الأحد 31 مايو 2020 م - ٨ شوال ١٤٤١ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / اعتزال الحياة.. من أجل الحياة 2/2
اعتزال الحياة.. من أجل الحياة 2/2

اعتزال الحياة.. من أجل الحياة 2/2

عزيزة الطائية:
أنْ تبحث عن حاجياتك، وتعيد اكتشاف وجودك هاربًا من المرض والموت، باحثًا عن حياة صحية آمنة، حتى لا تعيش مجبرًا، وأنت منشغل بالخوف المحيط بك وتنسى نفسك فهذا أقصى ما يمكن أن يشعرك بالرّهبة والغربة.
في هذا الوقت ذاته تذكرت مقولة «الموت مع الجماعة أرحم» رغم أنني لا أخشى الموت، بمقدار ما أخشى الخديعة؛ لكن ربطت حالة الموت الجمعي بحالة الضّيق والملل والخوف والحذر التي صاحبت الكثيرين هذه الأيام خلال فترة الحظر في العالم قاطبة، ورأيت في معنى الجماعة جمالًا وأناقة ومحبة، وحدة وإيثارًا وعدالة؛ وإنّها – أي المقولة- حكمة تلخص حاجة الجماعة إلى التبعية لأوامر وإرشادات تضعنا جميعًا في ذات الخندق؛ فلسنا وحدنا كي نواجه جبروت الفيروس، ولستُ وحدي من يبحث عن نفسي متى أصبت بخيبات الأمل، ولست وحدي في عزلتي عن طبيعة الحياة، ولستُ وحدي من تعثرت قدماي، ولستُ وحدي إنْ سرقت أحلامي وأمنياتي، ولستُ وحدي إنْ أجل فرحي وبهجتي، ولست وحدي مع تجاوز العقبات، ولست وحدي من تهرب كلّ ليلة عن ذاكرتها وتستعيد روحها، وتتبع دمعة سقطتْ على الأرض، أو تحجرت في عينيها. لستُ وحدي التي فارقت أحبة ورسمت خارطة جديدة لأحلامها بعدما اصطدمت في أعلى السّقف، لستُ وحدي من صالحت الأقدار وبحثت عن النور والسلام، لستُ وحدي من أحمل الأمنيات فالجميع يعيش حالة الضّجيج الصّامت من الحياة في زمن الـ»كورونا».
وصرت أردد كلّ العالم في الهوة نفسها، وأحمد الله على وجودنا في بيوتنا وأهلنا حولنا ووسائل الاتصال متاحة لنطمئن على أحبتنا ممن أبعدتهم الظّروف قسرًا.
ولا زلنا على رأس العمل عن بعد. تعليمنا مستمر بانتظار قرار الاختبارات النّهائية
ويأخذ مني التّعليم عن بعد معظم الفترة الصّباحية، وأنا أتنقل مابين متابعة الحصص، ومتابعةً مجموعات الواتس آب(whatsapp)، والرّد على الإيميلات
وطبعاً يكون الكتاب رفيقي الودود في كلّ الأوقات. بكلّ صدق لا أعرف كيف يمر الوقت، وإنْ كان سيكون لديّ وقت أتأمل فيه؛ لأجلس وأقرأ وأكتب وأرسم وألون أو أنصت إلى موسيقا هادئة وأسمع فيروز ترشدني «خليك في البيت» أو عبد الحليم ينادي «يا أصحابي يا أهلي يا جيراني أنا عاوز أخدكوا بأحضاني»… فماذا عنكم، كيف تقضون أوقاتكم؟!!
فكما يقول: ديل كارنيج «عندما تعطيك سببًا الحياة لتيأس، أعطها ألف سبب للاستمرار، لا شيء أقوى من إرادة الإنسان على هذه الأرض».
وأنا أقرأ، وأفكر في كتابة شيء ما، تبين لي أنّ الحل الوحيد يكمن في عدم اليقين، وأنّ السّبيل الوحيد لفهم حيثيات الزّمن هو الاستسلام التّام له؛ لأبقى معافاة، آمنة بسلام روحي.. لا أدري إنْ كان ما أفكر فيه صحيحًا سليمًا جليًا؟ لكنه مخرج من أشياء وتفاصيل كثيرة عشتها في زمن الـ «كورونا».
✱✱✱
هل حقًا نحن نعيش حربًا عالمية ثالثة؟ ومن المنتصر فيها؟ وكيف سيؤول العالم بعدها؟ وماذا عن امتلاك الأسلحة النّووية وآلات الفتك والدّمار والتّصنيع الذي يحارب البشرية؟! ماذا عن صانعي الذرة والأسلحة والمدافع والدبابات؟! ماذا عن أمريكا وأوروبا؟ ماذا عن ثقافة العنصرية، وتفوق الجنس الأبيض؟ ماذا عن صناعة الفيروسات والأسلحة والقنابل التي شهدتها البشرية، وبات وأصبح العالم شاهدًا عليها، ليرى الموت والقتل والبشاعة والأنانية قد عمّت البشرية جمعاء؟!
