الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 م - ٢٦ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / العين الثالثة .. الوفاء المتبادل .. عنوان مرحلتنا الوطنية

العين الثالثة .. الوفاء المتبادل .. عنوان مرحلتنا الوطنية

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

بكل تأكيد لم يكن الأسبوع الماضي اعتياديا ولن يكون، ليس لبلادنا فقط بل والمنطقة كلها، هذه ليست مبالغة ولا تمجيدا إعلاميا لحدث وطني بامتياز، أبدا أبدا، وإنما هو وصف دقيق لما رصدناه من تفاعلات ونتائج عبرت عن نفسها بصريح العبارة بعد أن ظهر عاهل البلاد ـ حفظه الله ورعاه ـ في مناسبتين صريحتين وواضحتين بعد أربعة شهور علاج في الخارج، وهما كلمة جلالته للعمانيين واستقباله بعض كبار الشخصيات العمانية الرفيعة المستوى، فمن خلالهما (أي التفاعلات والنتائج) ظهرت لنا المعالم الأساسية للثابت العماني، وكشفت لنا ما هو متصل وما هو متحول ومنقطع مهما كانت الظروف والتحديات التي تمر بها بلادنا، فكيف ينبغي أن تستثمر الحكومة الثابت والمتصل وتواجه التحول والمنقطع لديمومة الثابت والمتصل وحصانتهما من تقلبات وتحولات الدهر؟
الأسبوع الماضي قد فتح مجموعة فرضيات للتفكير والبحث والاستشراف .. وعلى السلطة التنفيذية أن تمعن التفكير فيها بصورة معمقة، ومن ثم العمل على صياغة برامجها الإنمائية والاقتصادية في ضوئها، وهنا يستوجب علينا تقديم قراءة لأبعاد وخلفيات الكلمة السامية سالفة الذكر ونتائجها حتى يمكننا أن نرسم خريطة ذهنية لمسارات معيشية ملحة على الظرفية الراهنة وتنموية خلال المرحلة المستقبلية، وقد استوقفنا في كلمة جلالته الموجهة للعمانيين الفقرة التالية ـ المتعلقة بموضوعنا طبعا وهي قول جلالته ـ “معبرين عن سرورنا العميق، وشكرنا البالغ لما قدمتموه وتقدمونه من مشاعر صادقة ودعوات مخلصة” .. تأملوا معنا في كل مفردة من مفردات تلك الفقرة، كل واحدة منها ذات حمولات عاطفية متدفقة وصلت فورا إلى القلوب “سرورنا العميق وشكرنا البالغ” على ماذا؟ لما قدمه ويقدمه العمانيون من “مشاعر صادقة ودعوات مخلصة”، وتأملوا معي في مفردات وصف المشاعر والدعوات، وقد وصلت جاذبيتها غير المرئية إلى كل العمانيين، فشكلت مع إطلالة عاهل البلاد وهو في صحة جيدة ملاحم وطنية من كل فئات المجتمع رجالا ونساء، أطفالا وكبارا .. ولن تنسى من ذاكراتنا مشاهد ورؤى طلاب المدارس وهم يسجدون لله شكرا ويرددون بصوت واحد مهيب نشيدنا الوطني بعد سماع كلمة جلالته، ولن تنسى كذلك الأفراح التي عبرت عنها كل ولايات السلطنة، فرحا بسلامة القائد، وتناغما وانسجاما تلقائيا مع تلك الأجراس العاطفية التي تحملها تللك المفردات، فهل آن الأوان للعقول في بلادنا أن تترجمها في مبادرات وإكرامات آنية وفي مشاريع إنمائية وخدمية لتحسين معيشة المواطنين الأوفياء الذين خصهم ـ حفظه الله ورعاه ـ في لحظة تاريخية حاسمة ومرحلة عربية وكونية ضاغطة، بأجمل عبارات الشكر والتقدير، وأقواها بلاغة ودلالة ومعنى، وذلك لوفائهم الدائم والمستديم؟ كانت آمالنا تتوقع من بعض الفاعلين من خلال مواقعهم الرفيعة دفع الأمور باتجاه تكريم هذا الشعب لتتعمق الأفراح في النفس والمعيشة، وكنا نتأمله أن يكون فوريا، لكن، لا تزال الكرة في ملعبهم، فعليهم العمل بعد اليوم على أجندة تحسين أوضاع معيشة المواطنين، فهذا الشعب الوفي يستأهل فعلا كل خير، والخير إذا لم يأتِ الآن، فمتى سيأتي؟ هذا على الصعيد الآني، أما على الصعيد المستقبلي، فإن المسؤولية الكبرى الآن ملقاة على عاتق المجلس الأعلى للتخطيط الذي تم إنشاؤه عام 2012م بعد مجموعة إخفاقات كبيرة للجنة العليا لتخطيط المدن، فقد أعطي المجلس الأعلى مسؤولية رسم مستقبل التنمية في بلادنا واعتمادها كذلك، وهنا نتساءل: هل يعني هذا الوفاء المتبادل والثابت بين القائد وشعبه شيئا للمجلس؟ وهل وصلت رسالة الوفاء المتبادل إليه؟ وكيف؟ بمعنى كيف تم قراءتها؟ من الأهمية التذكير بتجربة التنمية في السبعينيات والثمانينيات على وجه التحديد، وكيف صنعت مجتمعا جديدا؟ وكيف كسبت مجتمعنا من خلال برامج ومشاريع تنموية وحوافز اقتصادية واعدة، ومن الأهمية مقارنة ذلك بتجربة التنمية التي تم صياغتها عام 1996، وكيف في عهدها تفجرت أحداث عام 2011؟ وإذا ما أضفنا إلى تلك التجربتين الثابت والمتصل في العلاقة بين القائد وشعبه، فإن الخريطة التنموية والاقتصادية لبلادنا ينبغي أن يكون جل تركيزها على البعد الاجتماعي، فبلادنا حمولتها الاجتماعية ثقيلة جدا، وهي ليست كالدول الأخرى التي يمكن تتجاوز البعد الديموغرافي بسهولة، فهل سينفتح المجلس الأعلى للتخطيط على البعد الاجتماعي أكثر من السابق؟ لا خيار أمامه بعد الآن خاصة بعد تجليات الوفاء المتبادل بين أهل عُمان وقائد وموحِّد البلاد، تجليات إنسانية تعلو وتسمو بالمشاعر ولا بد أن تترجم في أجندة عاجلة ومشاريع مستقبلية لسعادة من يحمل تلك المشاعر العالية والمجردة لذاتها حبا صادقا وخالصا ومخلصا، ولا بد للفريق الحكومي أن ينحني لهذا الحب بالأفعال لا بالكلام، لأن المرحلة الراهنة مرحلة الوفاء المتبادل، فهل ستدخل الحكومة نفسها فيه أم ستظل تغرد خارجه؟ هذا كله سوف يتوقف على مواقفها المقبلة على الأمدين، الحاضر والمستقبل.

إلى الأعلى