الأحد 31 مايو 2020 م - ٨ شوال ١٤٤١ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / اعتزال الحياة.. من أجل الحياة 2/1
اعتزال الحياة.. من أجل الحياة 2/1

اعتزال الحياة.. من أجل الحياة 2/1

عزيزة الطائية:

شعار نتخذه في هذه الفترة العصيبة التي يمر بها العالم أجمع.

■■ فأنا لأول مرة أرى العالم متفقًا في الرأي والحياة والقضاء والقدر والمقدر. يعيش ذات الأجواء، والناس أضحوا سواسية كأسنان المشط، ولا فرق بين عربي وأعجمي، مسلم أو مسيحي أو يهودي أو بوذي، علماني أو شيوعي أو متطرف أو سريالي، هذا جاهل وذاك عالم. فالحياة فجأة انقلبت رأسًا على عقب، وتساوت الشعوب والأجناس والطوائف في الوباء الذي هزّ العالم بأسره.
وأخيرًا أصبحت أهدافنا واحدة، وأحلامنا واحدة، ومعاناتنا واحدة، وحربنا واحدة مع فيروس كوفيد19(covid19) المتسبب لوباء كورونا(corona)، وعدنا إلى ما كنا عليه كبشرية خلقت من لحم ودم، «كلنا واحد»، كلنا من آدم وحواء. وكأن الله أراد لنظام هذا الكون أنْ يتحول في كلّ أصعدته السّياسية والاقتصادية والتّقنية والعلمية والاجتماعية. ■■
أرى نفسي اليوم، بل أرى كلّ فرد على هذه البسيطة يعيش حالة من التّوجس والخوف والرّعب والحذر.. حالة من التأزُّم والدّهشة والارتباك تارة، وحالة من التّأمل والتّفكر والاحتراز تارة أخرى.
كنا نقول «اللهم احفظ وطننا ناعمًا سالمًا»، وإنْ تجاوزنا ذلك نقول «اللهم احفظ أوطاننا غانمةً مكرمةً».. اليوم نقول: «اللهم احفظ العالم والبشرية جمعاء من هذا الوباء»
ومع هذه الحال التي يعيشها العالم أجمع، أصبحنا نبحث عن أنفسنا، وكيف لنا أنْ نقيها من شرور الوباء، وما هي الاحترازات التي تبعد عنا صيرورة الفيروس. ماذا عن ذواتنا وأنفسنا وأهلنا وأصحابنا؟ ماذا عن أعمالنا واهتماماتنا وعلاقاتنا وهواياتنا؟! ماذا عن كل شيء اعتدنا عليه قبل الحظر والحجر؟!!
✱✱✱
وماذا عن الكتابة ولذّتها ومتعتها، تأججها وثورانها؟! كنت أطرح هذا السّؤال على نفسي، وأنا أجد الوقت ملكي، ولا أجد له إجابة تطمئن النّفس. فأنْ تكتب عليك أنْ تصدق، تخلص، تتعرى، تهدأ، تحلم، تتأمل، تفكر، و… إلخ، لربما عندما تنكشف الغمة، ويجد الأطباء عقارًا شافيًا يسيطر على واقع الحال أستطيع التّعبير والكتابة بكل شفافية وحميمية وصدق. فما عليّ إلّا التّروي والانتظار؛ ولكن كلّما سارت الأيام، وتقدّمت بنا أراها تتعقد أكثر. حتى استسلمنا لمقولة «خليك في البيت تسلم» من عدوى الفيروس حتى لا ينتشر الوباء.
انتظرتُ وقتًا ملائمًا لأستطيع ممارسة شغف القراءة، ولذة الكتابة. ولكنني استسلمت دون لذة ومتعة وشغف. وأنا قابعة في زنزانة منزلي مع أسرتي الصغيرة. لعلي أشهر سيف الكتابة لأطعن به مكمن الوباء «كورونا» الذي تتعاظم متناسلة منه «كوفيد19»، ولكن طال الانتظار فكان عليّ أنْ أخرج من زنزانتي البيتية كممثل تراجيدي أو درامي مبهر على مسرح الحياة، أو كملحمة سينمائية رهيبة بصورها، رائعة بتفاصيلها، أو كأنني طائر يحلق بين الخير والشر، وهو على يقين بانتصار الخير على الشر؛ لتعم الأجواء بالخير العميم، والصحة المرجوة التي صار ينشدها العالم أجمع.. هكذا عشت طيلة تلك الأيام.
ها أنا ذي اليوم أحلق كطائر حالم بالصفاء والنقاء، يرفرف بجناحيه ناشدًا السّلام والأمان في فضاء معتم مرتاب؛ فيغدو..
