الخميس 27 يوليو 2017 م - ٣ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الديموقراطية الأميركية.. “من رامبو السينما إلى رامبو السياسة”

الديموقراطية الأميركية.. “من رامبو السينما إلى رامبو السياسة”

محمد بن سعيد الفطيسي

البعض منا شاهد أفلام رامبو الأميركية منذ نسختها الأولى في مطلع ثمانينيات القرن الماضي, ذلك البطل الأسطوري الأميركي الخارق للعادة, والذي أكد للعالم جاهزيته للتضحية بنفسه, والاستعداد للتدخل في أي وقت لإنقاذ الضحايا الأبرياء وفي أي مكان من العالم, سواء كان ذلك في فيتنام التي سبق له وأسر فيها وعاش تجارب مريرة ومضنية، أو أفغانستان التي كافح فيها الشيوعية, (طبعا لا نعرف إذا كان الممثل سلفستر ستالوني سيضيف إلى قائمة أفلامه تلك نسخة لإنقاذ الأبرياء من الضحايا العرب).
إلى فيلمه الأخير في العام 2008م والذي يعرض فيه قصة الزج به في عملية إنقاذ ناشطين في منظمات خيرية، بعد أن تعرضوا للاعتقال والتعذيب من قبل القوات العسكرية في بورما، فيقرر التصدي لتلك القوات العسكرية والأمنية لينقذهم، محققًا بذلك كعادته في أفلامه السينمائية البطولات والانتصارات المذهلة على أعداء الحرية والعدالة والديموقراطية في كل مكان من العالم!
الفكرة التي نريد أن نصل إليها هي أن رامبو هذا من جهة كان وما زال وسيبقى في الذهنية الأميركية المحاكاة السينمائية التي عبرت من خلالها هوليود عن شخصية البطل الأميركي الذي هو على استعداد دائم للوقوف مع الضحية ضد الجلاد, ومع الحق ضد الباطل والطغيان ومع العدل ضد الظلم, أما من جهة أخرى, فقد مثل العديد من القيم الإنسانية والمثل الأخلاقية والحقوقية التي طالما تغنت بها السينما والسياسة في الولايات المتحدة الأميركية.
على العموم ـ وإن أحسنا الظن كجمهورـ في المخرج والممثل السينمائي الأميركي سلفستر ستالوني صاحب سلسلة أفلام رامبو الشهيرة تلك, وهو يعلمنا الديموقراطية والحرية والعدالة على الطريقة الهوليودية من خلال أفلامه العنيفة والمثيرة, فقد فشل رامبو السياسة الأميركية في نسخة أفلام الديموقراطية والعدالة وحقوق الإنسان, وخصوصا في كل النسخ العربية, وعلى قائمتها, سلسلة أفلام الإثارة والعنف السياسية الأوبامية؛ أقصد الاعتراف بالدولة الفلسطينية على تأكيد تلك الصورة السينمائية التي نجح فيها رامبو هوليود في فيتنام وأفغانستان وبورما.
نعم … لقد نجح المخرج والممثل السينمائي سلفستر ستالوني صاحب سلسلة أفلام رامبو منذ العام 1982 وحتى العام 2008م, وبطريقة أو بأخرى في أن يرسخ في أذهاننا كمشاهدين صورة تطبيق الديموقراطية والحرية والعدالة الأميركية من خلال أفلام العنف والإثارة الجسدية, في وقت فشل فيه السياسي الأميركي صاحب الأصول الإفريقية باراك أوباما “رامبو السياسة الأميركية الحديثة” في أن يغير سلسلة أفلام الديموقراطية الأميركية المسماة بسلسلة الخداع والكذب والنفاق منذ العام 1948م وحتى يومنا هذا.
