة (196) من القانون ذاته عندما استمعت لشهادة شاهد الإثبات الطبيب، دون أن تلزمه بأداء اليمين، إضافة إلى أن المقرر، وفق مقتضيات المادة (215)، من القانون ذاته، يشيرُ إلى عدم جوازية بناء المحكمة حكمها على دليلٍ لم يطرح على الخصوم بالجلسة؛ والبيِّـن من الحكم المطعون فيه أنه أورد في تسبيب حكم الإدانة أنه لم يقم بقياس مقدار الدهون التي تعاني منها المريضة، فيما لم تطرح المحكمة دليلها في ذلك على بساط البحث والمناقشة، مما حال دونه والرد على ذلك الدليل، كما أخطأ الحكم المطعون فيه لما ارتكز في قضائه بالإدانة على عدم قياس نسبة الدهون قبل إجراء العملية، باعتباره السبب في حدوث الثقوب بالأمعاء، والحال أن تقرير اللجنة الطبية العليا لم يشر إلى ذلك، بما يجعل الحكم المطعون فيه قائمًا على ما ليس له أصل بأوراق الدعوى، كون الأمر يتعلق بمسألةٍ فنيةٍ يمتنع فيها على المحكمة إبداء رأيها فيها، وإنما عليها تكليف أهل الخبرة؛ لاستجلاء الرأي العلمي والفني فيها، كما أن شاهدي النفي أكّدا أن عملية الشَّفط تتم بالتحسس باليد، وتعتمد على مهارة الطبيب، ولا دخل لقياس نسبة الشحوم في ذلك، وأخطأت المحكمة أيضًا في تحصيل شهادة الشاهدين المتخصّصين في مجال الجراحة التجميلية، الطبيبين (أ، ب) اللذين جاءت شهادتهما حاسمةً في أن ما حصل من ثقوب بأمعاء المجني عليها، لم يكن خطأً طبـيًا من جانبه، وإنما حصل نتيجة مضاعفات محتملة لعملية شفط الدهون؛ ناهيك عن أن تقرير اللجنة الطبية العُليا لم يُبنَ على رأيٍ فنيٍّ سليم، لأن الذين أعدوه لم يكن من بينهم خبير مُتخصّص، كما شهد بذلك الشاهد الطبيب (س ص)، ومن المقرر أن المحكمة غيـر ملزمة بالأخذ بقرار اللجنة الطبية العليا؛ لأن قرارها هو في الحقيقة بمثابة قرار الخبيـر، وللمحكمة الأخذ به أو رفضه، وكان البيِّـن أن تقرير اللجنة الطبية المذكورة لم يُشيَّد على أدلةٍ أو قرائنٍ، وفق مفهوم القانون، وإنما تأسَّس على مُجرَّد أدلة ظنية لأقوال من استمعت إليهم اللجنة، كل ذلك يعيب الحكم المطعون فيه، بما يستوجب نقضه.
2 ـ حكم المحكمة العليا:
وحيث إن ما ينعاه الطاعن على الحكم المطعون فيه غيـر سديد، لما هو مُقرَّر من أن مسؤولية الطبيب الذي اختاره المريض أو نائبه لعلاجه ليست التـزامًا بتحقيق نتيجة، وإنما هي التــزام ببذل عناية، إلا أن العناية المطلوبة منه تقتضي أن يبذل لمريضه جهودًا صادقة يقظة، تتَّفق في غيــر الظروف الاستثنائية مع الأصول المستقرة في علم الطب، فيسأل الطبيب عن كلّ تقصيرٍ في مسلكٍ طبـيٍّ، لا يقع من طبيبٍ يقِظ في مستواه المهنيّ، وُجد في الظروفِ الخارجيةِ نفسها التــي أحاطت بالطبيب المسؤول، وجَرّاح التجميل، وإن كان كغيره من الأطباء، لا يضمن نجاح العملية التي يجريها، إلا أن العناية المطلوبة منه أكثر منها في أحوال الجراحة الأخرى، اعتبارًا بأن جراحة التجميل لا يقصد منها شفاء المريض من علَّةٍ في جسمه؛ وإنما إصلاح تشويهٍ لا يُعرّض حياته لأيّ خطر.