مع عهد «كورونا» –بلا شك- انجلى كلّ شيء أمام العيان، اهتزت قوى العالم التي كانت لها الصّولة والجولة والسّيادة والجبروت، وانقلبت موازين العلم والتّفوق والاختراع، لم يعد مفهوم القوة للأقوى واردًا، والبقاء للأفضل مسيطرًا؛ بل القوة للبشرية، لأجل إنسانية البشرية، والبقاء للصناعة التي تخدم الإنسان، البقاء والقوة للعمل، للإنتاج، للعطاء، للاجتهاد، لمحبي العدالة والسلام.. هكذا قالت لنا الصّين يوم ابتليت بالوباء إنّ القوة في العقل والإنتاج والعمل، والبقاء مع صناعة الأمل للإنسان، وحمايته من الفتك والدّمار.
ولعل أبرز ما يمكن استخلاصه من معطيات هذا الوباء العالمي، وبعد استنجاد أميركا وأوروبا لإنقاذ شعوبها وأراضيها من الوباء والموت والفناء، نستطيع القول: إنّ أميركا أثبتت عدم جاهزيتها للقضاء على الوباء، وأنّها ليست الدولة القيادية الأولى في العالم، وإنّ الصين هي الفائزة في الحرب العالمية الثالثة بالعقل والصناعة، بالحب والعطاء، بالاجتهاد والإنتاج دون قنابل وقتال واستيلاء على خيرات الدول. وإنّ قيمة الدول وتقدمها يقاس بالطاقم الصّحي من أطباء وممرضين، وبالمنهج التعليمي والقائمين عليه الذي يحفز على التّفكير والإبداع، وعلى الجيش والأركان الذين يسهرون من أجل مصلحة الشّعب والإنسانية جمعاء.
لقد تغيرت النّظرة تجاه الإنسان والتّصنيع والصّحة والتّعليم والتّقدم في أميركا وأوروبا. وأضحت الوقاية والاحتراز هي الظلال المنشودة لأجل الحياة. والنّفط الذي تحارب الشّعوب من أجل الاستيلاء على خيرات دوله لا قيمة له أمام إنقاذ حياة البشرية من التلوث والوباء والموت والعدم. وكأنّ «كوفيد19» حدثنا.. أنّ الموت آتٍ ولا فرق عنده بين صغير وكبير، غني وفقير، جاهل ومتعلم، عاقل ومجنون، متخلف ومتطور. كما أنّ الحجر أجج إنسانية الإنسان حتى مع الحيوانات من البهائم والطيور التي نحجر عليها قسرًا دون رحمة وشفاعة، ونحبسها عمدًا بين القضبان والأقفاص دون رغبة واستئناس. وأنّ المحافظة على نظافة البيئة المحيطة هي أسمى ما يسعى إليه الإنسان، حتى لا تنتششر الفيروسات ليبقى الإنسان في حصانة من التلوث، ولتكون المحافظة على البيئة لأجله ولسعادته هي الهدف الأسمى، وتحقيق صحتها وسلامتها ضمانة لأجمل مطلب، وأسمى وقاية من تلوث الفضاء. فطالما هناك صحة بيئية، ونظافة أنيقة يتجدد العالم باكتساب الصحة البدنية والنّفسية.
✱✱✱
أيّها الإنسان: ماذا لو كنتّ تشهد فصل النّهاية في زمن وباء الـ»كورونا»؟ هل تستعيد الآن ذكريات زمن بائد؟ وهل تتحسر على ما أضعته من وقت فيما لم يكن يستحق؟ ما الذي يحمله الآن انتظارك لجلائه؟ وكيف تتطلع اليوم إلى ذاك الآخر المتسبب له، والذي لم يتوقع أبدًا أنْ يتحول الفيروس من جلاد إلى ضحية بمجرد عطسة غبية؟!
ربما لا تصدق أنّك معني بما يحصل لك، بل ما يتحقق في عمقه وحقيقته، وأنّك تتواجد عاريًا مفلسًا لا تملك شيئًا مما كنتَ تحسب نفسك متسلحًا به، كلّ ما كنزته لن ينفعك، وكلّ ما نهبته لن تجد طريقًا لتعيده، وكلّ الذين ظلمتهم لن يتسنى لك الاعتذار لهم، وأيام غدك أنت عاجز عن عدّها، هل قلتّ لنفسك في المرآة: إنّك كائن ضعيف! حسنًا، لقد سنح لك الظّرف، تحسس صفعة الواقع على وجهك، كيف تجد قسوته وآثار أصابعه، متألمًا وخائفًا ومهزومًا،ومتى لم تكن كذلك؟ الفرق أنّك كنتَ تهرول والآن وقفت..امهل نفسك القليل من الوقت لتسيطر على لهاثك ويخفّ تسارع نبضك.. الآن تنفس بعمق هذا الوقوف حيّا وميّتا..غادر بؤس الحياة دون جزع وخوف.