وها هي وسائل الإعلام العالمية والعربية كعادتها وكما نقلت لنا يوما وما زالت تكرر نقل مشاهد سلسلة أفلام رامبو السينمائية, تنقل لنا اليوم وكل يوم بقية مشاهد سلسلة رامبو السياسية, من خلال وقائع تطبيق الديموقراطية الأميركية في العالم العربي, وخاصة في فلسطين الإسلامية العربية المضطهد شعبها والمغتصبة أرضها والمسلوبة ثرواتها من قبل حكومة الإرهاب والقتل والاغتيال الصهيونية, ومن خلال المواقف الأميركية المخجلة تجاه القضية العربية الفلسطينية.
وإن كان رامبو السينما الأميركية قد ظل على استعداد دائم لإنقاذ الضحايا الأبرياء وتحقيق العدالة والديموقراطية وحقوق الإنسان في أي مكان وزمان بوسائل وأفكار هوليود, واستطاع بعضلاته المفتولة من الوقوف أمام آلة الحرب والقتل والاغتيالات في استوديوهات التصوير السينمائية وحده, فإن رامبو السياسة الأميركية ما زال يؤكد من خلال مواقفه المخجلة عكس ذلك في مواجهة المجرم والجلاد؛ نقصد مستعمرة الخوف الإسرائيلية, وكانت الضحية فلسطين وشعبها العربي المسلم الأعزل.
وبينما نجد أن دولا أوروبية قد بدأت بالاعتراف الكامل بدولة فلسطين كالاعتراف التاريخي العظيم لدولة السويد بالدولة الفلسطينية مثلا في العام 2014م, ما زالت دولة كبرى تدعي أنها شريك في إحلال السلام في الشرق الأوسط, بل والراعي الأساسي والأكبر له, تبقى في دائرة الظل خوفا من الحرارة الحارقة لشمس غضب المستعمرة الإسرائيلية عليها, والأدهى والأمر من ذلك هو في وقوفها الصريح في مواجهة أي خطوة قد تحل السلام أو تقرب فلسطين من الإجماع الدولي والأممي على استقلالها القانوني الكامل في الأمم المتحدة, تحت شماعة المنطق السياسي المعاكس, وهو أن الاعتراف بدولة فلسطين سيصعب الأمر ويعقده, وكما يقول الشاعر العربي التونسي أبو القاسم الشابي: وكذاك تتخذ المظالم منطقا .. عذبا لتخفي سوءة الآراب.
وليس أصدق مثال على ذلك من إشهار عضلاتهم السياسية باستخدام حق النقض “الفيتو” لإلغاء توجه الفلسطينيين وبعض العرب إلى هيئة الأمم المتحدة لنيل الاعتراف بدولة فلسطين العربية على حدود 1967م, حيث إنه وبتاريخ الـ29 من نوفمبر 2012 في الجمعية العامة للأمم المتحدة تم التصويت على عضوية فلسطين كدولة مراقب غير عضو ورُفِع العلم الفلسطيني في مقر الأمم المتحدة لأول مرّة وذلك بموافقة 134 دولة واعتراض 9 دول وامتناع 41 دولة عن التصويت. وقد كان على رأس الدول المعترضة الولايات المتحدة الصهيو ـ أميركية وإسرائيل وكندا وجمهورية التشيك وجزر مارشال وميكرونيزيا ونورو وبالاو وبنما.
وفي كلا المشهدين, تتأكد لنا حقيقة المثل القائل: بأن الاختلاف في الرأي بين السينما والسياسة الأميركية لا يفسد للود الديموقراطي والجمهوري قضية, وخصوصا حين يكون طرفا تلك القضية وذلك الصراع هما الفلسطينيين من جهة والصهاينة من جهة أخرى, فالتقنيات التي تصنع النجوم في السينما الأميركية هي ذاتها التقنيات المستخدمة لترويج السلطة السياسية والديموقراطية وإدامتهما في الولايات المتحدة الأميركية, حيث يقوم النجوم في كلا الجانبين بتجسيد قيم وأفكار يجري عكسها على أرض الواقع, وخصوصا الواقع العربي.

إلى الأعلى