الأربعاء 27 مايو 2020 م - ٤ شوال ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / السلطنة تواجه “كورونا” بالابتكار والإنتاج المحلي والاكتفاء الذاتي

السلطنة تواجه “كورونا” بالابتكار والإنتاج المحلي والاكتفاء الذاتي

محمد عبد الصادق

كشفت جائحة كورونا أهمية تحقيق الاكتفاء الذاتي من السلع والمنتجات المختلفة لتلبية الطلب المحلي المتزايد، وتحقيق الاستقرار في الأسواق في ظل التحديات المرتبطة بتداعيات كورونا، بمنع حدوث نقص في سلعة معينة، وعدم الارتهان لأسر السلع المستوردة التي لا ينتظم قدومها وترتفع أسعارها وقت الأزمات، وقطع الطريق على ضعاف النفوس الذين يستغلون الأوضاع الحالية ليمارسوا الاحتكار أو يخفون السلع الضرورية “لتعطيش” السوق، ومن ثم يفرضون السعر الذي يريدونه على الراغب في الشراء، كما حدث في بعض المستلزمات الطبية وأدوات الحماية والمعقمات والكمامات، التي زاد الطلب عليها منذ ظهور الجائحة، والملاحظ أن المنتجات والسلع المحلية متوافرة في الأسواق ولم يطرأ ارتفاع على أسعارها، بينما الإشكالية في السلع والمنتجات المستوردة.
تنبهت السلطنة لأهمية تشجيع الإنتاج المحلي ومحاولة تحقيق الاكتفاء الذاتي في كثير من السلع منذ وقت مبكر؛ خصوصا في قطاع الصناعات الغذائية والمحاصيل الزراعية والثروة السمكية، فرغم مرور قرابة الشهر على ظهور أولى حالات كورونا في السلطنة وفرض إجراءات احترازية لمواجهة الجائحة، ما زالت الأسواق تعج بالمنتجات الزراعية العمانية من الخضراوات والفواكه الظازجة بأسعار في متناول الجميع، ونفس الأمر ينطبق على كافة المنتجات الغذائية مثل الطحين والزيوت، والألبان ومنتجاتها مع درجة عالية من الجودة والمطابقة للمواصفات العالمية، من إنتاج المزارع والمصانع العمانية، كما شهدت صناعة اللحوم والدواجن العمانية طفرة كبيرة خلال السنوات الماضية، ظهر تأثيرها جليا في تلك الأزمة، من خلال تلبية احتياجات المستهلك من هذه السلع الحيوية.
الفرصة سانحة للمنتج العماني الذي يلقى قبولا من المستهلك الذي يجد فيه الطعم والمكونات التي تلائم ذائقته وعاداته الغذائية، ليزيد من إنتاجه ويسد الفجوة الغذائية ويصل بالسلطنة إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي، بل هناك بعض السلع العمانية عرفت طريقها للتصدير واستطاعت المنافسة بجودتها وسعرها في الأسواق الخارجية.
محنة كورونا، كانت فرصة لظهور إبداعات شبابية عمانية متميزة؛ بعدما نجح مجموعة من المبتكرين العمانيين يملكون شركات صغيرة ومتوسطة تعمل في مجال التكنولوجيا في إنتاج أقنعة طبية، تستخدم من قبل الطواقم الطبية للوقاية من انتقال العدوى أثناء مكافحة فيروس كورونا، بعد تصميمه بواسطة تطبيقات الذكاء الاصطناعي وباستخدام طابعة ثلاثية الأبعاد، وهناك شركات أخرى استطاعت إنتاج جهاز لضخ الأكسجين في أجهزة التنفس الصناعي المستخدمة في وحدات الرعاية المركزة، والتي زادت أهميتها في إنقاذ حياة المصابين بالالتهاب الرئوي جراء كورونا، والتي تستلزم حالتهم وضعهم على أجهزة التنفس الصناعي.
يجب علينا الاستعداد جديا لمرحلة ما بعد كورونا، التي في رأي البعض سرعت الزمن عشر سنوات على الأقل، فما كان منتظرا حدوثه في 2030م، البشرية مضطرة إلى ممارسته الآن في 2020م، ولعل أبرز مظاهره هو ممارسة الأنشطة الحياتية بكافة أنواعها “أون لاين” باستخدام الحواسيب والهواتف الذكية؛ فأبناؤنا مجبرون على ممارسة الدراسة عن بعد عن طريق البريد الإلكتروني والدوائر الإلكترونية المغلقة وقنوات اليوتيوب التفاعلية مع المناهج النظرية والتجارب المعملية، كما أن كثيرا من المهن ولعل أبرزها الصحافة والإعلام اضطرت للتخلي عن الورق وتحولت لمنصات إلكترونية تبث عبر الإنترنت، وتجري حواراتها عبر “سكايب” بعيدا عن الاستديوهات التي اقتصر التواجد داخلها على مذيع يجلس وحيدا ربما يكون المصور وفني الإضاءة ومهندس الصوت في المستقبل “روبوتات” يتم برمجتها والتحكم فيها عن بعد.
ومع كورونا اضطررنا جميعا ـ حتى الكهول من أمثالي ـ إلى استخدام الهواتف الذكية في سداد الفواتير وتحويل الأموال والتسوق الإلكتروني، وتخلينا مجبرين عن العملات الورقية التي كان ملمسها يبعث على الدفء والراحة والإحساس بالأمان وهي ترقد شامخة داخل “المحفظة”، وصرنا مرغمين للتخلي عن تحفظنا وجبننا مخافة النصب علينا، جراء البيع والشراء عن طريق الإنترنت، بعد إغلاق المحال التجارية أبوابها بسبب كورونا، ولا ندري هل يعود التعامل اليدوي الجميل مرة أخرى؟ أم نعيش ما تبقى لنا من عمر داخل العالم الافتراضي صاغرين؟

إلى الأعلى