الجمعة 5 يونيو 2020 م - ١٣ شوال ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / البلايا منبهات عقلية

البلايا منبهات عقلية

هلال اللواتي
(الدنيا دار الغفلة) .. هكذا عرفت هذه النشأة المادية، وهي تُعدُّ لدى الحكماء أدنى مراتب العوالم الوجودية، تعد أيضاً أخسها، وفسر البعض (أسفل سافلين) هي هذه النشأة المادية، وبين سبب ذهابه إلى هذا التفسير.
وإن أعظم لذة توجد في الإنسان، وتحتاج إلى تفعيل حقيقي هي (اللذة العقلية)، حيث يعيش الإنسان معرفة الحقائق الوجودية، ويراها عن قرب، بل ويدخل في أعماقها، إلا أن المشكلة التي نقع فيها نحن معاشر البشر هي: أننا نقع في أسر الغفلة عن الحقائق، والعلة التي تدفعنا إلى الغفلة هي انشغالنا في أمور جانبية ثانوية كمالية، فتغيب بسبب هذا الانشغال الأساسيات والأولويات والضروريات، ولا تقبل المسألة التهاون والاستغفال والاستحقار، لأن الانشغال عن شيء أهم يعد قبيحاً في عرف العقلاء والعقل.
وقد استدل بعض العقلاء على هذه الحقيقة ببساطة شديدة، فقد كتب الفيلسوف والمفكر مالبوت في كتابه (مقدمة في الأخلاق) ما مضمونه أن اللذائذ التي يبحث عنها الإنسان في الواقع والحقيقة هي اللذة التي تبقى ولا تزول، وأما التي تزول فلا تكون هي المقصود لديه، بل ولا تعد لذة، فالمال قابل للزوال، فهو إذن لا يعد اللذة التي يبحث عنها الإنسان، وكذلك الجنس، وكذا المنصب، وكذا الوجاهة، وكذا القوة المادية، فكل هذه الأمور وما لف لفها لذائذ محدودة وقابلة للزوال، وقد يتطلب يكلف الإنسان تلكم اللذات الكثير الكثير من حياتهم وصحتهم وسلامتهم وأموالهم وعزتهم وكرامتهم، وأما اللذات التي تبقى فهي مراد الإنسان في الواقع ونفس الأمر، وقد وصل الأعلام إلى أن قناعة بالبرهان والدليل والوجدان أن اللذة التي تبقى ولا تزول هي اللذة التي تتعلق بالعقل.
وشأن ما حول الإنسان من الملذات المادية وبهرجتها الغفلة، بل ولها تأثير كبير وشديد وخطير على اللذة العقلية، إذ تضعفها وتضعف من قدراتها ومهاراتها، وكذا تبعده عن أهداف العقل التي يبحث عنها.
ولهذا جاءت التعاليم الدينية داعية ومشجعة ومنيرة وهادية إلى الحياة العقلية، وإلى تحفيز هذه القوة في النفس البشرية كي تأخذ مكانتها الوجودية من بين الكثير من العوالم، فجاء الأنبياء عليهم السلام ليثيروا لدى الإنسان دفائن العقول، ولهذا قال البعض من الأعلام أن دور الأنبياء عليهم السلام لم يكن دوراً تأسيسياً للأخلاق والفضائل والقيم، بل كان دوراً كاشفياً حيث أن الأخلاق والقيم موجودة في الإنسان فهي تحتاج إلى إزاحة الستار عنها ليس إلا، وهذا مما يؤدي معنى اهدنا الصراط المستقيم، إذ كانت دور السماء وأهلها إرجاع الناس إلى الصراط المستقيم وليس تأسيس الصراط المستقيم لهم .. فتأمل.
ومن تلكم المهام لأجل إرجاع العقل إلى صوابه، وايقاظه من غفلته هي الاصابة بالبلايا، والامتحانات، وهي تنقسم إلى قسمين: ما تكون على المستوى الفردي، وهناك ما يكون بالمستوى الجماعي، وما يصيب البشرية اليوم يدخل في هذا الباب، وهو إيقاظ العقل البشري إلى واقع الحال، وهو يدعوهم إلى الخروج من حالة الغفلة والركود العقلي للدخول إلى عالم الحقائق.
وكانت هناك أدوار كثيرة قد تم تفعيله من قبل السماء لأجل تعليم الإنسان وتحفيز قدراته العقلية بالشكل الصحيح والمطلوب، وكان من أهم الأدوار التي قام به الأنبياء والرسل والأوصياء هو الإرشاد والتوجيه فقدم الأنبياء الارشادات والتوجيهات.

إلى الأعلى