الجمعة 29 مايو 2020 م - ٦ شوال ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / مَعْزَلُ الضِّيق

مَعْزَلُ الضِّيق

علي عقلة عرسان

يا صَاحبي..
هُنا يَضيقُ العَيشُ كلَّ الضِّيق..
لا ظِلَّ في الصَّباحِ في المَسا يَمْتَدُّ في المَضيق..
لا نَكْهَة للوردِ، للرَّيحانِ، لا شَدْوٌ ولا تَشْريق..
لا يَعْسِلُ النَّحْلُ هنا، لا شَهدَ لا رَحيق..
لا صُحْبة في الدَّربِ، لا شَقيق، لا رفيق..
لا كلمة فارِعة المِخيال فيها ما يَبلُّ الرِّيق..
لا مَن على دِيوانِه أَلْفي ولا يَلْفِي على دِيوانيَ الصَّديق..
هُنا خَواءٌ رَاتِعٌ صَفيق..
ونِحْلَةٌ عَجيبةٌ، وبيئةٌ خصيبةٌ لواعظٍ زِنْديق..
وماجنٍ ينامُ في النَّبيذ مُذ يَفيق..
هُنا غرائبُ الخَنا، فجُورُه المؤنَّقُ العَريق:
“عاشقةٌ تقسو على عَشيق..
بائعةٌ لِسِلْعَةٍ ماتِعةٍ.. تَبورُ في التَّسويق..
تشكو كَسادَ السُّوقِ في مَواسِم البَريق..
فيدهش الناسُ لَها، يولونَها الصَّفيرَ والنَّقيقَ والتَّصفيق”.
هُنا حِيادٌ باردٌ.. ضائقةٌ تَضيقُ ثُمْ تَضيق..
وحَسْرةٌ في قلبي المُقرَّحِ الرَّقيق..
بُؤسٌ هُنا يا صاحبي، يُوشِّحُ النُّفوسَ والبُيوتَ والطَّريق..
بُؤسٌ يَلُفُّ هامَتي يحشُرني، ينشُرني من لَحدي العَميق..
يُسْلِمُني للرُّعْبِ للطُّغيانِ في الزَّفيرِ والشَّهيق..
سَيفٌ رهيفٌ باتِرٌ في بَرِّنا مُشَرَّعٌ، لِدَمِّنا يُريق..
ونَكهةُ الأجسادِ لَحْمٌ في الحَريق.
غرقَى هُنا ولَحْدُنا حِجارةُ المَضِيق.
يا صاحبي.. يا صاحبي..
هنا يَضيقُ العَيشُ كلَّ الضِّيق..
- ٢ -

