الجمعة 29 مايو 2020 م - ٦ شوال ١٤٤١ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / قصة قصيرة: ولبثوا في الكهف
قصة قصيرة: ولبثوا في الكهف

قصة قصيرة: ولبثوا في الكهف

الجليلة بنت محمد الهنائية:
* ضمن مشروع مبادرة (أتخيّل وأكتب) للكاتبة بدرية البدرية (قررنا الذهاب في رحلة إلى كهف الهوتة، ولكننا أبداً لم نتخيّل ما حدث …)

دبيبٌ مزعجٌ في رأسي أجبرني على الاستيقاظ، فتحت عيني لأجد أن ذلك الدبيب ليس في رأسي فحسب بل في أرجاء البيت كافة، وقفت وسط تلك الفوضى العارمة مشدوهة، فالوقت مبكر، ولكن الجميع يتحرك في حماس وهم في أبهى طلة.

بعد برهة تذكرتُ ما جرى في الليلة الفائتة، فقد ألححنا على والدي أن يصحبنا في رحلة بما أن الإجازة قاربت على الانتهاء، فعرض علينا أن نزور كهف الهوتة، ثم نعرج نحو الجبل الأخضر لنقضي بقية اليوم هنالك.

صحوتُ من أفكاري على صوت أمي تأمرني بأن أُعجّل بارتداء ملابسي لأساعدهم في ترتيب أغراض الرحلة، بعد نصف ساعة تحركنا موكلين أمرنا وسلامتنا إلى الله، وبقدر ما أكره طول المسافات التي نقطعها دائما لنصل لغايتنا بقدر ما أحب تلك الدعابات التي ترميها أختي بين الفينة والأخرى مسببة نوبة من الضحك، إضافة إلى تلك المساجلات الشعرية التي يبدأ بها والدي لِنُقصِّر الطريق.

وصلنا أخيراً إلى كهف الهوتة، أدهشتني تلك الأفواج التي تتوافد إلى الكهف، لدرجة جعلتني أشك أننا نسير إلى جبل عرفة في موسم الحج لا إلى كهف الهوتة، ولكن دهشتي اختفت حين أخبرنا والدي أن هذا الكهف مصدر للأساطير منذ عقود مضت لما به من أشكال صخرية تبعث العجب والدهشة.

استقللنا القطار من الاستقبال في رحلة تقارب الخمس دقائق بين مناظر الجبال والأودية أقل ما يمكن وصفها به أنها آية في الجمال، كانت محاجر عينيّ تلتهم المناظر التهاما، وأذناي تستنطق الهوابط الصخرية فتفصح بعظيم قدرة الله، أما لساني فما فتر عن التسبيح وكذا حال من كانت تجلس بجواري.

ترجلنا من القطار ناسية تلك الصغيرة التي تركتها نائمة، إذ تحررت قدماي من قبضة عقلي فانطلقتا تقودانني كالمسحور لأشاهد ذلك الإبداع الرباني من هوابط صخرية وبحيرة عميقة ولا أنكر أن تصميم المسار الدائري أضاف رونقا من نوع آخر.

انقضت جولتنا بعد أربعين دقيقة وإن كانت كألف سنة مما يعدّون، وقرر أبي أنه حان وقت انطلاقنا إلى الجبل الأخضر، وفي تلك الأثناء لاحظت أمي أن أختي الصغيرة ليست في الجوار، وهنا دب الرعب في قلوبنا، وبدأت أمي تلقي بوساوسها كالقنابل فتارة تقول: يا ويلتي أيعقل أنها سقطت في البحيرة؟ وتارة أخرى تقول: أيعقل أن يكون أحد السُّيّاح قد اختطفها؟

أبي الوحيد الذي ظل حازما يبحث عن حل، فاتجه مباشرة إلى أحد حُرّاس الأمن وأبلغهم بما جرى، ثم تفرّقنا للبحث من جديد.

كان النور الذي سرى بين جنبات روحي بعد ذلك الجمال الذي تشرّبته عيناي قد بدأ يذوي شيئا فشيئا، دموع أمي التي تسحُّ بلا صوت ووجه أبي المكفهر أشعراني برعشة باردة في أطرافي.

خطفني خيالي من أسرتي، وبدأت بالاستسلام للخرافات والأساطير التي تقول أن البحيرة تبتلع كل من يقترب منها، ولا شكَّ أن أختي المسكينة ترقد الآن بهدوء في عمق هذه البحيرة الملعونة.

أخذ منا اليأس مأخذه، حين وجدنا رجل الأمن يبحث عنّا وفي يده أختي الصغيرة، أخبرنا فيما بعد أنه وجدها تبكي عند مواقف السيارات، فقد تاهت بعد أن استيقظت من نومها.

طيّرتُ عينيّ في وجهه، وضحكت وأنا أتذكر الخرافات التي استسلمت لها، ورددتُ لنفسي وأنا أُلقي نظرةً أخيرة على البحيرة الهادئة قبل أن نرحل:

- إذن هي ليست ملعونة، ولا تبتلع كل من يقترب منها.

إلى الأعلى