بعيدًا عن الأرض
قريبًا من السّماء
من شرفتي النّائمة رغم انعكاس أشعة الشّمس على مرآتها أسترجع نفسي محاولة أنْ أصغي لصوت موسيقا صاخبة تضج بداخلي، محاولة التّخفف من هدير أفكاري، ورقص الضجيج بداخلي. أتأمل لون السّماء، وأنصت لهمس الجبال التي تملأ بلادي كنثار الذّهب على آنية فضية يكسو مساحات بلادي بسندس الحرير، أنصت لحفيف شجيرات السّمر والسّدر والنِّيم والغاف واللبان والنّارجيل.. أنصت للفرح القادم، من الماضي البعيد.. أنصت لتغريد طير يسامر حفيف شجرة نخيل على ساقية بستان تنتظر عناقي لها، أنصت لصوت الكلمات المتدفقة من روحي.. أنصت دون جدوى من شفاء، أهدأ قليلًا حتى تغتالني فكرة الزّوال، أو معنى الفراق.. أبتسم وأضع قدمي ثابتة على الأرض، ألتفت صوب الأفق المليء بالسحب لأستعيد كياني من جديد!
في حومة الوجود الأصيل انبجست كلماتي ماء دافقًا من بين صلب الوباء، وترائب الموت.. هكذا تراءت لي الكتابة في زمن «الكورونا».. تجذرًا، حزنًا، ألمًا، وجعًا من الموت، من العدم الذي يهدد البشرية جمعاء.. فهل أستطيع ممارسة ما أستلذه؟ وهل بنات أفكاري ستسعفني أنْ أدون ما يحدث بكلمات زهيدة، أو أتنبأ برؤية متواضعة بما سيؤول إليه العالم؟!
فنحن دائما ما نتعجب من الطريقة التي نتواصل من بئرها بعبارات التّحفيز والدّعم والتشجيع والبعد عن التشاؤم بتقديم جرعة من الإيجابية للحياة. حتى لا نعبر الحياة بتأثير سلبي على أرواحنا كأفراد، أو تأثير سلبي آخر على الأوطان. ففي أوقات الأزمات علينا أنّ نعبأ أرواحنا كأفراد بالأمل والتّفاؤل من أجل الأهل، من أجل الوطن، من أجل الإنسانية جمعاء.. ونردد أنْ القادم أجمل، وستشرق الشّمس، وستورق الأزهار، وتمتد أغصان الأشجار، وسيزول الوباء. غدًا سنعود للحياة من جديد، غدًا سنبحر حيث الحلم الأجمل، غدًا سنتعلم درسًا جديدًا من هذا الوباء.. هكذا حدثني قلبي!
أجلس بصمت، وأغلق عيني، تاركة كلّ خوف، متحررة من كلّ توجس، رامية كلّ وجع خلفي، لأتحرر من كل الأخبار والإرشادات والتّحذيرات التي تقودني إلى الضيق، أو الضغط، أو الاستسلام إلى بشاعة الفيروس وتدميره للحياة؛ حتى لا يصيبني الإحباط الذي قد يقودني إلى الانهزام أو الاكتئاب أو الإحباط، فأتصالح مع نفسي وأشعر بالرضا والسّكينة والأمان لمجرد أنني على أرض وطني وبين أهلي وأحبتي وناسي؛ فأشعر بالتّصالح والاطمئنان؛ فيغدو أجمل ما أستطيع فعله عزلة مرآتها ذاتي بين قلم وورقة.
✱✱✱
أفتش عن الحياة، كي أتعايش، أتكيف، أروض نفسي مع هذه الأزمة الإنسانية، باحثة عن أشيائي، عن تفاصيلي الصّغيرة، عن ذاتي التي سرقها الوقت من بين زحام الرّكام، وأظن أنني انتهيت، وأنّ الأيام قد تشابهت، ولا جديد أو عابر سيمر من دياري، ويحرك شيئًا ساكنًا في أعماقي، لكنّه لطف الله في لحظة يأس شديد قد تتبدل أحوالي التي ظننت أنّ لا يد قادرة على إخراجها من منتصف الليل الحالك، فيدخل الصّبح مشرقا، وتعيد أحلامي أنفاسها. وأعود لطبيعتي.. أجرد مكتبتي، أنظمها، أستل من بين رفوفها كتابًا اشتقت لقراءته، أفتح حاسوبي أراجع مادة كتبتها، أعيد ترتيب أثاث منزلي بين الأركان والزوايا، أغير مواقع القوارير والزّهريات، أقلب ألبومات الصّور القديمة بحثًا عن وجهي بين الجموع. وفكرتُ أنْ أعود لهوايتي القديمة في الرّسم والتّلوين، أو أغرز بعض الخيوط على قماش «الكنفاه/الاتمين» كي أسلي النّفس لتهدأ من ضجيج الفراغ والروتين الذي تلبَّسني، وسيطر على يومي!
