الأحد 31 مايو 2020 م - ٨ شوال ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / قراءة بلاغية في آيات تحويل القبلة
قراءة بلاغية في آيات تحويل القبلة

قراءة بلاغية في آيات تحويل القبلة

د جمال عبد العزيز *
عندما ينتصف شعبان تهلُّ علينا قضيةُ تحويل القبلة، وما تمَ بشأنها في هذا اليوم الخامس عشر من شعبان، أو في السابع عشر من شعبان، أو من رجب على أقوال في ذلك، ففي العام الثاني بعد الهجرة النبوية المباركة، تم تحويل القبلة، والتوجه بها من المسجد الأقصى في القدس الشريف إلى المسجد الحرام في مكة المكرمة، وقيل كذلك : إن هذا كان في ثامن أيام المحرم من العام نفسه، في أثناء الركعة الثانية من صلاة الظهر حيث تحولوا وهم في الركوع من بيت المقدس إلى بيت الله الحرام (الكعبة المشرفة).
وكان المؤمنون قد صَلَّوْا نحو المسجد الأقصى ما يقرب من ستة عشر شهرا إلى أن وقع نسخ بقوله – تعالى-:”قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيت ماكنتم فولوا وجوهكم شطره”، وتمَّ تحوُل المسلمين من قبلة إلى قبلة إعلانا بوراثة المسلمين للقبلتين معا، ووَضْعًا لشكل جديد، وطبيعة مختلفة، وهيئة متباينة، واستقلال المسلمين استقلالا تاما بقبلة هي التي كان يتوجَّه إليها سيدنا إبراهيم – عليه السلام- في ملة واحدة، (ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل) حيث إن توجهنا إليه يربطنا بأبينا إبراهيم أبي الأنبياء جميعًا؛ فالمعروف تاريخيًا أن الكعبة والبيت الحرام كان قبلةَ ومتوجَه أبينا النبيِ الأوَّاه إبراهيم- عليه السلام-، والنبي-صلى الله عليه وسلم-، والمسلمون معه هم أولى الناس باتباع ملة أبيهم إبراهيم، وهو كذلك أوّلُ بيتٍ وُضِعَ للناس، ولحرص الرسول الكريم على أن تتميّز الأمة الإسلامية في عبادتها، وتوجُّهها، وسيرتها، وطريقها، وعقيدتها، ولأن تكون نسيج وحدها، لها سماتها، وضوابطها، وأخلاقياتها التي تتفرد بها، وتتميز عن غيرها من الأمم التي حَرّفتْ قبلها، وبدّلت، وغيَرَتْ، وجحدتْ وتنكَّرتْ، وعن ربها أدبرتْ، يدلّ على ذلك قول البراء بن عازب- رضي الله عنه-: “وكان يحب أن يوجّه إلى الكعبة”، رواه البخاري، وما كان للرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم – أن يخالف أمر ربّه، بيد أنه استطاع الجمع بين رغبته في التوجّه إلى الكعبة، وعدم مخالفة الأمر بالتوجّه إلى المسجد الأقصى، وذلك بأن صلَّى أمام الكعبة، ولكنْ متّجِهًا إلى الشمال، كما يدلّ عليه الحديث الذي رواه ابن عباس، حيث قال : ” كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يصلي، وهو بمكة نحو المسجد الاقصى، والكعبة بين يديه “، رواه أحمد.
تلك عجالة، وملخص الحادثة التي تُعَدُّ من كبريات أحداث الإسلام التي ميَّزتْ أمة الإسلام، ووسَّدتها مكان الصدارة، وموضع القيادة، وسبيل الريادة، وطريق السيادة، وأنها أمست لها وراثة المساجد الثلاثة، وقيادة البشرية إلى طريق الله القويمة، وسبيله المستقيمة، ودينه الحنيف، ومجتمع أهل الإيمان العفيف.
ولنبدأ في التقاط تلك الجوانب البلاغية في آية من آيات تحويل القبلة، قال الله – تعالى-: “سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم * وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم * قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فَوَلِّ وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون” (البقرة 142-144).