ولما كان البيِّـن من الحكم المطعون فيه أنه أيَّد الحكم الابتدائي القاضي بإدانة الطاعن بما نسبه إليه الادعاء العام من اتهام، وذلك اعتمادًا على ما انتهـى إليه التقرير الطبي الوارد من اللّجنةِ الطبيَّةِ العُليا، والذي تضمّن أن الطاعن بصفته جرّاح تجميل أساء علاج المجني عليها من حيث التقنية التي استخدمها، وطريقة استعمالها، ممّا أدّى إلى إحداثِ خمسة عشر ثقبًا في الأمعاء الدقيقة، أدت إلى تعثر حالتها الصحية، ممَّا استوجب ترقيدها بالمستشفى، وإخضاعها لعمليةٍ جراحيةٍ دقيقةٍ، كما اعتبرت تلك اللجنة أيضًا أنه أساء علاج المجني عليها في المستشفى، حيث استخدم تقنيةٍ جراحيةٍ ضعيفة، وأن نصيحته لها في شأن القيء الذي اشتكت له منه بعد العملية كانت نصيحة غيـر متلائمة والعارض الصحيّ الذي اشتكت له منه مباشرة بعد العملية، كما اعتمدت تلك اللجنة التقرير المعد من قبل الطبيب الجرّاح، والمتضمن أن المجني عليها أدخلت المستشفى بينما كانت تشكو من آلامٍ حادة في البطن، وقيءٍ متكرر، وانتفاخ في البطن مع إمساك، وذلك عقب عملية شفط الدهون التي أجراها لها المتهم (الطاعن).ولما كان الحكم الابتدائي المؤيّد لأسبابه بالحكم المطعون فيه قد حصَّل من الواقع أن الطبيب (الطاعن) لم يعطِ عملية شفط الدهون، التي أجراها للمجني عليها، العناية اللازمة، والتي من ضمنها قياس مقدار الدهون التي تعاني منها المجني عليها، حتى يتسنى له إدخال أنبوب الشفط بالقدر اللازم لإتمام عملية الشفط، باعتبار أن ذلك يتطلب منه الحيطة والحذر قبل وأثناء مباشرة العملية، بما كان من شأنِه أن يجنِّبها إصابتها بالثقوب المعوية، وهو ما استوجب التدخُّل الجراحيّ العاجل؛ لتدارك ذلك، ولا يعفيه من ذلك القول بأن قياس نسبة الدهون عند المريض غيــر مهم وغيــر معمول به، وأن الخبرة التــي اكتسبها من خلال العمليات الجراحية التي أجراها طوال السنوات الماضية تغنيه عن مثل ذلك الإجراء، بما يتعيَّن معه رد ما يثيــره في هذا الشأن.
أما عن نعيه على الحكم المطعون فيه، من حيث اعتماد شهادة الشاهد الطبيب دون تحليفه اليمين، وأن له قرابة مصاهرة بالمجني عليها، فمردود عليه بما هو مُقرَّرٌ في قضاءِ المحكمة العليا من أن الشارع لم يحرم على القاضي الأخذ بأقوال من تم سماعهم من شهود بغير يميــن، باعتبار أن أقوالهم تعد من قبيل الاستدلال، إذا ما آنس الصدق فيها؛ وكان البيِّـن من الحكم المطعون فيه أن المحكمة التي أصدرته آنست الصدق في أقوال الشاهد المذكور، خاصة أن الطاعن لا ينازع في الكفاءة العلمية للشاهد المذكور، وإنما نازعه في تقدير ما تضمنته شهادته، وهو أمر مردود بما هو مقرر من أن وزن أقوال الشهود، وتقدير الظروف التي يأدُّونَ فيها شهادتهم، وتعويل القضاء على أقوالهم، مهما وُجِّه إليها من مطاعن، وحام حولها من الشبهات، كل ذلك مرجعه إلى محكمة الموضوع، تنزله المنزلة التي تراها، وتقدِّره التقدير الذي تطمئن إليه، وهي متى أخذت بشهادتهم، فإن ذلك يفيد أنها أطرحت كافة الاعتبارات التــي ساقها الدفاع؛ لحملها على عدم الأخذ به.