في الصّباح أفتح جهاز حاسوبي، أحاول كتابة شيء ما، شيء أدركه، شيء أشعر به؛ ولكنني لا أعرف إليه سبيلا فأتوقف عن الهذيان.. وفي المساء أرنو لنصف القمر يتوسط سماء الليلك، أو ينسكب المطر، وأتمنى لو يغسل الأرض من الوباء، أتمنى لو جفّ ثغر المطر لتبكي حروفي الغمام شهيًا سلسبيلًا، طهرًا، عذبًا.. فطعم الغيث بعد الظمأ سيرصع المكان بالرّيحان والزّنبق والياسمين، وسنجني حصاده رحمة وأمنًا وسلامًا بسحب تغطي شعاع الهلال من شقوق السّماء؛ ليشرق بدر التّمام، وتصرخ بالقحط كلّ الشفاه، وتهزأ بالوباء كلّ الكلمات. يااااا.. هل «كورونا» سيجعلني عاشقة لليل، للقمر، للصباح، للشمس، للغيث، للمطر؟!
✱✱✱
حينما أتأمل الحياة في زمن الـ»كورونا، تعود بي ذاكرتي إلى قصة طاعون «عامواس» ذاك الطاعون الذي فتك بالبشرية في عهد سيدنا عمر، والاحترازات التي اعتمدت للعمل على إبادته، وأتذكر بيتًا شعريًا صاغه أبو الطيب المتنبي من تجارب الحياة، وهو:
«ذو العَقلِ يَشقَى في النّعيمِ بعَقْلِهِ/ وَأخو الجَهالَةِ في الشّقاوَةِ يَنعَمُ»
وردني مع هذه الأيام تحريف جميل مع واقع الوباء الذي نعيش في أجوائه، هو نداء بين السّخرية والتّذكير، هي نصيحة جميلة من «أبي الطيب الكروني» يرشدنا فيها إلى البقاء في البيت:
ذو العقل يبقى في السرير ببيته/ وأخو الجهالة في الشوارع يرتعُ
أبتسم مع هذا التّحريف، ففي الأزمات تتجلى السخرية وآدابها في أبهى صورها، محدثة نفسي ببقاء الكلمة جميلة الفحوى حتى تكتسب المقولات ثراءها من الأدب الخالد والملتزم بقضاياه الإنسانية والروحية. ففي وقت الأزمات نحتاج إلى شيء من المزاح والضّحك، والدعابة والنُّكتة، والمرح والفرح، وشيء ما من السخرية حتى نحب الحياة، ونقبل عليها، كي نواجه واقع الحال بصبر وثبات وعزيمة وجلد.. فبالوعي والاحتراز نحارب الوباء.
ستستمر الحياة، بالتفاؤل والعمل، والأخذ بالإرشادات، واتباع التعليمات كما تطلع زهرة من سواد الإسفلت. قد نظن أنّ كلّ شيء كاد أنْ ينتهي فيخلق لنا ربّ العزة والجبروت مخرجًا من حيث لا نحتسب لنبدأ روح الحياة من جديد، كما تتجدد الهواء في الفضاء.
فأنْ نكون في غربة مع طبيعة الحياة التي اعتدنا أنْ نمارسها يوميًا، ثم فجأة تتغير كلّ أشيائنا وتفاصيلنا اليومية، فهذا أقصى ما يمكن أنْ يشعرنا بالضّياع مع من حولنا، وكأن «كورونا» نداء إيقاظ لنا عندما انغمسنا في ماديات الحياة، وقطعنا أوصال رحمنا، وغرقنا بحب الذّات، حتى أصابت الخيبة قلوبنا، وهدمت القطيعة أحلامنا، وكاد العالم من مشرقه إلى مغربه أنْ يتحول إلى قطعة من صقيع، وكتلة من جفاف.