نتناول الآية الأولى التي بدأت بالسين التي تفيد التأكيد، وهي من حروف التأكيد في العربية، والفعل المضارع يفيد الاستمرار: (سيقول السفهاء من الناس)، فقد دخل الفعلَ ما يفيدُ الاستمرارَ، وتوكيدُ الحصول، وترسيخه في وعي القارئ، وحسه، وفيه إعجاز كذلك بالإخبار قبل الحدوث، وتحدٍّ كامل لهؤلاء السفهاء أنهم سيقولون ما حكاه القرآن الكريم، فلو كان عندهم بصيصٌ من عقل، وقليلٌ من نظر وفكر لما قالوا، ولانهدم مع سكوتهم وعدم قولهم النصُّ القرآني، وراح إعجازُه في النبؤ بالغيب، وما سيقع فيه، ولَباَنَ عوارُه، أما، وقد أكد الشيءَ قبل حصوله، وتحدَاهم فيه، فكونهم قالوا ما كان قد أخبر به، ولم يسكتوا عن التفوه به فهو دليل على إحاطة الله التامة بكونه، وعلمه المحيط، وقيوميته التامة لله، وأنه لا يخرج شيء في ملكوته عن أمره، ولا يعزب عن مشيئته، وهو كناية من وجه آخر على عُقْم التفكير، واهتراء العقل، وضعف النظر، وشدة الجهل بالواقع، وأل في (السفهاء) إما أنها جنسية، فيدخل فيها كلُّ سفيه من الناس ، فلا يقف السفه عند تلك الطائفة التي ذمَّها القرآن الكريم، وإما أنها عهدية، أي يقصد بها هذا الصنف من المعروف من البشر الذين تحدث السياق عنهم، وأظهر ضعف عقولهم، وسفَه رأيهم، و(أل) في الناس كذلك يصح أن تكون جنسية، كما يصح أن تكون عهدية، ولعل قائلا يتساءل قائلا: لِمَ قال :(السفهاء) وأعاد كلمة: (من الناس) مع أن السفهاء هم ناس من الناس؟، ذكر أهل البلاغة أنه ورد كلك للتنبيه على بلوغهم الحد الأقصى من السفاهة، وكأنه لا يوجد في الناس سفهاءُ غير هؤلاء المشككين في قبلة المسلمين على وجه المبالغة، والمعنى: أن كل من صدر عنه هذا القول هو سفيه، سواء أكان القائل منهم، أم من المنافقين أم المشركين، وهكذا وسَّع القرآن الكريم من دائرة القائلين، ولو نصَّ على هؤلاء وحدهم لضاقت تلك الدائرة، ولانحصر القول فيمن نزل فيهم وحدهم، وهذا تأكيد لوصفهم بالسفه التام، والطيش الشامل في قضية التشكيك التي عبَّر عنها بهذا الاستفهام الذي يحمل التهكم، حيث تشكيك هؤلاء في صحة الرسالة، وأرادوا بقولهم هذا إحداثَ بلبلة في صفوف المسلمين، وفي نفوسهم، فقال حاكيا عنهم:” ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟” فهو استفهام خرج مخرج التشكيك، والسخرية، مؤداه أنهم لو كانوا على حقٍّ في توجُّههم الأول فلِمَ تركوه، وولوا وجوههم شطر المسجد الحرام؟!، وهو أمر قد أحدث بالفعل فتنة، وبلبلة غير عادية في المجتمع المسلم، حيث تساءل بعض الصحابة عمَّنْ مات، وهو يصلي قبالة المسجد الأقصى أولى القبلتين، وثالث الحرمين؟، هل سيُقبَل منه الله ما قضاه في حياته، أم سيكون مصيره عدم القبول؟، والذين يحيون الآن من المؤمنين الذين صَلَّوْا ردحًا من الزمان متوجِّهين إلى المسجد الأقصى: ما حكم صلاتهم؟، فنزل القرآن مباشرة حاسمًا قاطعَ الدلالة، قاطعًا دابر تلك الفتنة المصطنعة:” وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ” (143) سورة البقرة. سمَّى الصلاة هنا إيمانًا؛ لكونها وقودَ الإيمان، ومعراج المؤمن إلى الكريم المنان، الرحيم الرحمن، ولتبين أنهم ما ضاع إيمانُهم، وهو مجاز مرسل علاقته الكلية، حيث أطلق الكل:(الإيمان) ، وأراد بعضه وهو (الصلاة)، أو هو مجاز مرسل علاقته المسببية، حيث جاء بالمسبب، وحذف السبب، والإيمان مسبَّب عن الالتزام، أو مجاز علاقته السببية؛ لأن الصلاة كان الإيمانُ أساسَها، ومنشئَها، والداعيَ إليها، وهو الذي كان به حصول الطاعة.