لذلك، لا تسء فهمي أيّها القارئ سطوري، وعش حياتك مع الجماعة، انفتح على العالم، واكتشف الحقائق قديمها وحديثها، قاوم انتشار الوباء بحكمة وفضيلة.. فالاستمتاع بحياتك مع من تحب في حالة العسر أجمل خطوة نخطوها في حياتنا، بل اللذة التي تصنع منّا إنسانيتنا.
أيّها الإنسان، ترى كيف ستكون الحياة بعد القضاء على الوباء؟
لتكن نصيحة «اجلس في البيت» شعارًا لك بعد القضاء على هذا الوباء الذي تعلمنا من معايشتنا له الكثير. لنقول بعدها «حان الوصال والعناق بين الأحباب»، فنحن الصحة والعافية، لا نريد التّراجع، نريد التّقدم لمصلحة الإنسانية جمعاء، لا نريد أنْ نرعب العالم مثلما فعل «كوفيد19» وأرعبنا، نريد أنْ نتعلم من الصّين.. التعليم من أجل حياة أفضل، والصحة من أجل استمرار أكثر، والوعي من أجل عطاء أجمل.
لعل أهم ما تعلمناه أن الجلوس في البيت جعلنا نشعر بالدفء، بالأمان، بالحب، بالحنان، ونحن بين أهلنا وناسنا وعائلتنا.. جعلنا نكتشف أشياء صغيرة داخل المنزل، وتعرفنا على تفاصيلنا الصغيرة ونحن نحمي أحبابنا، ونهتم ببعضنا بعضَا؛ ثق.. فهذا شيء عظيم وجميل وجدير.
وأنّ الحياة إذا سارت وتيرتها ببطء ليست بالسّلبية، بل بها من الإيجابية الكثير، كالتريث وعدم الإغراق، وعدم التّفريط، وعدم الإخفاق.
والمهم إدراكه أنّ العودة إلى الاستفادة من البيئة المحيطة أسلم من التصنيع.. بكل ما أدخلته علينا الحياة المتطورة، ذات العجلة السّريعة التي قادتنا إلى تلوث البيئة بما فيها من مخلفات تصنيع السيارات والطائرات والمدافع والدبابات وغيرها من دخان ومخلفات، وأوقعتنا في حروب وهلاك، حقد ودمار.
فيروس «كوفيد19» قال لنا: لنفكر في أنفسنا لأنّ السلامة غاية الجميع.
و«كورونا» نبهنا: أن التصنيع لأجل صلاح الإنسانية لا تدميرها.
وختامًا، ماهي الأشياء التي نستطيع تحقيقها وتطبيقها بعد انجلاء الوباء؟!
وما أبرز التّفاصيل التي تعلمناها ونحافظ عليها من أجل أسرنا، وعائلتنا، والمجتمع، والإنسانية جمعاء كأفراد وشعوب ومؤسسات ودول؟!!
فـ»كورونا» زائل لا محالة.. ولكن تبقى العبرة المستفادة منه.. والعبر كثيرة إن تفكرت فيها أيّها الإنسان.. فمبادئ المرء تتكشف في الأزمات.
وشكرًا لكل من تفكر في الآخرين، وسهر على راحة الجميع.
هي الأرض منزرعون فيها، سنبقى ما بقي النّخيل واللّبان.
هي عُمان، كلّ عُمان، من الشمال إلى الجنوب، من الشرق إلى الغرب.
نحن نضحي من أجلكم! تحية لكم.. دموع «الصناديد» غالية جدًا، وأضع ثلاثة خطوط تحت كلمة «الصّناديد»، وأعني بالصّناديد كل الأيادي البيضاء المرابطة لأجل صحتنا وراحتنا ووقايتنا.. ومنهم المتطوعون، والجمعيات الخيرية، والسّاهرون لأجل سلامتنا.
يمضون كقطار مندفع إلى هدف واحد، هدف أسمى.. ويسقط منهم في هذا الانطلاق القدرة على الالتفات نحو ما رُسِم في الوجوه، وحُفِظ في القلوب.. وما خطه الماء على الأرض، وما نقشته النّجوم في السّماء. إنهم ثابتون، ينطلقون.. ولا توقفهم دمعة، ولا حرقة، ولا حاجة، ولا مصير بشري يتداعى، ويوشك أنْ يسقط من أعلى حافة جبل شاهق نحو أدنى هوة عميقة. ينطلقون ببهائهم وجلالهم وإيثارهم من أجل الحياة، من أجل الطمأنينة، من أجل الأمان؛ حتى لا يكونوا في مواجهة الجدار حيث العمر مرّ، وأوشك على الرّحيل، ولا يجد سوى دمعة، وحسرة على زمن مرّ دون الانتباه إلى معاني التّضحية، وتفاصيل الحياة الإنسانية.
فهل لنا أن ننتبه كي لا تسقط نظرة ودمعة وابتسامة وحاجة ورأفة ورحمة وخفة حبّ قربنا دون أنْ نعلم؟! فلنعتزل الحياة من أجل الحياة.

إلى الأعلى