الجمعة 29 مايو 2020 م - ٦ شوال ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / حتما سيتغير العالم

حتما سيتغير العالم

فوزي رمضان
صحفي مصري

من عتمة الليل، النهار راجع، ومهما طال الليل، يأتي النهار بتدبير المولى سبحانه.. قد تكون جائحة لكنها كاشفة، وقد يكون الموت، لكن تولد حيوات، قد تكون ضارة، لكنها في الأغلب نافعة، لم يستكن العالم ويتقوقع خشية الوباء، لكنه يتأمل ويخطط وينفذ من الآن، لعصر ما بعد كورونا.
لعصور كثيرة، وقف العالم منبهرا بالتفوق الحربي، وقدرته الفائقة على طي الأزمات، وقف العالم منبهرا بعصر الأسلحة والمعدات الثقيلة، حروب الفضاء واختراق الجدر، وشق عباب البحار، لتأتي الحروب البيولوجية والأوبئة الجائحة، تعلن التحدي أمام قمة اختراعات الإنسان، فلم يعد الهدف الآن تسلل الأعداء أو الممنوعات سياج الحدود، بقدر ما يكون الهدف تسلل فيروس أو بكتيريا أو جرثومة دون كشف؛ ومن هنا تبدأ الجيوش الاستماع لصوت العلم، ويصير مقياس حضارة الأمم قدرتها على تعقب الأمراض والقضاء عليها.
في غمار ذلك، انكشف زيف النموذج الغربي، فقد أظهر استجابة بطيئة، وتخبطا إداريا، وعشوائية في اتخاذ القرار، أظهر قصورا واضحا في الخدمة الصحية للمواطنين.. الغرب بقدر ما استولى على ثروات الدول الفقيرة، بقدر ما تعرَّى أمام العالم أجمع، وبات يعاني فشل منظومته الصحية، وشح إمداداته الطبية، بل والسطو عليها.. فشل الاتحاد الأوروبي ـ مع فخامة المسمى ـ في تقديم المساعدة لأكثر من 500 مليون مواطن، لقد سقط (البراند) الغربي في أعين الجميع.
لم تعد أميركا بعد اليوم القائد الدولي، بعدما أظهرت عدم الكفاءة في إدارة الأزمة، واهتمت بنفسها فقط، والحصول على احتياجاتها الطبية بالتهديد والتلويح بالقوة دون تقديم المعلومات أو المشورة أو المساعدة لأي من دول العالم، لم تعد أميركا الدولة العظمى على الأقل معنويا، فقد تحولت السلطة والنفوذ من الغرب إلى الشرق، بعد أن أظهرت الصين وكوريا الجنوبية وسنغافورة تفوقا ملحوظا في إدارة الأزمة، والتغلب على الجائحة ومساعدة الدول المتضررة.
سيشهد العالم تراجعا مفرطا نحو العولمة الأميركية، وسيتم التمحور نحو العولمة الصينية، التي أظهرت القوة والقدرة والسيطرة والتفوق العلمي غير المحدود أمام العولمة الأميركية المتسلطة والمتغطرسة، والتي ما زالت تعيش الوهم، وتعتبر ترسانتها الحربية، وعتادها العسكري هما فقط مصدر قيادة العالم، وهي التي تناشد الجميع الآن، بل تهدده بتزويدها بالعتاد الصحي والطبي الذي غفلت أن تستعد به.
باتت البشرية بين أنياب فيروس قاتل، وتخطيط غير ملائم، وقيادة غير كفؤة، حتما سيتغير العالم، سيشهد انكفاء الحكومات على الداخل، والتركيز على حدودوها، بدلا من التطلع للخارج، وتكريس كل الجهود لإعادة بناء الداخل، والتعامل مع العواقب الاقتصادية للأزمة، حيث البنية الاقتصادية التي تم إنشاؤها من قبل ستتدهور بسرعة، ويتطلب الأمر عندئذ انضباطا لدى القادة، للحفاظ على استقرار الشعوب، حيث القادم أصعب.
غالبا ستتدارك الحكومات كم كانت غبية عندما بات إنفاقها الصحي في ذيل أولوياتها، فاهتمت ببناء حظائر الآليات العسكرية ـ والتي غالبا ما تصدأ من عدم الاستخدام ـ على حساب الرعاية الصحية الشاملة وبناء المستشفيات، والاهتمام بالكادر الطبي (الجيش الأبيض) الذي لا يقل أهمية عن الجيوش النظامية.
المنتج المحلي، المنتج المحلي، المنتج المحلي، سيعرف الجميع عندما تشتد الأزمة الاقتصادية المقبلة كيف ستعاني معظم الدول التي تعتمد في طعامها على الغير؟! وكيف توسعت في تعشيب ملاعبها على حساب مزارع القمح؟ سيدرك الجميع أن وجود المعمل والمصنع والمزرعة على أراضيهم تغنيهم عن سؤال اللئيم.. حتما سيتغير العالم، عندما يدرك الجميع أن الجميع تقوقع، وأغلق عليه حدوده، وانعزل عن العالم وبات الشعار الأعم: أنا ومن بعدي الطوفان.
ستتغير العلاقات الاجتماعية ونظم العمل، فبعد أشهر من العمل في المنزل لعدد كبير من البشر، من الصعب العودة إلى حياتهم السابقة، فكلما زاد وقت العزل سيعتاد البشر العمل عن بُعد، والدراسة عن بُعد، وتخليص المصالح كافة عن بُعد، وهذا سيوفر من استهلاك الوقود، وتقليل الزحام وإيجاد فرصة لتربية جيدة للأطفال.. حتما سيتغير العالم كثيرا أمام من ينجو من الجائحة!

إلى الأعلى