كَمْ تُمْطرُ الدُّنيا هُنا يا صاحبي..
سُيولُها تجولُ في أَحيائنا، تَفيض..
تَجْرُفنا، تُغرقنا، وماؤنا يُوحِلُ ثمْ يَغِيض..
كَمْ يُعشِبُ السَّهل هُنا.. لكنَّما..
للعُشْبِ طَعْمُ العَفَنِ البَغيض..
في أَرْضنا تُبرعمُ الأشجارُ لكنْ لا ثَمَر..
لا ضَوْعَ للأزهارِ للرَّبيعِ للأَلحانِ للقَرِيض..
والنَّثرُ مثلُ الشِّعرِ ضَحلٌ أو أَجيرٌ أَو مَريض..
لا تُضْرَبُ الأوتارُ، لا سُمَّارُ، لا سَمَر ..
ولا غِنا، ولا مَغانيَ لِلْهَنا، ولا سَهَر..
ولا يُناغي بيتَنا القَمَر..
وحُزنُنا سَيلُ العَنا، ودمعُنا يَفيض.
يا صاحبي أَحزاننا أَلوان..
مَوْتَى بلا أَكْفان..
ولُقمةُ العيش هنا مَنشودةٌ مثل المَهاجِرِ والسَّفَر..
والناس تُشْوَى مثلما لَحْمٌ غَرِيْض..
كَمْ سِربِ طَيرٍ يَعبُرُ الأرجاءَ في أَجوائنا
مثل سَرابٍ يَغتدي، يَمرُّ لا يَرتاحُ، لا يُريض..
وركْضُه يزرِي بركْضِ الخائفِ الرَّكِّيض..
يَخشى أَحابيلَ البَشَر..
يَخشَى اللّيالي الدَّامِسَة..
يَخشَى اللّيالي البِيض.
- ٣ -
كم يَرْعُفُ المَرْءُ هُنا كأنَّه المَصْدور..
مَصْرورةٌ أَوصالُه، مَعْصورةٌ أضلاعُه، مَهْصُور..
لا ضَوءَ في عَيْنَيْه، لا في قلبِهِ.. خاطرُه مَكْسور..
لا سِلْم في جَنْبَيْه، في نَومٍ له، في حُلْمِه.. مُكتئبٌ مقهور..
تُبصرُه الشَّمسُ ولا تَدري بهِ، كأنَّه مِن دَارِسِ القُبور..
يُخبِّئُ الناسُ هنا آلامَهم كَلامَهم أحلامَهم في مَهْمَهِ الصُّدور..
خوفًا من الآذان والجُدران والجيران والعُيون..
مِنْ نَشوةٍ عابرةٍ يَفرمُهم منشارُها المَشْهور..
لا تَحملُ الريحُ هنا نَجوى قلوبٍ عاشِقة..
يَمضي المُحبُّون هُنا كأنَّهم بيارقٌ إلى مَدى مَهْجور..
تجرُّهم ساحِرةٌ، يجرُّها من شَعرها إلى العَنا مَسْحور..
يمشون مشيَ الطائرِ المبرقعِ المَمْطور..
في تُربةٍ يغْمُرُها الدَّيْجور..
مثل القَطا المُهَجَّر المأْسُور..
مثل الثَّكالى تَنحني وتَندبُ المقُبور..
شُعورُهم مَنْخور..
يَبكون في مَظاهِرِ الحُبور..
تَمَظْهُرٌ مَشْكور..
وربَّما مأْجور..
والمكرُ يعبثُ بالضَّمائر، بالسَّرائرِ، لا مَسرَّةَ لا سُرور.
هُنا عِبادٌ كالجَمادِ كالصَّدى..
مُعَتَّقون في الرَّدى..
كما الرَّمادِ في المَدى مَنثور..
في زَحْمَةِ الغياب والحضور..
يُهلكهم قِيامُهم، رُقادُهم، حِيادُهم،
بلا مَواقفَ أَو بَصائرَ أو جذور..
وناظِرٌ ينظُرُهم، مُكَلَّفٌ بِلَجْمِهم،
مُسَرْبَلٌ بكرههم، وفِعْلُه مَنْظور..
والرِّيحُ تَرقُصُ رَقصةَ المَوتور..
تُزَوْبِعُ الأَحياءَ فعلَ العابثِ المَأْمور..
تجَمْعُهم في بَرزخٍ مَسْجور..
كأنَّهم في المَسْغَبَة،
كأنَّه الحَشْرُ الذي يُنفَخُ فيه الصُّور..
هُنا نَحيبٌ يَنتشي بعدَ نَحيب مُلْجَمٍ مُلَثَّمٍ مَحْظور..
والرُّوحُ تُشْوى في صَحارى الهَاجِرَة..
مَهْصورة يَهْصُرُها الحَصُور…
هائمة، خَائرَة، رَاجفةٌ، من هَلَعٍ تَخور..
هُنا.. هُنا.. مَقابِرٌ تَضيقُ بالقُبور.
- ٤ -
{{ تَرْنيمٌ.. وتَأْويل..}}