فنحن نشتاق لازدحام الصّباح، وسكون الليل.. نشتاق للقاءات الأهل والأصدقاء، نشتاق للجلوس في مقهى ونحتسي القهوة أو الشّاي، نشتاق للجلوس في حديقة أو مطعم ونأكل الفطائر والمعجنات، ونتذوق المقبلات والحلويات، بمعنى نشتاق للحياة. لكن أكثر ما آلمنا أنْ نحجر على أبنائنا ولا نحتضنهم، أنْ نطلب من أحدهم بعدم العودة على سبيل الاحتراز من الرحلات الطويلة التي قد يتطلب منهم فيها تغيير الطائرة أو تحويل خطوط الطيران خوفا عليهم من الإصابة بالفيروس، والأقسى أننا لا نعانق المغتربين منهم عند عودتهم لنا، بل نمارس معهم الحجر الكامل في غرفة معزولة بين المطهرات، والمعدات البلاستيكية، والأدوات الورقية، ونحن نناولهم الأشياء بالقفاز، أو نحدثهم من خلف الكمامة.. كان ذلك بالنسبة لي كأم -على الأقل- شعورا مؤلما جدا، وكأنني أعاقب نفسي قبل أن أعاقب أبني أو ابنتي.. كأنني أمارس الحب من خلف الزجاج، والأمومة من خلف القضبان!
يقينًا وصدقًا.. إنّ هذا الاحتراز والتّباعد الاجتماعي علمنا قيمة العلاقات الاجتماعية، وأهمية التّكاتف المجتمعي، وأنّ أفراد المجتمع هم صلبه ونواته. وأننا كبشر لا نستطيع العيش بمعزل عن الآخر. وليس شرطًا أنْ نكون أصدقاء الجميع لنطلب وجودهم حولنا. فالإنسان كائن اجتماعي، يحب العيش بين الجماعة كما يرى ابن خلدون «الإنسان مدني بالطبع» وأنّ رغبته في الوحدة أو العزلة ما هي إلّا لأوقات محددة ليشعر فيها بمرآة قلبه، وسكون روحه.
✱✱✱
تذكرتُ بيتًا آخر للمتنبي يقول فيه:
لا تَحْقِرنَّ صغيرًا في مخاصمةٍ/ إنَّ البعوضةَ تدمي مقلةَ الأسدِ
فهي ليست المرة الأولى التي يتعرض فيها العالم لمثل هذا الوباء. وربما صيغت قصص وحكايات وروايات بتخييل سردي عبّرت عن أثر الوباء في حياة الناس، وأوضحتْ كيف لوباء أنْ يغير مجريات الحياة، كرواية «الأعمى» لجوزيه ساراماغو، وروايتي غابرييل ماركيز «الحب في زمن الكوليرا» و»مائة عام من العزلة» وغيرها. الأمر الذي جعلني أكرر سؤالا على نفسي: ما الشيء الذي يمكن أنْ تكتبيه على وجه اليقين مع هذه الجائحة العالمية؟ الجائحة التي اخترقت كل يومك، وطبيعتك، ونظامك، وقناعاتك، وصيرورة حياتك بأكملها كأم وزوجة وابنة وأخت وصديقة وموظفة ومسؤولة و…!!
لكن ما حدث لنا كبشر من حرب ثالثة في شهر فبراير من عام 2020 لم يحدث سابقًا، لم يحدث أنْ يتجند العالم كلّه لمحاربة كائن لا يرى بالعين المجردة. فآخر ما كان يتوقعه الإنسان المنغمس في حياته اليومية أنّ كائنًا لا يرى إلّا بالمجاهر المتقدمة جدًا سيسلب منه حياته بكل تفاصيلها.
طرحتُ على نفسي الكثير من الأسئلة الساذجة على مرّ السنين، ولم يحدث يوما أن وجدت نفسي عاجزة عن الإجابة تمامًا؛ إلّا في زمن الـ»كورونا» الذي فرض علينا التّعايش معه، وتقبل كل حيثياته وفرضياته.
ومع ضجيج الفيروس وتصاعده عالميًا انتابني شعور أنني لم أعد كمالك الحزين الذي يسعى الصيادون خلف ريشه الجميل، أنا اليوم أقرب لأبي قردان (طائر الماء) النّائم على غصون الأشجار متكورًا دون أنْ يأبه به أحد، ربما كان عليّ التّوقف أخيرًا عن التّشبث بغصن شجرة؛ لأنجو من ضجيج الوباء وتداعياته.
وانتابني إحساس ثقيل أنّي كفلج كان ممتلئا بالماء، أضاع مجراه الأصيل، في فروع تتسرب داخل خواء الرّمال الحارقة، وبين هشيم الأعشاب الجافة.. هكذا هي روحي التّائهة بين سماع الأخبار، وتصاعد الوباء في زمن الـ»كورونا».
فجأة، وبسكون عالق.. أصبحت أكبر أمنياتنا أنْ نعود فقط لحياتنا العادية التي كانت قبل وقت قريب لا تعجبنا، كنّا في نعم من الله لم نشعر بها حتى فقدناها. لكن القيم الإنسانية منزهة عن كل ما يدعو للكراهية، والتّعصب، والتّمييز، والتّفرقة، والأنا ضد البشرية.. هذا ما يقوله فيروس «كوفيد19».

إلى الأعلى