والإضافة في (قبلتهم) للسخرية، فالقبلة لا يحددها البشر فلا تنسب إليهم، وإنما يحددها الهن- عز وجل- رب البشر، وهي قبلته، ولا يجوز أن يحددها أحدٌ غيرُه، فليست قبلتهم التي ابتدعوها من عنديَاتهم، والتعبير ب(التي) ، وهو اسم موصول غامض ليكون أكثر إيغالا في السخرية منهم، والتندر بأهل الإيمان، ومجيء حرف الاستعلاء (على) في نحو(التي كانوا عليها) على التي (يستقبلونها)مثلا؛ ليكون المستقبَل، وهو القبلة القديمة إشعارًا بأنهم متى صلَّوا توجهوا إليها، بخلاف التعبير القرآني الراقي:(عليها) الذي يوحي بالملازمة والاستعلاء، وأوامر الله علوية، واجبة النفاذ، أو لعلها منهم تفيد السطحية، أيْ التي تمسكوا بها تمسكًا هينًا، لا متجذِّرًا بدليل تركها إلى قبلة البيت الحرام، وهي الكعبة المشرفة، ثم قال – تعالى-:” قل لله المشرق والمغرب” وهنا أسلوب قصر، وذلك بتقديم الخبر شبه الجملة: (لله)، وهو المسند على المبتدأ وهو المسند إليه: (المشرق والمغرب)، وقصر ذلك على الله – سبحانه وتعالى- ؛ لبيان ملكية كل الجهات قاطبة لواحد أحد، فرد صمد، هو الله رب العالمين، فالجهات كلها: شرقا، وغربا، وشمالا، وجنوبا له – جل جلاله-، وأن استحقاق التوجُّه إنما هو لله وحده، لا لأحد من الخلق، وأن التوجه إليها ليس استحقاقا ذاتيًّا، بل هو أمر ألهيّ، وتوجيه ربانيّ، وفي التعبير بالجملة الفعلية في قوله – تعالى-:” يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم” (البقرة 142) يفيد الاستمرار والدوام، فالهداية دائمة وراجعة إليه – سبحانه-، وفيه تعريض بعدم هداية هؤلاء الذين استخدموا في حملتهم الآثمة ضد المسلمين أسلوب الإنشاء بطريق الاستفهام: (ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟) بقصد التشكيك، والإنكار، والتعجيب، والتهكم المقيت، وآثروا التعبير بالكناية باسم الموصول دون الاسم الظاهر (التي كانوا عليها) دون التصريح؛ وذلك ليتناغم هذا القول منهم مع مقام التشكيك، والتشنيع، والتهويل، والذي يشاؤه الله، ويشاء هدايته هو من استقام على الطريق ممَّن أخذ حدود الله، وتعاليم شرعه مأخذَ الجِدِّ والتوقير، وقام لها، ونهض بحقها، وقدَّسها، وعرف قدْرَها، فاستجاب إلى التوجُّه هناك عندما طلب إليه، ثم توجَّه إلى بيت الحرام حيث مكة، والكعبة المشرفة عندما أمره الله – تعالى-، كلُّ ذلك في ثوبٍ من التعريض بمسلكهم المهين، وأسلوبهم الرذيل الذي تفوهوا به تهكمًا على أهل الإيمان، وسخرية من تغيير توجُّههم، ولا يعلمون أن التوجه والعبادة إنما هي مسألة اتباع، ومنحى اقتداء، لا تأليف من المسلمين أو افتراء، فقد تحولت القبلة إلى البيت الحرام بفضل الله، وتوجَه المسلمون إلى بيت الله الحرام، متوجَّه أبينا إبراهيم حنيفا، وهو أول بيت وُضِع للناس، وهو مهبط الأنبياء، وملتقى الرسل، ومهوى فؤاد المصلحين والصالحين، والبيت الذي قلَّبَ الرسولُ الكريم لأجل التوجُّه إليه وجهَه كله لا بصره فق نحو السماء لله باكيا خاشعا أن يحوِّله إليه، والتعبير بقوله – تعالى-:” قد نرى تقلب وجهك في السماء” فيه مجاز مرسل علاقته الكلية؛ حيث عبَّر بالكل، وهو (وجهك) عن البصر والنظر والعين، وهو جزئي؛ لبيان مدى حرص الرسول الكريم، ومدى حبِّه لبيت الله الحرام، حيث كان في الدعاء يقلِّب وجهَه كلَّه بدل ناظريْه في صفحة السماء باكيًا، خاشعا لله، راجيًا تنزل رحمة الله، بالتوجه إلى الكعبة المشرفة متوجَّه آبائه والأنبياء قبله، ولتتميز أمة الإسلام في منهجها، وعقيدتها، وعبادتها، وهيئتها، وتوجُّهها، ويكون لها التفرد في كلِّ شيء، ويضحى المسجد الأقصى، والمسجد الحرام، والمسجد النبوي ضمنَ وراثة المسلمين إلى يوم الدين، اللهم خذ بأيدينا إليك أخذ الكرام عليك، وحوِّلْ قلوبَنا، وجوارحنا إليك، وذلِّل الهدى إلينا، ويسر لنا العود إليك، وإلى رحاب بيتك العتيق، ومسجدك الأقصى، اللهم يسر لنا زيارة بيتك: مرارا وتكرارا، حجا واعتمارا، واكتب لنا صلاة في المسجد الأقصى، والمسجد النبوي جميعًا، إنك على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، نعم المولى، ونعم النصير، وصلى الله، وسلم، وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
د جمال عبد العزيز أحمد
كلية دار العلوم – جامعة القاهرة
جمهورية مصر العربية
Dragmal2020@hotmail.com

إلى الأعلى