أما عن نعيه على الحكم المطعون فيه الإخلال بحق الدفاع، عندما لم تجب المحكمة التي أصدرته طلبه استدعاء الشاهدين الطبيبين (أ، ب) كونهما طبيبين خبيـرين في جراحةِ التجميل، فمردودٌ عليه بما هو مُقرَّرٌ من أنه وإن كان القانون قد أوجب على محكمة الموضوع سماع ما يبديه المتهم من أوجه الدفاع وتحقيقه، إلا أنه متى كانت الواقعة قد وضحت لديها، أو كان الأمر المطلوب تحقيقه غير منتجٍ، بعد أن وجدت في أوراق الدعوى ما يكون قناعتها الجازمة فيها؛ فلها أن تعرض عن ذلك، وكان البيِّـن من أوراق الدعوى أن ما أورده الحكم المطعون فيه من أدلةٍ كافيةٍ في إثباتِ الجُرم المنسوب للطاعن؛ فضلًا عن أن الشاهدين المذكورين سبق سماعهما من طرف المحكمة الابتدائية، وقدَّرت المحكمة، في حدودِ مُطلق سلطتها التقديرية في وزنِ أقوال الشهود، عدم الأخذ بشهادة الشاهدين المذكورين، وسبَّبت ذلك بتسبيبٍ له سنده الثابت بأوراق الدّعوى، بما يتعيَّن معه رد ما يثيره الطاعن في هذا الشأن، فمن المقرر أن المحكمة لا تلتزم بمتابعة المتهم في شتى مناحي دفاعه الموضوعـي وفي كل شبهة يثيـرها، والرد على ذلك، ما دام الرد يُستفاد ضمنًا من القضاء بالإدانة، استنادًا إلى أدلة الإثبات السائغة التي أوردها الحكم.
وبناءً عليه، ولما كان المقرَّر في قضاء المحكمة العليا أنه لا يعيب الحكم المطعون فيه إذا هو أيَّدَ الحكم الابتدائي أن يحيل على أسبابه التي أقيم عليها، متى كانت تكفي لحمله، أو أن يضيف إليه أسبابًا جديدة، وكان البيِّن من مطالعة تسبيب الحكم الابتدائي المؤيد لأسبابه من طرف محكمة الحكم المطعون فيه أن المحكمة التي أصدرته ساقت على صحة ثبوت واقعة الجرم الذي أدانت به الطاعن، وعلى الصورة التي وقرت في عقيدتها وسلامة إسنادها إليه أدلة كافية لإدانته، وقادرة على حمل قضاء الحكم عليها، بيَّنت المحكمة مضمونها ومؤدّاها، وكانت محل طرح شفويّ على بساط البحث بجلسة المحاكمة، وتمت مواجهة الطاعن بها، وكان ما أوردته المحكمة للتدليل على ما أدانت به الطاعن سائغًا وواضحًا ومقنعًا في اقترافه الجرم المسند إليه، وله معينه الصحيح في أوراق الدعوى، وقد استظهرت المحكمة بجلاء الواقعة بما تتوافر به كافة الأركان والعناصر الواقعية والقانونية للجرم محل إدانة الطاعن، ومن ثم فلا تثريب على المحكمة إن هي استخلصت الواقعة استخلاصًا سليمًا وسائغًا، لا يخالف المنطق والعقل، ولا يتنافر مع صحيح القانون، وجاء قضاؤها ملتزمًا قواعد تسبيب الأحكام وتكييفها وفق القيد والوصف المنطبق عليها، ولا محل لما رمى به الطاعن الحكم المطعون فيه من القصور في التسبيب، والخطأ في تطبيق القانون.
لذا، فإن الطعن برمته يكون على غيــر أساس، بما يتعيَّن رفضه موضوعًا، وإلزام الطاعن المصروفات، عملًا بنص المادة (225) من قانون الإجراءات الجزائية.
فلهذه الأسباب:
حكمت المحكمة العليا، بتاريخ 14/5/2019م، بقبول الطعن شكلًا، وفي الموضوع برفضه، وإلزام الطاعن المصروفات.

إلى الأعلى