تَرَجَّحَ طَيْرٌ أَخضَر..
فوقَ غُصُونِ الشَّجرِ السَّامِقِ..
هَزَّ العَرشَ البَاذِخَ..
غَرَّدَ، أَطرَبَ، أَمْتَع، أَبْهَر..
تَرنَّحَ عِشْقًا أَحْمَر..
أَشْرَقَ منه النُّورُ، الصَّفْوُ..
أَنهَضَ فُلَّ الأَرضِ فأَزهَر..
أَسْفَرَ صُبحًا..
نورًا فاضَ.. تَبَلَّرَ زَهْوًا..
أَذَّنَ، هَلَّلَ، كَبَّر..
جَمَعَ الطَّيرَ على الأغْصانِ الخُضْرِ..
سَمَرَ الطّيرُ، رقَّصَ الشَّجَرُ، العُشبُ، الرَّملُ الأَصْفَر..
سِرْبٌ مِنْه طَارَ وجَالَ، ورَاحَ وجَاءَ،
أَعادَ الكَرَّ، الفَرَّ، الرَّقصَ، الزَّقْوَ.. تَبَخْتَر..
زَقوُ الطَّيرِ كَلَثْغِِ الطِّفلِ، بشيرٌ أَخضَر..
لغةُ الطَّيرِ عَجائبُ خَلْقِ الله، كُنوزُ الرَّمزِ،
خَمائلُ فَحَوى القَولِ، وسِرُّ السِّرِّ،
ونَشْرُ عُطورِ العَنْبر..
لغةُ الطَّيرِ تُثيرُ الوجْدَ..
تُغري الرُّوحَ فيَذْكُرُ، يَهْجُدُ، يَسْهَر..
يَشرَبُ خَمْرَ الوجْدِ فَيسْكَر..
يَصْفو، يَطْفو، ينشُدُ فضلَ اللهِ لِيسْموَ يَطْهر..
لُغةُ الطَّيرِ يَعيها الرُّوحُ، تُقرِّبُ نَحوَ اللهِ..
وتُثري الكونَ.. تُعلِّمُ أَكثَر..
قال الطَّيْرُ وأَصْغى الرُّوحُ..
عَصَفَتْ رِيحٌ صَرْصَر..
صَوتُ رَصاصٍ ثارَ..
نَطَقَ الخَلقُ..
جُرِحَ الحَلقُ..
ذُعِرَ الطيرُ..
ماجَ وطارَ..
بَقي الطَّيرُ الأَخْضَر..
سَقَطَ الطَّيرُ الأَخْضَر..
هَمَدَ الطَّيرُ الأَخْضَر..
خَرِسَ الزَّقْوُ، فَرَطَ اللَّغْوُ..
خَفَتَ الضَّوءُ، ذَبُلَ الفُلُّ، تَناهى اللَّحْنُ، ومَاتَ العَنْبَر.
جَفَلَ الرُّوحُ، خُسِفَ الوعيُ، بَرِقَ البَصَرُ، ودَارَ الكَونُ تَكَوَّر..
يا سِرَّ الرُّوحِ تَجلَّى فَيْضًا يَغْمُرُ، أَخْبِرْ..
ما قالَ الطَّيرُ وماذا أَضْمَرَ، ماذا أَخْفَى، ماذا أَظْهَر..؟!
يا سِرَّ الرُّوحِ وَعِيْتَ مَقالَ الطَّيرِ فَصِرْتَ هُيامًا..
“صَارَ القلبُ وجيبًا يَطْفُر..؟!
صَمتًا صارَ الرُّوحُ، ذُهُولًا.. هاجَ، تَحيَّر..
مَزَّقَ ثَوبَه، كَبَّرَ، غادرَ دَارَ الخَلقِ ينشُدُ دَارَ الحقِّ..
هاجَ وماجَ ودارَ وأَدبَر..
صَعِقَ الذَّاتُ بحُبِّ “الذَّاتِ”، تَرنَّحَ شَوقًا في الفَلواتِ..
صَلَّى، صَامَ، وتَاقَ لِنُورِ اللهِ فأَصْحَر..
حَافٍ سَارَ.. ليل نهار..
شَرِبَ النّارَ، ومَجَّ النارَ..
تَدابَرَ والنّاسُوت، تَماهى والمَلكوت، وبَشَّرَ “بالتَّلَفُوت”..
صَار غيابًا، صَارَ سَرابًا..
ثَار غُبارًا، مَرَّ سَحابًا أَصْفَر..
أَبْحَرَ.. أَبْحَرَ.. أَبحَر.”..
- ٥ -
خَلْقُ اللهِ رِماح..
غابٌ خَلْقُ اللهِ..
ليلٌ يَرتَعُ فيه الرُّعبُ..
يسْمُرُ فيه دونَ صَباح..
نَجْوى الخَلقِ صِياح..
شَدوٌ شِبْهُ أَنِينٍ،
لَغْوٌ شِبْه نُباح..
فَرَحُ النَّاسِ كليمٌ..
كَبَدُ النَّاسِ أَليمٌ..
طَرَبُ النَّاسِ جِراح..
حُزْنٌ يورقُ، يُزهرُ، يُثمرُ حُزْنًا..
كُلٌّ قَبْضُ الرِّيحِ،
مَتاعُ العُمر عُوَاءُ رِياح..
فَحْوى العَيشِ نُواح
لا.. لا تَفْرَح..
لا.. لا تَحْزَن..
لا.. لا تَأْسف..
لا.. لا تَأْمل..
لا.. لا تَحْلُم..
كلُّ الحُلْم رُهابٌ..
بَعْضُ الخَلقِ ذِئابٌ..
تَفْتِكُ بالأَرواح..
بَعضُ الخَلقُ أَضَاح..
كلُّ الوقتِ ضَبابٌ..
سَعْيٌ ثم إيابٌ..
غَابُ الخَلقِ ذِئابٌ..
كلُّ اللَّغْوِ ضُبَاح..
كُلُّ اللَّغْوِ ضُبَاح.
* * *

إلى الأعلى